تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"الثورة اليمنية أسقطت النظام شرعياً ودستورياً وأخلاقياً"



عسكريون يمنيون رفعهم متظاهرون مناوئون للحكومة على الأعناق خلال مظاهرة نظمت يوم 15 مايو 2011 في العاصمة صنعاء للمطالبة برحيل الرئيس علي عبد الله صالح

عسكريون يمنيون رفعهم متظاهرون مناوئون للحكومة على الأعناق خلال مظاهرة نظمت يوم 15 مايو 2011 في العاصمة صنعاء للمطالبة برحيل الرئيس علي عبد الله صالح

(Keystone)

تدخل الثورة الشبابية اليمنية شهرها الرابع وتتمدد في سبعة عشر مدينة كما لا يلوح في الأفق أنها أوشكت على الإقتراب من النصر الذي يباعد بينه وبين الثوار مسعى دول مجلس التعاون الخليجي الرامي لتسوية الأزمة بين السلطة والمعارضة وفق ما يراه شباب الثورة.

ومنذ أن بدأت دول التعاون الخليجي مسعاها (الذي يحظى بدعم واشنطن والاتحاد الأوروبي) يثور جدل حول منتهى الثورة اليمنية يتمحور حول أنها لم تستلهم التحولات التي أحدثها الشباب في كل من تونس ومصر إلا لأن بلادهم تعاني من نفس المشاكل التي عانت منها تلك البلدان، بل وربما أكثر من مثيلاتها في باقي أرجاء الوطن العربي.

والمتابع للسجال الذي يدور بين اليمنيين على شبكات التواصل الإجتماعي يلمس شعورا جارفاً بالمرارة مما يعتبرونه تسلطا وقهرا وهيمنة من طرف قيادات هرمة، ونهبا منظما للثروات رغم محدوديتها وعدم كفايتها، واحتكارا للسلطة واستبدادا بها، وانتخابات صورية مزورة، وديمقراطية مزيفة، وتحول أفراد من الأسرة الحاكمة إلى مستبدين موازين للحاكم، وهي ظواهر تكاد تتشابه فيها الأنظمة العربية إلى الحد الذي يحمل الشباب الثائر على القول بأن جميعها أنظمة مستنسخة من بعضها، والتأكيد بأن بلادهم لن لن تنجو من التحولات العاصفة التي تجتاح المنطقة ومن المصير الذي انتهى إليه النظامان السابقان في مصر وتونس، ويرون في المساعي الخليجية "محاولات لإيقاف قطار ثورات التغيير العربية يسانده دعم دولي"، ما يضاعف إصرارهم على الإستمرار في الثورة حتى الرحيل النهائي لعلي عبد الله صالح.

دعم اجتماعي قوي

العقيد عبدالحكيم القحفة، الخبير الأمني المنضمّ إلى لثورة في أيامها الأولى يُـرجع في حديثه لـ  swissinfo.ch تصميم شباب التغيير إلى ما يعتبره "قوة الدعم الإجتماعي الوطني للثورة اليمنية مقابل تخاذل العالم الخارجي لها"، ويرى القحفة أنها "تمثل خارطة جغرافية، واجتماعية متكاملة، وخارطة مظالم متراكمة امتدت على مدار عقود  طويلة وأنها حركة ثورة شعبية حقيقية لأول مرة تنتشر من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب انخرطت فيها كل  تلونات الطيف المجتمعي، والسياسي، والنوع الاجتماعي من الرجال والنساء والبادية والقبائل والحضر ومن كل الفئات العمرية".

ولهذه الأسباب مجتمعة، يرى الخبير الأمني أنها "حدث ثوري استثنائي، لأنها لم تتلق أي دعم خارجي"، بل  على العكس يرى القحفة أنها كانت "ضحية لمواقف النفاق الإقليمية الدولية  المتخاذلة الداعمة (لما يسميه بنظام السفاح) صالح التي شجعته على قتل الكثير من الشباب بطرق مروعة وبشعة دون أن تتحرك المنظمات والهيئات الأممية على النحو الذي تحركت فيه تجاه ليبيا وسوريا".

