تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"الملاذ الأخير" للقوات الأمريكية في العراق

يظل التقليل من حجم الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية الهاجس الرئيسي للقادة السياسيين في واشنطن

(Keystone)

تنقل عن رئيس وزراء بريطانيا الشهير ونستون تشرشل عبارة موحية تفيد بأن "الأمريكيين يفعلون دائما الشيء الصحيح، بعد أن يكونوا قد جرّبوا كل الخيارات الأخرى".

وقد بدأت واشنطن تُـدرك حجم أخطاء الحسابات التي استندت عليها في تقدير مشكلات عراق ما بعد صدام حسين، وهو ما يدفعها إلى إتّـباع استراتيجيات "تقليص الخسائر".

يبدو مؤكدا الآن أن الإدارة الأمريكية قد اتّـخذت قرارات كبرى لا تقتصر على إعادة ترتيب أوضاع القوات، وإنما إعادة جدولة الخطوات الخاصة بإدارة المسألة العراقية برمّـتها في اتجاه ما سُـمي "خريطة طريق" معكوسة.

فبدلا من سيناريو صياغة الدستور ثم إجراء الانتخابات ثم نقل السلطة (السيادة)، بدأ الاتجاه نحو سيناريو نقل السلطة بحلول يونيو 2004، ثم يفكّـر العراقيون على مهل، بإشراف أمريكي، في صياغة الدستور، وإجراء الانتخابات.

لقد تخلّـت الإدارة الأمريكية عن حلم الأيديولوجيين في اليمين المحافظ، والذي كان يركّـز على بقاء طويل للقوات الأمريكية في العراق، وإدارة الدولة بصورة تُـؤدي إلى خلق ما يعتبرونه نموذجا ديموقراطيا يؤثّـر في المنطقة، على غرار ما حدث من قبل في اليابان، ولم يعد الهدف حاليا سوى إقامة نظام مستقر صديق للولايات المتحدة، يضمن على الأقل عدم عودة النظام السابق، ثم التفكير في مسألة الانسحاب بعد ذلك.

هنا، تأتي أهمية تعبيرات هامة حول محددات الانسحاب للجنرال بيتر بيس، نائب رئيس الأركان الأمريكي، يقرر فيها "أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق لن يكون وفق جدول زمني، وأن تحقيق الاستقرار وضمان وجود نظام حكم مستقر، هما الركيزتان الأساسيتان لتحديد موعد الانسحاب".

من الفلوجة إلى واشنطن

إن بداية هذا التوجه جاءت من المنطقة السنية في العراق. فقد وصلت التقديرات الأمريكية لما يحدُث فيها إلى نهايتها تقريبا، وقد أقر الرئيس جورج بوش أن الولايات المتحدة تواجه "حالة حرب" بعد فترة طويلة كان التصور الرسمي هو أن ما يحدث في العراق هو "مشكلة أمنية".

وتُـشير التفاعلات العنيفة بالفعل إلى تحولات حادة كميا وكيفيا. فقبل شهور قليلة، أعلن الجنرال تومي فرانكس، القائد الأسبق للقيادة المركزية أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس، أن القوات الأمريكية تتعرض يوميا لما بين 10 و25 هجوما مسلحا، بمتوسط 12 عملية مسلحة لا تُـسفر سوى عمليتين منها عن قتلى.

أما في الوقت الحالي، فإن المتوسط العام لعمليات المقاومة العراقية قد وصل إلى 18 عملية تقريبا، في الوقت الذي ارتفع فيه عدد العمليات اليومية إلى 30 عملية في بعض الأحوال، ولا تزال النفقات العسكرية لبقاء القوات في العراق عند مستوى 4 مليارات شهريا، كما أن الجنود قد أرهقوا إلى درجة دفعت القيادة إلى التفكير في استبدالهم.

