Navigation

"تنضيج" أوروبي للمبادرة الأمريكية

جال مارك غروسمان، الرجل الثالث في وزارة الخارجية الأمريكية على كل من المغرب ومصر والأردن والبحرين وبروكسل من 1 إلى 5 مارس 2004 Keystone Archive

يبدو أن المشاورات التي تجريها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول مستقبل الإصلاحات في المنطقة العربية الإسلامية قد أثمرت شيئا من التوافق في وجهات النظر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 مارس 2004 - 16:14 يوليو,

إذ يقر الجانبان الآن بضرورة دفع الإصلاحات السياسية والاقتصادية، والضغط المشترك على الحكومات التي تعترض على اتجاه الانفتاح السياسي والثقافي.

تفيد المؤشرات الأخيرة إلى أن الجانبين الأمريكي والأوروبي يفضلان أن يكون منطلق الإصلاح من داخل مجتمعات المنطقة.

من جانبها لم تتأخر الحكومات العربية، وفي مقدمتها مصر - كدليل عن تنبهها إلى تزايد الضغط الأمريكي عليها وتحوله إلى طلب عالمي من أجل الإصلاح - إلى ارتجال وثائق الإصلاح وصوغ بيانات سيعلنها القادة العرب خلال اجتماع القمة في نهاية الشهر الجاري في تونس، والتأكيد للرأي العام بأن إجراءات الإصلاح التي ستطلق ناجمة عن إرادة عربية داخلية، وليست فرضا من الخارج.

وتوصلت الولايات المتحدة من خلال المشاورات التي أجراها الدبلوماسيون في المنطقة العربية، وكذلك في عواصم الاتحاد الأوروبي، إلى القناعة بأن الضغط الخارجي قد يؤدي إلى نتائج عكسية في حال صيغ في شكل مبادرة إملاءات خارجية، مثل مبادرة الرئيس جورج بوش حول "الشرق الأوسط الكبير".

تفهم أمريكي للمقاربة الأوروبية

وتوقف نائبُ وزير الخارجية الأمريكي على هذا الإحساس عندما زار كلا من المغرب ومصر والأردن والبحرين في مطلع هذا الشهر. وقال مارك غروسمان خلال توقفه في بروكسل، حيث اجتمع إلى كل من مجلس سفراء دول حلف شمال الأطلسي ومجلس سفراء بلدان الاتحاد الأوروبي، بأن "أفضل أفكار الإصلاح هي تلك النابعة من المنطقة".

وبدا مارك غروسمان يتحدث كأنه من خريجي مدارس الدبلوماسية الأوروبية التي تستبعد الضغط الخارجي الصريح من أجل قضايا الإصلاح والديمقراطية في دول الجنوب. لكن إقرار الدبلوماسي الأمريكي بأهمية انطلاق فكرة الإصلاح من صلب المجتمعات العربية والإسلامية، ليست مناورة يُراد منها ذر الرماد في العيون، بقدر ما هي تفهم من الجانب الأمريكي بضرورة إمهال الحكومات العربية بعض الوقت لتنفيذ أدنى الإصلاحات السياسية الكفيلة بتنفيس الاحتقان الداخلي.

وقال دبلوماسي أوروبي مُطّـلع على المشاورات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول مستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية بأن "الإدارة الأمريكية تُـصر على دفع الإصلاحات في المنطقة، خاصة إذا فاز الرئيس بوش بولاية ثانية".

وتوصلت الولايات المتحدة إلى القناعة بضرورة تغيير الأوضاع السياسية في المنطقة العربية بعد أن طالتها آثار انغلاق بعض المجتمعات العربية واحتقان الأوضاع السياسية والاجتماعية بفعل الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل، ودعمها حكومات استبدادية وقيادات ترفض قواعد التداول السلمي على السلطة.

إصلاحات بوتائر مختلفة

وتقر الولايات المتحدة من جهة ثانية بجدوى النصيحة التي قدمها الخبراء الأوروبيون منذ إطلاق مبادرة الرئيس بوش حول الشرق الأوسط الكبير، من أجل الأخذ بعين الاعتبار فوارق النمو، وتعدد وتنوع التجارب التاريخية، ومراحل النضج السياسي لكل من دول المنطقة. وكان أصلُ المبادرة الأمريكية يشير إلى الشرق الأوسط الكبير من موريتانيا ـ الإفريقية العربية ـ إلى أفغانستان الإسلامية المتعددة القوميات.

وكانت الولايات المتحدة قد اقترحت في بداية النقاشات مع الجانب الأوروبي وضع هيكلة إقليمية تشبه منظمة الأمن والتعاون الأوروبي التي جمعت بلدان المعسكرين، الشيوعي والغربي، خلال عقود الحرب البادرة حول مسائل حقوق الإنسان وتخفيف التوتر بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي.

ويبدو أن واشنطن قد عدلت عن أنموذج اتفاقية هلسنكي بعد تدخل الأوروبيين وشرحهم تنوع طبيعة أنظمة المنطقة، وانعدام وجود جدار يفصل بين بعضها البعض، سوى بعض النزاعات التي لا ترقى إلى مستوى الحرب الباردة. وتستثني هذه النظرة مشكلة النزاع العربي الإسرائيلي.

وأكد مارك غروسمان، نائب وزير الخارجية الأمريكي في نهاية جولته الأخيرة في البلدان العربية الأربعة المرشحة لاستيعاب خطة "الشرق الأوسط الكبير"، اعتراف الولايات المتحدة بـ "الاختلافات التي تميّـز بلدان المنطقة، وحاجة كل منها إلى سير الإصلاحات بوتيرة تناسب شعوبها".