ومع ذلك، يقول القحفة "ظلت الثورة صامدة في ساحات وميادين الاعتصمات ورغم مضي أزيد من 100 يوم على انطلاقها تعرض خلالها المحتجون إلى صنوف عدة من القتل والقمع والخطف والإغراء إلا أنهم ما زالوا يواصلون إصرارهم على التغيير الذي رفعوه وصولاً إلى تحقيق الأهداف التي انطلقت من أجلها وهي بكل الأحوال لن تتراجع إلى الوراء"، لأنها - على حد تعبيره - "أسقطت  النظام شرعياً ودستورياً وأخلاقياً" .

المساعي الخليجية.. محاولة للإلتفاف

في سياق متصل، يرى النشطاء الشبان أن مساعي دول الخليج عبر المبادرات التي تقترحها بتعديلاتها المتلاحقة لا تعدو عن كونها محاولة للإلتفاف على الثورة اليمنية خاصة والثورات العربية عامة وتحويلها من ثورة شعب إلى مجرد أزمة سياسية بين السلطة والمعارضة من ناحية، وإعطاء متسع من الوقت لعلي عبدالله صالح كي يقتل ويقمع ويمارس كل أساليب الاحتواء والمراوغة لإفراغ الثورة من محتواها، من ناحية أخرى.

وفي هذا الصدد، تحدث لـ swissinfo.ch حسين السهيلي أحد شبان الثورة في ساحة الحرية بمدينة تعز (230 كم جنوب العاصمة صنعاء) قائلاً : "مارست السلطة خلال الفترة المنصرمة التي روج فيها لإفساح المجال للمساعي الخليجية ومازالت أساليب الترهيب والترغيب بهدف خلخلة صفوف الثوار وإضعافهم ،  فإلى جانب قتل وجرح واعتقال الناشطين الشبان قامت بتوقيف رواتب الموظفين منهم وشطبهم نهائياً من الوظيفة العامة كما قامت باستقطاعات من أجور ورواتب المنظمين إلى ساحات الإعتصامات بهدف الضغط عليهم ، كما نفذت كل صنوف التضييق والإيذاء لرؤساء الحركات الشبابية وإغراء بعضهم بالمال واستمالتهم إلا أن كل تلك الأساليب لم تؤثر على عزيمة الشباب بل زادت من إصرارهم على إسقاط النظام".

من جهة أخرى، يرى السهيلي أن النظام أصبح مجرد لاعب ثانوي في المواجهة التي تدور بين الثوار مقارنة بمواجهة الخذلان الإقليمي والدولي الذي يبدو متواطئاً مع نظام صالح ويقدم له دعماً منقطع النظير، وآخرها معدات قمع المتظاهرين المقدمة من السعودية وأمريكا. الأمر الثاني أن الثورة تواجه ما يسميه بتآمر وسائل الإعلام التي تتعاطى مع الثورة اليمنية بانحياز سافر وعدم مهنية بتقديمها لرموز السلطة وهم يبررون القتل والقمع، أو بتركيزها على نشطاء غير فاعلين عدا كونهم ينتمون إلى بعض الأحزاب السياسية وهم في الغالب - حسب السهيلي - سطحيون، الأمر الذي يعطي صورة سيئة في بعض الأحيان عن قدرات ومدارك  الثوار.

وخلص الشاب الناشط  في حديثه مع swissinfo.ch إلى التساؤل بمرارة قائلاً: "نحن نريد أن نسأل العالم ماذا يريد منا ومن بلدنا بمواقفه المريبة؟ أليس في ذلك تناقضاً بين ما يرفعه من شعارات وما يمارسه من سياسات تجاه المطالب الحقوقية للشعب اليمني؟".

صمود الشباب. وخيار المغادرة

المؤكد لدى الكثير من المتابعين والمراقبين أن الثورة لها أسباب عميقة هي محصلة لتراكمات طويلة من سوء استغلال السلطة والثروة والتهميش والإفقار وغياب العدالة والمساواة التي انتشرت إلى الحد الذي دفع بجموع الشباب المحتشدين في الساحات ليخرجوا للتعبير عن عدم رضاهم عن أوضاعهم وأوضاع بلدهم.