وعلى الرغم من أن عدد القتلى بين الجنود الأمريكيين لا يزال عند مستواه التقليدي الذي يدور حول 2 و3 جندي يوميا، باستثناء ما يسقط في عمليات نوعية، كإسقاط الطائرات أو قصف مقار القيادة، إلا أن تلك العمليات (النوعية) تحديدا هي الذي تُـسبب المشكلة للقوات الأمريكية. فقد بدأ حجمها يتزايد، ضد أهداف مختلفة، باستخدام وسائل غير تقليدية إلى درجة تتجاوز كل ما أشارت إليه نظريات "الحرب غير المتوازية" التي طورت في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد وصلت إلى تقدير بأنه لن يكون في مقدورها وقف تلك العمليات نهائيا بثمن عسكري مقبول، أو على حد ما جاء في المذكرة الداخلية التي أثارت الجدل داخل وزارة الدفاع، لن يكون هناك معيار محدد للحديث عن نتائج نهائية لمثل تلك الحرب، في الوقت الذي بدأت فيه كلمة "فيتنام" تتردد كثيرا في الصحف الأمريكية.

لكن الأهم هو الثمن السياسي للموجة الأخيرة من العنف في العراق. فقد بدأت أصداء تلك العمليات تتردد داخل الولايات المتحدة في استطلاعات الرأي العام، التي تُـعد المحدد الرئيسي لقرارات إدارة مقبلة على انتخابات رئاسية في ظرف أقل من سنة، إلى درجة أن كثيرا من التحليلات يُـشير إلى أن الذي يتخذ القرارات في واشنطن حاليا هو كارل روف، كبير مستشاري الرئيس بوش ومسؤول الانتخابات، وليس مسؤولي الخارجية أو الدفاع أو مجلس الأمن القومي.

تحولات مذهلة في السياسات

من جهة أخرى، أوضحت التطورات الأخيرة أن الإدارة الأمريكية كانت تفكِّـر في سيناريوهات الطوارئ التي يُـمكن أن تُـجنّـب قواتها احتمالات تكرار "سيناريو سايغون" بأكثر مما تبدو عليه.

ولقد تطورت في هذا الإطار سيناريوهات مُـختلفة تمّـت الإشارة إليها كثيرا في التحليلات، كسيناريو الانسحاب من خارج المُـدن، كما حدث لفترة في الفلوجة، وسيناريو تشكيل قوة دولية متعددة الجنسيات للعمل في العراق، وسيناريو إحلال قوات تابعة للحلف الأطلسي محل قوات التحالف، وأفكار خاصة بالاستعانة بقوات عربية في عمليات العراق.

ولقد تحولت السياسات التنفيذية للإدارة الأمريكية من بديل إلى آخر بشكل مذهل. فقد تمت تجربة محدودة للانسحاب من الفلوجة، إلا أنها لم تستمر طويلا. فلم تكن قيادة التحالف ترغب في أن تبدو وكأنها يمكن أن تنسحب تحت الضغط، ولو من منطقة محدودة، خاصة في المثلث السنّـي، لاسيما وأن الانسحاب سيجعل الفلوجة تبدو وكأنها منطقة محررة.

كما جرت اتصالات أمريكية واسعة مع أطراف عديدة في العالم في ظل مرونة كبيرة من أجل تشكيل قوة دولية متعددة الجنسيات في العراق، وتم الاتجاه نحو "تطبيع" العلاقة مع الأمم المتحدة في هذا الإطار قبل أن يتّـضح أن هذا الخيار غير ممكن عمليا لأسباب تختلف من دولة لأخرى، على غرار ما حدث مع تركيا التي كانت هي ذاتها راغبة في دخول العراق.

وفى الواقع، لم تتم محاولات حقيقية في اتجاه تنفيذ سيناريو الناتو أو سيناريو القوات العربية. فقد أصبح مفهوما لدى الجميع أن المقاومة العراقية سوف تستهدف أي طرف بدون استثناء، حتى وإن كان الأمر يتعلّـق بقوات عربية أو قوات الأمم المتحدة، أو حتى منظمات إنسانية. فالأمر يتعلق بعناصر تريد العودة للسلطة أو إفساد العملية القائمة أو الانتقام أو مقاومة القوات الأجنبية. وبالتالي، فإن من يذهب إلى العراق يُـدرك أنه سيُـقاتَـل.

