Navigation

 انفتاح تركيا على الاكراد.. وعلى اوروبا!

التحول الجذري في السياسة التركية يجسد ارادة انقرة في الوصول الى الاتحاد الاوروبي باي ثمن. Keystone

حصلت المفاجأة، حتى للأتراك أنفسهم. فما كان يبدو قبل أيام أو أسابيع نفقا مسدودا في الساحة الداخلية والعلاقات الأوروبية، تحوّل خلال 22 ساعة بين يومي الخميس والجمعة (1 و 2 اغسطس)، إلى ثورة سياسية في الساحة التركية·

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 أغسطس 2002 - 16:42 يوليو,

إذا كان من عنوان التعديلات الدستورية والقانونية التي أقّرها البرلمان التركي، فهي (المسألة الكردية). ذلك أن القضيتين الأساسيتين اللتين تصدّرتا ملف العلاقة التركية مع الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة، كانتا المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، والسماح باستخدام اللغة الكردية في البث التلفزيوني والإذاعي وفي التعليم.

كانت الدعوة لإلغاء عقوبة الإعدام، تعني مباشرة إنقاذ رأس زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK) عبدالله أوجالان من حبل المشنقة. ومن هنا، احاطت بهذه النقطة تعقيدات شتى وخلافات كثيرة وتوترات داخل الحكومة وفي مجمل الساحة السياسية·

وكان عمادُ معارضة إلغاء عقوبة الإعدام والسماح باستخدام اللغة الكردية، زعيم حزب الحركة القومية ونائب رئيس الحكومة، اليميني المتشدّد دولت باهتشلي· وفي لحظة احتدام الخلاف بين أطراف الإئتلاف الحاكم (باهتشتلي مقابل أجاويد ويلماز)، وإذ تبين أن الحكومة قد تنفجر في اتجاه تشكيل حكومة جديدة يُستبعد عنها باهتشلي، الذي حاول تسديد ضربته الأخيرة بالدعوة المفاجئة لانتخابات نيابية مبكرة، في 3 نوفمبر المقبل· وكان باهتشلي يقصد من وراء ذلك، تغيير جدول الاهتمام الداخلي وتأجيل البحث بقضيتي الإعدام واللغة الكردية بما يشبه تفجيرهما·

 انقلب السحر على الساحر..

فبعدما أقرّ البرلمان إجراء الانتخابات النيابية المبكرة في الموعد المذكور، انتقل ايضاً وبسحر ساحر إلى مناقشة ما عرف (بالقوانين الأوروبية)، أي تلك التي يتوجب على تركيا تشريعها لتتوافق مع الشروط التي تؤهلها للانضمام للاتحاد الأوروبي و(معايير كوبنهاغن).

اثنتان وعشرون ساعة متواصلة، بدأت بعد ظهر الخميس في 1 أغسطس، وانتهت بـ (مفاجأة تاريخية)، تمثلت في إلغاء عقوبة الإعدام والسماح باستخدام اللغات المحلية ومنها الكردية في البث الإعلامي والتعليم·

وتنبع المفاجأة المذكورة من أنها تمسّ واحدة من (المحرّمات) التي قامت على أساسها الإيديولوجيا الكمالية (نسبة الى مصطفى كمال اتاتورك)، عند تأسيس الجمهورية عام 1923 والتي تقول بوجود أمّة واحدة هي الأمة التركية ملغية كل الأعراق الأخرى في الجمهورية، وصولاً إلى نعت الأكراد بأنهم (أتراك الجبال) ·

والسماح باللغة الكردية في الاستخدام الإعلامي اعتراف رسميّ للمرة الأولى بوجود (هوية كردية)، على الرغم من كلام كثير كان يطلقه المسؤولون في هذا الاتجاه في أوقات سابقة·

الجزء الثاني من المفاجأة، هو أن البرلمان نجح في تجاوز مسألة حسّاسة للغاية بالنسبة للرأي العام التركي وهي تحميل أوجالان مسؤولية مقتل 30 ألف جندي ومدني تركي خلال الحرب التي شنها ضد الدولة من عام 1984 وحتى اعتقاله عام 1999·

وما من شك في أن الإبقاء على أوجلان حيّاً، ولو في السجن المؤبد، هو انتصار كبير على الذات من جانب الأتراك. وإن سيحاول باهتشلي أن يستغلّ ذلك مادة لإثارة مشاعر القوميين الأتراك في الانتخابات المقبلة·