ويرى أولئك المراقبون أن الناس لو كانوا يعيشون في أوضاع مرضية لما خرجوا إلى الشوارع متحملين برد الشتاء ولفحات شمس الصيف يحدوهم الإصرار على أن لا ينالوا أقل من ثورة حقيقية تشكل قطيعة مع الماضي بكل سلبياته الذي أهدر خلاله النظام فرصاً ثمينة للتغيير والتحول كفرصة توحّـد اليمن عام 1990 وتطبيق النهج الديموقراطي.

 وفي المحصلة، يذهب متابعون لمسار وتفاعلات الثورة اليمنية إلى أن دخول أطراف إقليمية ودولية على الخط عبر محاولاتها البحث عن حلول وتسويات بين المعارضة والحكومة أعادت طرح الكثير من التساؤلات حول المسار الذي ستتخذه الثورة اليمنية وجعلت الشارع بين تجاذبين: الأول يُصرّ على الخيار الثوري الذي ينتهي برحيل صالح وتسليم السلطة  بشكل فوري. والثاني يدعو إلى  إفساح المجال للمساعي التي يبذلها مجلس التعاون الخليجي (التي تحظى بمباركة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) وبين هذا الموقف وذاك يظهر الرئيس صالح مُحيّراً للعالم بتغير مواقفه من ترتيبات نقل السلطة يوافق عليها حيناً ويرفض حيناً آخر، ربما متأثراً حسب ما يذهب إليه الشارع اليمني بمخاوف المصير الذي صار إليه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك ثم أخيرا القذافي ، والأسد الذين أصبح جميعهم إما طريدي العدالة الوطنية أو الدولية.

لهذه الأسبابب، لا يخفي الشارع اليمني خشيته من أن يلتجئ صالح إلى القيام بمغامرة عسكرية، إلا أن بعض المحللين والمراقبين يرون أنه لم يعد بمقدوره الإقدام على مثل تلك الخطوة، لأن ساحات وميادين الإعتصامات تعج بملايين المحتجين الذين لا يقبلون بلقب أقل من ثائر، فضلا عن أنهم يمثلون خارطة واسعة الطيف الإجتماعي والسياسي والجغرافي والقبلي والمدني، ويواجه انشقاقاً في المؤسسة العسكرية والعشائرية التي ينتمي إليها، وأنه أمام هذه المعطيات المقلة يبدو متخبطاً حيناً ومراوغاً حيناً أخر يراهن على ملل الثوار وهو أمر بعيد المنال على ما يبدو .

الخلاصة أن كل المحاولات التي يقوم بها صالح لاستمرار نظامه تصطدم بصمود وإصرار الشباب الثائر الذي لا يقبل بأقل من ثورة ولا يرضى بدون سقوط النظام وبين هذا وذاك يبقى أمام الرئيس اليمني خيار المغادرة الطوعية للسلطة.

مسار متعرج لمواقف الرئيس صالح تجاه المبادرة الخليجية

في مطلع إبريل 2011 أعلن مجلس التعاون لدول الخليج عن فحوى مساعيه لحل الخلافات بين السلطة والمعارضة عبر ما اصطلح على تسميته بالمبادرة الخليجية التي ظهرت بصيغتها الثالثة المعدلة في الثالث من ابريل وجاءت كمحصلة لجولات من اللقاءات المنفردة بين الوسطاء الخليجيين وكل من المعارضة والحكومة.

