تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"الرق" في السودان: بين الوقائع ... والاستغلال (1 من 2)

تشكيك وسائل الإعلام الغربية في حجم وحقيقة ظاهرة الرق في جنوب السودان لا يعني بالضرورة أن الظاهرة وهمية

(swissinfo.ch)

رفض نائب رئيس منظمة التضامن المسيحي الدولي التي مقرها زيورخ الاتهامات التي وردت في مقال بصحيفة الإنترناشونال هيرالد تريبون الأسبوع الماضي واعتبر أن مزاعمها لا أساس لها من الصحة. وكانت الصحيفة قد أكدت بإن عددا لا يستهان به من عمليات "تحرير العبيد" التي تمولها منظمته في جنوب السودان وهمية، وأن بعض قادة التمرد الجنوبيين استغلوا حماس المنظمة لهذه القضية لجني مكاسب مالية.

مشهد تكرر عرضه في العديد من الإعلانات والحملات الغربية المضادة "للعبودية" في السودان:"زائر غربي يلتقي في قرية سودانية نائية بتاجر عربي يخفي وجهه بوشاح، وبينهما أكوام مكدسة من الأموال بالعملة المحلية. وتحت شجرة على مقربة منهما يقف المئات من النساء والأطفال في انتظار لحظة الحرية!"

الزائر الغربي هو في العادة عضو في جمعية خيرية غربية يسعى إلى إيجاد حل لمشكلة يؤكد على وجودها في السودان - مشكلة "العبيد" من الجنوبيين. والتاجر العربي هو تاجر "عبيد" تمكن من شراء حرية النساء والأطفال من "أسيادهم" في الشمال. والنساء والأطفال هم من قبائل جنوبية تم خطفهم في هجمات لقبائل عربية متاخمة على مواقعهم.

"تحرير العبيد ..تجارة رابحة؟"

هذا المشهد أشار إليه الصحفي كارل فيك في مقاله بعنوان "أرباح السودان من تجارة العبيد المزيفة" الذي تصدر الصفحة الأولى من صحيفة الإنترناشونال هيرالد تريبون يوم الأربعاء الموافق السابع والعشرين من فبراير الماضي.

لكن إشارته له لم تكن بدافع التغطية الصحفية لهذه القضية التي دأبت وسائل الأعلام الأمريكية على متابعتها عن كثب، بل الكشف عن وجود تلاعب فيها. فهو يؤكد أن عمليات شراء حرية "العبيد" من السودانيين، التي يتم تمويلها بملايين الدولارات الأمريكية من التبرعات الغربية، تعج بالرشاوى و الفساد. يعتمد السيد فيك في مقاله على شهادات عددٍ من العاملين في مجال الإغاثة ومراقبين لحقوق الإنسان وقادة في حركة التمرد الجنوبية التي "ينظر أعضاءها إلى تحرير العبيد كتجارة رابحة".

ووفقا لمصادر داخلية في الجيش الشعبي لتحرير السودان لم يسمها فإن قادة ومسؤولين في الحركة جنوا أرباحا وفيرة من الأموال المدفوعة لبيع حرية الأسرى. والأهم أنه في بعض الحالات تم تدبير عمليات التبادل بصورة تظاهر فيها قرويون جنوبيون أحرار بأنهم "عبيد". يضرب السيد فيك مثلا ً بحالات لاحظ فيها عمال إغاثة وجود أطفال في مجموعات يفترض أنها "ستُحرر" رغم إقامتهم (أي الأطفال) في المنطقة. كما ينوه بشهادة قس إيطالي ماريو ريفا يعيش في منطقة جنوبية تعاني من عمليات إغارة قبلية ويتقن لغة أهل المنطقة المحلية. فقد قال إنه شاهد مرة مترجما يعمل مع إدارة حركة التمرد وهو يزيف إجابات من يستجوبهم من "العبيد المحررين". فقد طلب نائب رئيس جمعية التضامن المسيحي الدولي جون إيبنر من المترجم أن يسأل صبيا عما إذا كان فعلا عبدا. بدلا من ذلك سأل المترجم الصبي قائلا:هل عانيت كثيرا؟

