Navigation

"الإصلاح في مصر لن يكون إلا بقوة الحركات الاحتجاجية"

تجمع احتجاجي أثناء الإضراب الذي شهدته مدينة المحلة المصرية يوم 6 أبريل 2008 swissinfo.ch

أوضح الخبير التنموي المصري الدكتور نادر فرجاني، مدير مركز المشكاة للبحث والتدريب أن تصاعد الحركات الاحتجاجية في العالم العربي "مؤشر على قرب نهاية الأنظمة الاستبدادية المتسلطة".

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 يونيو 2008 - 21:01 يوليو,

وأشار فرجاني إلى أن المحيط العربي كله يغلي بالحركات الاحتجاجية غير أن بعضها سلمي والآخر عنيف، وإن كان العنف السمة المرشحة للزيادة نتيجة تجاهل النظم الحاكمة لمطالب الأغلبية المطحونة، فضلاً عن أسلوب القمع البوليسي الذي تعتمده في مواجهة هذه الحركات الاحتجاجية.

وفي حوار خاص لـ"سويس إنفو"؛ قال فرجاني؛ المؤلف الرئيس لتقرير التنمية الإنسانية العربية في الفترة من 2002 وحتى 2005: "معظم النظم الديكتاتورية في العالم العربي تقوم على فكرة حرمان الأغلبية الصامتة من السلطة السياسية والثروة الاقتصادية"، وانتقد أداء النقابات العمالية الحالية، وخاصة ما يسمى بنقابة عمال مصر، واصفًا إياها بـ"المزيفة"، معتبرًا أنها "تعبر عن مصالح النظام الحاكم لا عن مصالح الفئة المطحونة من العمال".

وأضاف فرجاني أن المشكلة في مصر تتلخص في أن كبار ملاك الثروة، هم كبار صناع القرار، ومن يحتكرون السلطة هم أنفسهم من يحتكرون الثروة؛ مشيرًا إلى أنه "حتى العلاوة التي قيل إنها تاريخية في قيمتها، لا قيمة لها في ظل غلاء الأسعار الجامح"، متعجبًا من أن "من اتخذ قرار العلاوة هو من اتخذ قرار رفع الأسعار، وفي نفس اللحظة التاريخية تقريباً".

مزيد من التفاصيل في نص الحوار:

سويس إنفو: ماذا يعني تصاعد الحركات الاحتجاجية في مصر والعالم العربي؟

د. نادر فرجاني: تصاعد الحركات الاحتجاجية مصريًا وعربياً يؤكد أننا دخلنا في بداية النهاية لهذه الأنظمة، وأن نمط الحكم التسلطي السائد في هذه البلدان هو سبب نشأة هذه الحركات، لأنه أسلوب يعتمد على حرمان الأغلبية من السلطة والثروة، لصالح "الشللية" أو ما تسمى بالأقلية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الاحتقان، وتكريس الشعور بالظلم.

والحكومات العربية تحاول إجهاضها، وربما استطاعت بعض الحكومات أن تحقق بعض الإنجازات الوقتية، لكنها لن تستطيع القضاء عليها تمامًا، لأن العوامل المنشئة لهذه التحركات مازالت موجودة، كما أن سلوك بعض أنظمة الحكم في مواجهة هذه الحركات ساهم في زيادة قيمتها، وأدى إلى تراكم خبراتها في المواجهة، والمستقبل يحمل فرصًا أفضل لحركات الاحتجاج في مصر.

سويس إنفو: وهل يمكن أن ترسم لنا بعضًا من ملامح خريطة الاحتجاجات في العالم العربي؟

د. نادر فرجاني: الاحتجاجات العربية بعضها سلمي، وبعضها عنيف، وبعضها الآخر خطير، فالاحتجاج قد يبدأ سلمياً كما حدث في الجزائر، وقد يتطور فيأخذ شكلاً من أشكال العنف كما حدث في المغرب، وقد يصل إلى ذروته عند الدخول في الاقتتال الداخلي كما حدث في اليمن، ولم يبدْ المشهد بهذا الوضوح؛ إلا خلال السنوات القليلة الماضية، حيث ارتفعت وتيرة الاحتجاجات بصورة لافتة.

وقناعتي بأن هناك تنامٍ مستمر في قوة الحركات الاحتجاجية، وأنها ستتصاعد قوتها، حيث تعتبر هي الأمل الوحيد لدرء مفاسد النظم الحاكمة المتسلطة والمستبدة، فحالة الاحتقان الشعبي بمصر قد تزايدت جراء التصرفات غير المسئولة للحكومة، لدرجة أنه وقع خلال عام واحد قرابة 1200 احتجاجًا، بواقع 10 احتجاجات كل شهر (!)، وهو ما يدفعني للقول بأن "النظام المصري في ورطة تاريخية".