 منذ الكشف عن تلك المبادرة أدخلت عليها تعديلات جديدة قللت من توفير ضمانات فعلية تفضي إلى نقل السلطة  من الرئيس صالح إلى نائبه والتهيئة لإعداد انتخابات ورأت فيها المعارضة ممثلة بأحزاب اللقاء المشترك التفافاً على الإيجابيات التي دفعت المعارضة لقبولها خاصة ما يتعلق منها بالتوقيع، إذ أعلن صالح أنه سيوقعها في اليمن وليس خارجه، وتردد حينها أن سبب اشتراط صالح راجع إلى مخاوفه من انقلاب عليه في حالة خروجه، ثم لاح في الأفق إمكانية نقل مراسم التوقيع إلى العاصمة اليمنية صنعاء، إلا أنه بعد ذلك ظهرت تعديلات أخرى. أبرزها:  بعد أن عنونت المبادرة بصيغتها الأولى بـ " اتفاق بين الحكومة والمعارضة تغيرت إلى "اتفاق بين المؤتمر الشعبي العام وحلفائه، واللقاء المشترك وشركائه"، ما يعني أن الرئيس صالح لن يوقع عليها بصفته رئيساً للدولة، وإنما بصفته رئيساً للحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام إلى جانب خمسة عشر شخصا هم الآتي : التوقيع الأول لعلي عبد الله صالح بصفته رئيسا للمؤتمر الشعبي العام والثاني لعبد الكريم الإرياني نائب رئيس المؤتمر فيما التوقيعات التالية حتى الرابع عشر لأحزاب التحالف الوطني الحليفة للمؤتمر والتوقيع الأخير (وكأنه تعميد أو رعاية) لعلي عبدالله صالح رئيس الجمهورية اليمنية إلى جانب ورعايته للتوقيع لا يترتب عليه التزام فيما صفته الحزبية اعتبرتها المعارضة قابلة للإنتفاء إما بتغيير اسم الحزب وحله أو برفض ممثليه في البرلمان التصويت على نقل السلطة وفقاً للمادة  115 من الدستور اليمني التي تقضي بأن يقدم رئيس الدولة استقالته مسببة إلى مجـلس النواب، ويكون قرار مجلس النواب بقبول الإستقالة بالأغلبية المطلقـة لعدد أعضائـه وفقاً لتلك المادة.

التعديل الذي طال الصيغة الرابعة المعدلة شمل الأطراف الراعية للإتفاقية دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت (بمقتضى الصيغة الثالثة) ستوقع إلى جانب كل من الحكومة والمعارضة كضمانة لتنفيذ الإتفاق عبر توقيعه، حيث ألغي في النص الجديد واستبدل بأن التوقيع  يتم بحضور وزير خارجية الإمارات الرئيس الدوري الحالي للمجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي ومعه أمين عام مجلس التعاون فقط.

النقطة الخاصة بإزالة كل مظاهر التوتر اعتبر الحزب الحاكم أنها تشير إلى رفع الاعتصام من الساحات العامة فيما رأت المعارضة (التي ستؤول إليها رئاسة الحكومة الانتقالية بمقتضى الاتفاقية) أنه لا يمكن أن تشمل الشباب الثوار في تلك الساحات الذين لا يتبعون تلك الأحزاب والذين نزلوا إلى الساحات من أجل مطالب للتغيير ولن يغادروها إلا بتحقق تلك المطالب. وقد لقي هذا المطلب على ما يبدو تفهما ظهر من خلال عدم إثارته من قبل الحكومة .

خلال الزيارة الأخيرة للأمين العام لمجلس التعاون التي كانت ترمي إلى بحث سبل الخلاف بين الطرفين برز للعلن طلب جديد للجانب الحكومي من المعارضة وهو :وقف التمرد في محافظة صعدة ، وايقاف الحراك الجنوبي"، ما أعاد الخلافات إلى نقطة البداية وهدد بإيقاف المعارضة  .

ومنذ انطلاق هذه الجهود والوساطات ظل شباب الثورة في الساحات العامة يرى أن ذهاب أحزاب اللقاء المشترك في طريق الحوار والتوافق هو محاولة لحرف الثورة عن مسارها وتحويلها إلى مجرد أزمة بين السلطة والمعارضة ، واستمروا على مطالبتهم بالرحيل الفوري للرئيس صالح .

 بعد كل ذلك أعلن صالح يوم الإثنين 16 مايو 2011 أنه وافق على المبادرة بنسختها الثالثة التي ظلت المعارضة متمسكة بها. ويوم الأربعاء 18 مايو، قال مسؤول في المعارضة اليمنية إن رئيس اليمن علي عبد الله صالح والمعارضة اتفقا على توقيع اتفاق توسط فيه مجلس التعاون الخليجي لنقل السلطة وذلك بعد ادخال تعديلات بسيطة على الاتفاق وبعد توسط دبلوماسيين من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.

ومن شأن الاتفاق الذي قالت المعارضة إنه سيوقع في وقت لاحق من يوم الاربعاء أن يسهل خروج صالح من الحكم خلال 30 يوما بعد ان قضى في السلطة 33 عاما انتهت بأزمة سياسية. ومع ذلك لا يُستبعد أن يتراجع صالح عن موافقته كما فعل في مرات سابقة.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×