 خطوة مهمة نحو الاتحاد الاوروبي

اما ما يتعلق بالإصلاحات الأوروبية، أي التشريعات التي يتعين على تركيا سنّها لتكون مؤهلة للانضمام للاتحاد الأوروبي، فهي خطوة كبيرة اعتبرتها بروكسل ايجابية. وقد اكدت رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة حزب الطريق المستقيم، طانسو تشيللر، ذلك عندما قالت، لقد انتشلنا من جديد الاتحاد الأوروبي من البئر، في إشارة إلى التشاؤم الذي كان حاصلاً. وسيفرز اقرار هذه الإصلاحات حتماً ارتياحاً داخليا،ً خصوصاً أنه تمّ بشبه إجماع، ويساعد على خلق مناخات من الإنفراج في العلاقة بين الأتراك والأكراد.

وهذه الخطوة تفترض، أن يُظهر الأكراد وزعماؤهم في الداخل والخارج مزيداً من مواقف الارتباط والانتماء إلى الجمهورية التركية، بدلاً من التطلع إلى الانفصال أو ربط مصيرهم بمصير أشقائهم في العراق وإيران. فلئن يكون الأكراد جزءا من بلد قد يصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي، هو، خارج الانفصال السياسي، ذروة تجسيد هويتهم القومية بأبعادها المختلفة·

وهذه الإصلاحات تفترض أن تنعكس إيجاباً في اتجاه إلغاء كل ما يعيق العملية الديموقراطية، ومنها تلك القيود التي تحدّ من نشاط الأحزاب والقادة السياسيين.

والمقصود هنا بالذات، الغموض الذي يحيط بحق رئيس حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) رجب طيب أردوغان في الترشح للانتخابات النيابية، في وقت تؤكد الاستطلاعات أنه سيحقق انتصاراً ساحقاً. وفي حال السماح لأردوغان، الشخصية الكاريزماتية في الترشح للانتخابات، تكون أنقرة انتصرت مرة ثانية على ذاتها ودفعت قدماً نحو استقرار أقوى سياسياً واجتماعيا، وقد أطلق معظم زعماء السلطة والمعارضة تصريحات تجمع على أن تركيا باتت مهيأة لبدء المفاوضات من أجل العضوية الأوروبية·

رئيس الحكومة بولنت أجاويد قال بأنه لا يمكن لأحد أن يقول إن تركيا ليست مهيأة بعد للعضوية الكاملة. الإسلاميون أيضا قالوا بأن الكرة الآن في الملعب الأوروبي·

هل من شروط اخرى؟

وعلى أهمية ما تحقق، فإن إلغاء عقوبة الإعدام والسماح باستخدام اللغة الكردية، ليس كافياً بعد. أولاً، لأنه يجب انتظار كيفية تطبيق استخدام الكردية وما إذا كانت ستنحصر في مجالات ضيقة جداً، أم لا· ثم إن هذه الإصلاحات هي مجرد جزء صغير من قائمة طويلة من إصلاحات ليست أقلّ تعقيداً و (حساسية) مما أقرّ·

وعلى رأس هذه الإصلاحات المطلوبة، إلغاء دور الجيش في السياسة والاستقلال الكامل للقضاء. وهذا ما دفع برئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي الى القول (إن تركيا قطعت مسافة كبيرة، لكن ما تحقق ليس كافياً لبدء مفاوضات العضوية الكاملة ومعايير كوبنهاغن لم تنفذ بعد).

جاء إقرار الإصلاحات في وقت تواجه تركيا استحقاق دخول قبرص الجنوبية إلى الاتحاد الأوروبي مع بدء مفاوضات بخصوص عضويتها في نهاية هذا العام. وتتوجس تركيا كثيراً من احتمال دخول قبرص الاتحاد الأوروبي قبل حلّ مشكلة الجزيرة، ما يشكل عنصر ضغط كبير على أنقرة·

وتأمل تركيا، مع إقرار الإصلاحات الأخيرة، أن يُبادلها الاتحاد الأوروبي (حسن النية) ويأخذ في عين الاعتبار الموقف التركي من مشكلة الجزيرة قبل دخول قبرص في الاتحاد، منعاً لانفجار الوضع. ويعتقد البعض أن الإصلاحات التركية الأخيرة قد تساهم في تخفيف الضغوط عن تركيا في قبرص، فتصيب أنقرة عندها، بهذه الإصلاحات، عدة عصافير بحجر واحد·

تتقدم تركيا على طريق الاتحاد الأوروبي، لكنها تحتاج إلى مزيد من الشجاعة والثقة بالنفس والصبر الطويل والإرادة في حسم خياراتها الاستراتيجية·

د. محمد نور الدين

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.