سويس إنفو: قلت إن نظام الحكم في مصر في ورطة تاريخية.. فماذا تعني بهذه العبارة؟

د. نادر فرجاني: أقصد ما تشير إليه العبارة تمامًا، فالنظام الحاكم بجهله التعامل مع هذه الحركات، يغذي منابعها الاحتجاجية وهو يعتقد أنه يحاول قهرها، وهو ما يجعلني أقول بأن الأمل مفقود في إصلاح النظام الحاكم من داخله، وهو ما يعني أن الإصلاح في مصر لن يكون إلا بقوة الحركات الاحتجاجية.

سويس إنفو: تتفاوت التقارير الدولية والمحلية فيما بينها بخصوص نسبتي الفقر والبطالة في مصر.. فما حقيقة الأمر؟

د. نادر فرجاني: غالبية المصريين يعانون إلي جانب الفقر والاستقطاب الاجتماعي، التعاسة الناتجة عن تفشي البطالة والفقر، حيث يعيش غالبية المصريين تحت خط الفقر، وذلك وفقًا لأبسط المفاهيم المتعارف عليها دوليا للفقر، بأنه عدم قدرة الفرد علي الوفاء بالاحتياجات الأساسية عند مستوي معين من الدخل، حددته المنظمات العالمية بدولارين يوميًا، أي 1500 جنيه شهريًا لأسرة مكونة من 5 أفراد!

أما البطالة فقد تجاوزت نسبتها 15 - 25%، قياسًا على المفهوم الشائع والمسمي فنيًا بـ"البطالة السافرة"، وتعني من يبحثون عن فرصة عمل ولا يجدون، وقد تصل نسبة البطالة إلى 50% إذا ما قسناها بالمفهوم الجدير بالاعتبار في بلد نامي أو فقير مثل مصر، هو عدم الحصول علي عمل جيد وكريم ومنتج يوظف ويستثمر مهارات الفرد بكفاءة، تحت ظروف إنسانية، تحقق له الكرامة، وتضمن له مستوى من الكسب الذي يمكنه من الوفاء بحاجاته الإنسانية.

سويس إنفو: هل يمكن أن يؤدي استمرار تصاعد أسعار النفط وأسعار الغذاء في العالم إلى تأجيج حركات الاحتجاج أم أن الحكومات قادرة على إسكات هذه الحركات؟

د. نادر فرجاني: إذا كانت الحكومات ستحول التصاعد العالمي للأسعار إلى ارتفاع حاد في الأسعار دون أن تحاول أن توجد حلولاً مبتكرة لتخفيف العبء عن المواطن البسيط المطحون، فإنها لابد ستؤدي إلى تغذية منابع الاحتجاج ومن ثم إلى تقويتها، فالناس أصبحت غير قادرة على تحمل هذا السلوك الاستبدادي للنظام الحاكم.

وفي اعتقادي أن السبب الرئيس وراء خبوت صوت الاحتجاج، وهدوء حالة الحراك السياسي في الشارع المصري هو تصرف "الحُكْمِ" في المواجهة، ولا أقصد بكلمة الحكم الحكومة، فالحكم في مصر يعنى رأس النظام، إضافة إلى أجهزته الأمنية، أما الحكومة في مصر وغالبية البلدان العربية فليس لها قيمة تذكر، فهي لا تزيد عن كونها سكرتارية للنظام، تسمع وتطيع، وتنفذ ما يأمرها به النظام دون مناقشة.

والمتابع يجد أن كل المظاهرات التي قامت في مصر، بدأت سلمية تمامًا، ولم تتحول للمواجهة شبه العنيفة إلا بعد أن أساء النظام التصرف، وسمح لقواته باستخدام وسائل قمع عنيفة، مثل: القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي.

سويس إنفو: ما هو مقترحك للخروج من الأزمة؟

د. نادر فرجاني: يجب على أنظمة الحكم في بلادنا إذا كان لديها قدرًا من الرشد والحكمة، أن توسع من نطاق الحريات، بكل أنواعها؛ وأن تتيح الفرصة لمنظمات المجتمع المدني والسياسي، للقيام بدورها الذي كفله لها الدستور، مع اليقين بأن المدخل لضمان الخبز هو مزيد من الحرية، فو استمرت عملية الإفقار والتضييق على الحريات، من الممكن أن تؤدي إلى كارثة حقيقية، خاصة إذا اتسع نطاق حركات الاحتجاج وهو أمر متوقع ومحتمل.