هذه الحكاية لم يوردها الصحفي الأمريكي في مقاله اعتباطا. فمؤسسة "التضامن المسيحي الدولي" السويسرية هي التي قادت الحملة الإعلامية الدولية منذ منتصف التسعينات ضد الرق في جنوب السودان. ويكتسي الموضوع أهمية اكبر عندما نعرف أنها شنت حملة واسعة، لا سيما في الولايات المتحدة، لجمع التبرعات المالية لدعم عمليات "تحرير العبيد". وإنها تزعم أنها تمكنت منذ عام 1995 من تحرير نحو ستين ألف عبدا، بتكلفة قدرها ثلاثة وثلاثين إلى خمسين دولارا ثمن حرية الشخص الواحد.

رغم ذلك، لم يسع السيد فيك طوال المقال إلى التشكيك في النزاهة المالية للمنظمة. لعله لمح إلى ذلك عرضا في اقتباسه لتعليق لمتحدث رسمي باسم حركة التمرد سامسون كواجي عندما قال:"هؤلاء الناس ( أي المتبرعين) يدفعون مائة ألف دولار إلى جون إيبنر، لكني لا أعرف كم من هذا المبلغ يصل إلى مقاطعة تويك (وهي منطقة تعرضت إلى غارات عديدة).. عشرة آلاف؟ خمسون ألف؟". إلا أن الخط العام للمقال أبدى قناعة بإن ما يحدث من عمليات خداع وتزييف ينبع بصورة غير مباشرة من "النيات الحسنة" للمنظمة.

اتهامات لا أساس لها من الواقع

كيف ترد منظمة التضامن المسيحي الدولي السويسرية على هذه الاتهامات؟ وبالتحديد كيف يرد السيد جون إيبنر، نائب رئيس المنظمة والمدير المختص بقضايا حقوق الإنسان، لاسيما وأن المقال أشار إليه بالاسم؟ يتخذ السيد إيبنر في حديثه مع سويس إنفو موقفا جمع بين الهجوم و الدفاع منذ اللحظة الأولى. فالاتهامات الواردة في المقال، يقول السيد إيبنر، لا تعتمد على براهين وأدلة قوية، خاصة وإن كاتب المقال أعتمد على حديث شاهد واحد عندما أشار إلى عمل المنظمة.

وهي تعمدت، والحديث لازال لإيبنر، عدم الإشارة إلى قدر كبير من المعلومات التي تقدم بها شهود عيان وتؤكد على مصداقية جهود المنظمة. والأهم، أن كاتب المقال أعتمد كثيرا على شهادات فئة من قادة المتمردين الجنوبيين متورطة في صراع مع القادة المدنيين والعسكريين المحليين في منطقة بحر الغزال.

لم ينس السيد إيبنر أن يشير إلى وسائل الأعلام المتعددة والمعروفة التي رافقت عمليات تحرير العبيد التي أجرتها منظمته، ومنها السي إن إن والبي بي سي وصحيفة النيويورك تايمز. وفي الوقت ذاته عمد إلى النأي بمنظمته عن جهود البارونة كوكس التي انشقت عن الفرع السويسري والتي أثارت حملتها في هذا الشأن انتقادات سلبية. يقول: "لا أستطيع أن اعلق على جهود غيري في هذا المضمار لكني قادر على ضمان مصداقية عملنا. والبارونة كوكس مُنعت من العمل في بحر الغزال من قبل القادة القبليين المحليين لأنها لم تلتزم بالخطوط العريضة التي تعتمد عليها مصداقية هذا البرنامج".

حسنا. مادام الأمر كذلك، هل سترفع المنظمة قضية دعوى ضد الهيرالد تريبون؟ بدا السيد إيبنر منزعجا من السؤال:"بالطبع لا. لا اعتقد أننا سنرفع دعوى، لقد أخذنا ملاحظاتهم في الاعتبار ونحن نحللها، لكننا لسنا ممن يأخذ الناس إلى المحاكم. سنجادلهم. وسنثبت لهم الحجة بالحجة بإن المقال قدم معلومات مضلله".

وللحديث بقية..

إلهام مانع


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×