لذلك، استقر الرأي داخل الإدارة الأمريكية بأجنحتها الرئيسية على أن الحل يتمثل في الاستمرار في العمليات العسكرية الحربية بصورة أكثر عنفا ودقة، مع تحسين استخبارات القوات، في الوقت الذي يتم فيه الإسراع بتشكيل قوة أمن ودفاع مدني وحرس حدود بحجم كبير، والتوجه بسرعة غير مسبوقة نحو إنشاء جيش عراقي كبير الحجم نسبيا، حتى لو تم الاعتماد على عناصر وفروع رئيسية من قوات صدام حسين، ليتولّـى هؤلاء مهمة استعادة الأمن في العراق، إلى جانب القوات الأمريكية التى ستشارك وتُـشرف على العملية.

ثلاثة محاور

وفي هذا الإطار، تتمثل أهم التوجهات الخاصة بأوضاع القوات الأمريكية بالعراق حاليا في ثلاثة محاور رئيسية، هي:

أولا، أن القوات لن تنسحب من العراق، حتى تُـكمِـل مهامّـها التي يحددها الجنرال بيس بقوله "ما نحن ملزمون به هو توفير مناخ مستقر يُـمكن للعراقيين بموجبه الحصول على قوانين أساسية مكتوبة ودستور، وإجراء انتخابات، ووجود قوات للجيش والشرطة وحرس الحدود". فاحتمالات الانسحاب أو المفاجأة بقرار سريع وبشكل واسع النطاق تحت أي ظرف، غير مطروحة مهما كانت وطأة الهجمات أو تكلفة العمليات.

ثانيا، "إعادة نشر" القوات الأمريكية خارج المثلث السنّـي، مع ترك مسؤولية الأمن للعناصر المسلحة العراقية التي يتم تشكيلها حاليا، ومن المؤكّـد أن قرارا بذلك قد اتخذ. فالخطة في المدى المتوسط هي تنفيذ انسحابات عملياتية في الداخل، وليس الخروج من العراق.

ثالثا، ترتيب أوضاع القوات الأمريكية في العراق على المدى الطويل وفقا لمعاهدة دفاعية يتم توقيعها مع الحكومة العراقية مع نشر تلك القوات في شكل وحدات نظامية رئيسية في قواعد عسكرية داخل العراق، ونقل مقر قيادتها إلى قطر مرة أخرى. وهنا ربما تعود خطة القواعد العسكرية الرئيسية الأربع التي كانت قد نُـشرت منذ عدة شهور إلى الظهور.

التفكير في الإنسحاب

إن السيناريو الجديد لن يؤدى بالطبع إلى حل المشكلة السياسية في الداخل العراقي، بل أنه قد يؤدى إلى تفاقمها. فلا توجد بالضبط فكرة محددة حول شكل تلك الحكومة العراقية التي ستتسلم السلطة ومدى قدرتها على مواجهة المقاومة المسلحة أو الحفاظ على استقرار العراق.

كما أن القوات الأمريكية سوف تبقى في العراق بحجم يُـشار إلى أنه لن يقل عن 100 ألف جندي حتى عام 2006 على الأقل، مما سيظل عنصر استثارة دائمة للمقاومة المسلحة.

لكن هذا السيناريو قد يُـتيح إمكانية تخفيف الضغط المسلح عن القوات المتواجدة داخل العراق، كما قد يتيح لإدارة الرئيس بوش مخرجا من مشكلة سياسية مؤكدة تتصل بانتخابات الرئاسة المقبلة، وإن كان كل ذلك أيضا لا يزال في طور الأمنيات.

ومع أنه من الصعب إصدار أية أحكام ذات مصداقية حول ما إذا كانت الترتيبات الجديدة سوف تحل مشكلة القوات والإدارة، لكن المؤكد، أن التفكير في الانسحاب قد أصبح قريبا من الأذهان بدرجة أدّت إلى أنه لم يعد يمر يوم دون أن يصدر تصريح رسمي من واشنطن يؤكّـد أنه .. لن يحدث!

د. محمد عبد السلام – القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×