سويس إنفو: هل يعود فشل حركات الاحتجاج في مصر والبلدان العربية إلى ذكاء الحكومات أم لعدم وجود كوادر مؤثرة، قادرة على قيادة الحركة؟

د. نادر فرجاني: بداية أوضح أن حركات الاحتجاج في مصر لم تفشل، بل إنها أثبتت نجاحًا ملحوظًا، ومن أهم نجاحاتها أنها كسرت حاجز الخوف لدى المواطن، ودفعته للخرج عن صمته والمطالبة بحقوقه المسلوبة والتي صمت عنها دهرًا طويلاً.

وفي تقديري أن حركات الاحتجاج في الشارع المصري أفرزت مجموعة من القيادات الرائعة المناضلة التي اكتسبت بمرور الوقت قوة وصلابة، ونجحت في تحقيق بعض مطالبها، لكنها ما زالت بحاجة إلى التنسيق والتكامل، لتحقيق أهدافها الأساسية.

سويس إنفو: ما تأثير التدخلات الخارجية الأمريكية أو الأوروبية على حركات الاحتجاج؟ وهل ترى أن هذا التدخل أضر بالحركات وأضعفها أم أنه عززها وقواها؟

د. نادر فرجاني: في حالات محددة وقليلة، خاصة من الاتحاد الأوروبي، فإن التدخلات كان لها تأثير إيجابي، وإن كنت غير راضٍ تمامًا عن الدعم الأوروبي لحركات الاحتجاج، لأنه في أحيان كثيرة – للأسف - يدور في الفلك الأمريكي فيتخلى عن الدور المرجو منه.

أما بخصوص التدخل الأمريكي فإن الوضع مختلف ومتقلب؛ فهي تتدخل وتظهر تأييدها ودعمها للحقوق والحريات، مادامت تحقق أجندتها في المنطقة، لكنها سرعان ما تتراجع وتأخذ مواقف سلبية إذا ما عارض الموقف أجندتها ومصالحها، وعليه فإنني أعتقد أن التدخلات الأمريكية لدعم حركات الاحتجاج في مصر في الغالب تكون سلبية وغير مفيدة.

سويس إنفو: البعض يراهن على اندلاع ثورة شعبية في مصر.. فما رأيك في هذا التصور؟

د. نادر فرجاني: أعتقد أنها رؤية صحيحة، فالنظام وضع الشعب بين شقي رحى، الإفقار والقهر؛ الإفقار عن طريق الغلاء المتصاعد والارتفاع الجنوني للأسعار، والقهر عن طريق التضييق على الحريات خصوصاً حرية التنظيم، والمؤسف أنه يفعل هذا اعتقادًا منه أنه سيمكنه من البقاء في السلطة إلى الأبد، وهذا نوع من الغباء التاريخي، والخبرة التاريخية تقول إن وصول الشعب لنقطة الانكسار، مع إصرار النظام على عدم القيام بإصلاح ذاتي، يجعل البديل كارثيًا، ويحيل المجتمع جحيما لا يطاق.

سويس إنفو: وما تقييمك لتجربة الحركة المصرية للتغيير، المعروفة إعلاميًا باسم حركة "كفاية"؟

د. نادر فرجاني: يجب أن نعلم جيدًا أن أي حركة احتجاج لا بد أن تواجه مشكلات؛ فهذا أمر متوقع؛ والطريق ليس مفروشا بالأشواك، وخاصة في ظل التسلط الحكومي والاستبدادي، ويكفي حركة كفاية فخرًا أنها كسرت حاجز الخوف لدى المصريين، وهو إنجاز تاريخي يحسب لها؛ كما أنها كسرت حاجز المحرمات، وفي مقدمتها الاعتراض على رأس النظام.

كما أنها نجحت في تصدير الفكرة الاحتجاجية إلى العديد من الدول العربية، بل إنها انتقلت إلى أوروبا نفسها، حيث تأسست حركة احتجاجية في إيطاليا على نفس فكرة كفاية، امتدت إلى عدة بلدان أوروبية، بهدف الاعتراض على انتهاك سلطات الاحتلال الإسرائيلي لحقوق المواطن العربي في فلسطين.

سويس إنفو: وماذا عن تقييمك لجماعة الإخوان المسلمين، في مصر، كحركة احتجاج؟

د. نادر فرجاني: في تقديري أن الإخوان المسلمين كقوة إصلاح وتغيير، لم ينجحوا حتى الآن، سواء في تقوية حركة المقاومة الوطنية المعارضة، أو في تقوية ائتلاف القوى المعارضة، وذلك لسبب أساسي وهو: أن حسابات الإخوان مع السلطة أصبحت من التعقيد بمكان، بحيث أنها تكاد تشل أي محاولة تنسيق مع باقي قوى المعارضة.

ولكنني في الوقت نفسه أختلف مع الذين يرون أن الإخوان هم السبب الرئيسي وراء ترسانة القوانين المقيدة للحريات، التي شرعها النظام، لتكبيل الحياة السياسية، لحماية نفسه من طموح الجماعة، وإن كنت لا أنكر أنهم أحد الأسباب وراء ذلك؛ أما السبب الرئيسي - في تقديري - فهو الحكم التسلطي الذي يسعى لتقييد الحريات، ليبقى متفردًا بالحكم لأطول فترة ممكنة.

سويس إنفو: من خلال قراءتكم لخبرة الحركات الاحتجاجية في مصر.. ما هي في تقديركم المقومات الأساسية لنجاحها في تحقيق أهدافها الأساسية؟

د. نادر فرجاني: نجاح الحركات الاحتجاجية مرهون بتضافر قيادات الحركات الاحتجاجية، في تشكيل قوى وكيانات قوية مستقلة، والتعاون في سبيل إقرار برنامج وطني للحركات الاحتجاجية، مع الإقرار بأن هناك 10 مقومات تتضافر فيما بينها في تشكيل حركة احتجاجية ناجحة، تتمثل في: توسيع رقعة الاحتضان الجماهيري ليشمل قطاعات واسعة من الجموع الساخطة، والتواصل المستمر مع وسائل الإعلام المحلية والدولية بكافة أشكالها المقروءة والمسموعة والمرئية، والحرص على حشد الدعم والمساندة من المنظمات الحقوقية المصرية.

ومن هذه المقومات أيضًا: الجسارة المتزنة بلا رعونة، والصلابة والمثابرة ونزع اليأس والقنوط، والتكاتف والتعاون والتكافل، مع الإبداع والابتكار في الوسائل وأخذ زمام المبادرة، مع الحرص على الاتحاد ولمّ الشمل واتساع النطاق، في ضوء التكاتف والتعاون والتكافل، مع اللجوء إلي القضاء كلما أمكن، وفي النهاية كسب تأييد المجتمع الحقوقي الدولي وخاصة المنظمات المعنية بمتابعة حالة حقوق الإنسان.

همام سرحان - القاهرة

من هو الدكتور نادر فرجاني؟

هو مفكر اجتماعي مصري؛ ولد في عام 1944م.

حصل على درجة البكالوريوس في الإحصاء التطبيقي، من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ثم على درجة الدكتوراه من جامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1970م.

قام بالتدريس والبحث في العديد من المؤسسات منها: جامعة القاهرة، وجامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة، والجامعة الأمريكية في القاهرة، والمعهد العربي للدراسات والبحوث الإحصائية في بغداد، والمعهد العربي للتخطيط في الكويت، وكلية سانت أنتوني في أكسفورد في بريطانيا، وكذلك المجلس القومي للسكان والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالقاهرة.

عمل مستشاراً لعدد من المنظمات المصرية والعربية والدولية، كما عمل رئيسًا لفريق تحرير تقرير التنمية الإنسانية العربية، الصادر من برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة UNDP، في الفترة من 2002م وحتى 2005م، وحاليًا يرأس مركز المشكاة للبحث والتدريب بالقاهرة.

نُشِرَ له العديد من الأبحاث والكتب في مجالات السكان، والهجرة الدولية، وسوق العمل، والتعليم، والفقر، والتنمية، في مصر والبلاد العربية، صدرت جميعها عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت- لبنان، ومن أهمها:
- كتاب (هدر الإمكانية)، صدر عام 1980، (خمس طبعات).
- كتاب (العمالة الأجنبية في أقطار الخليج العربي)، (محرر)، صدر عام 1983م.
- كتاب (الهجرة إلى النفط)، صدر عام 1983م.
- كتاب (رحّل في أرض العرب)، عن الهجرة للعمل في الوطن العربي، صدر عام 1987م.
- كتاب (سعياً وراء الرزق)، وهو دراسة ميدانية عن هجرة المصريين للعمل في الأقطار العربية، صدر عام 1988م.
- كتاب (عن نوعية الحياة في الوطن العربي)، صدر عام 1992م.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.