المشكلة الجوهرية

إلا أن الوفاق الأمريكي الأوروبي لا يطال بُعد المشكلة الجوهرية التي تُعد إحدى أسباب الجمود وانعدام الإصلاح في المنطقة، ومبرر سيطرة الأنظمة العسكرية واستمراريتها على مدى العقود.

فبينما يعتقد الاتحاد الأوروبي والبُلدان العربية في أولوية حل النزاع العربي الإسرائيلي لأنه يرهن عمليات الإصلاح والتنمية، فإن الولايات المتحدة حاولت في بداية النقاشات تسويق فكرة مفادها أن الديمقراطية تقود إلى السلام، مثلما قاد انفتاح الأنظمة الشيوعية على مؤسسات المجتمع المدني إلى سقوطها(أي الأنظمة).

لكن الطرح الأمريكي قد تغير إلى حد ما بفعل تأثير النقاشات الجارية مع الاتحاد الأوروبي من ناحية، والبلدان العربية من ناحية أخرى. ويُقر مارك غروسمان بأهمية الحل السلمي للنزاع العربي الإسرائيلي. وقال خلال توقفه يوم الجمعة 5 مارس في بروكسل، بأن دعوات الإصلاح والديمقراطية في المنطقة "ليست بديلا عن اهتمام الولايات المتحدة بتقدم عملية السلام".

إلا أن تأخر الحل السلمي لا يُعد مبررا لتأجيل عمليات الإصلاح. وقال غروسمان "لا يمكن تأجيل الإصلاحات إلى حين إحلال السلام الكامل. فالإصلاح ليس بديلا عن الحل السلمي، ولكن يجب أن لا يكون غياب الحل السلمي مبررا للجمود". وهنا، يبدو المسؤول الأمريكي مُـحقا ومُـقنعا لأكثر من طرف في الاتحاد الأوروبي وفي عدد من دول المنطقة العربية.

وتقول كريستينا غالاش، المتحدثة باسم الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، بوجوب أن لا يكون النزاع مع إسرائيل مبررا لتعطيل الإصلاح. ونقلت عن خافيير سولانا القول بأهمية "أن تكون مسارات الإصلاح ومفاوضات السلام متوازية، بحيث يدفع كلاهما الآخر".

مبررات انتهت صلاحيتها

لا شك في أن كلفة النزاع العربي الإسرائيلي تحد من قدرات النمو لأنها تحول جزءا من موارد التنمية إلى أغراض التسلح والتعبئة الأمنية. لكن التوتر المتواصل في الشرق الأوسط لا يفسر بمفرده جمود الوضع السياسي وبطء الإصلاحات السياسية والاجتماعية في بلدان المشرق العربي وفي منطقة دول الخليج العربية. ويعترف الدبلوماسيون من كافة البلدان في الجلسات الخاصة بان النزاع مع إسرائيل يستخدم ذريعة لتأمين مصالح الطبقات الحاكمة.

فكيف يبرر النزاع مع إسرائيل تأخير عمليات الانفتاح الاقتصادي، وتأجيل اتخاذ إجراءات الشفافية في إنفاق المال العام وإدارة المناقصات العمومية؟ هل يبرر النزاع مع إسرائيل سيطرة الحزب الحاكم على مدى العقود في أكثر من بلد مشرقي على مدى عقود؟ وهل يبرر النزاع مع إسرائيل تزوير الانتخابات العامة والمحلية في البلدان العربية؟ وهل يبرر النزاع مع إسرائيل تقييد أصوات المعارضة السياسية وتخوينها وإلجام أصوات المثقفين وإرهاب مؤسسات المجتمع المدني؟ وهل يُـعيق النزاع مع إسرائيل انعتاق المرأة ومساواتها بالرجل في كافة مجالات تطور المجتمع؟

وإذا ما كان جمود الأوضاع بعض البلدان المشرقية يفسر بمخاطر المواجهة مع إسرائيل، فكيف يمكن تبرير الجمود في البلدان التي أقامت سلاما مع الدولة العبرية ولم تتمكن من إفراز البديل السياسي الذي تحتاجه في مثل هذه الظروف لتولي الحكم في حال قرر رئيسها عدم الترشح لولاية إضافية؟

ويصعب على المسؤولين في بلدان شمال إفريقيا تفسير تأخر الإصلاحات السياسية وسلوك تزوير الانتخابات واحتكار الحزب الحاكم الأغلبية المطلقة في البرلمانات بالنزاع مع إسرائيل. فالنزاع معها منعدم أصلا، علاوة عن وجود علاقات رسمية أو شبه رسمية بين إسرائيل وكل من دول شمال إفريقيا من موريتانيا إلى ليبيا. وقد وجد بعضها ذريعته في "مقاومة الأصولية والتطرف الديني" لتبرير قمع المعارضة الدينية وغير الدينية، وإلجام أصوات المجتمع المدني. بل إن هذه الذرائع قويت في عهد "ما بعد 11 سبتمبر 2001".

لكن قابلية هذه المبررات للاستمرار، تبدو اليوم محدودة بدلائل وابل المبادرات الخارجية الأمريكية والأوروبية التي تستهدف المنطقة العربية. وقد فرضت بشكل مسبق على حكومات بلدان جامعة الدول العربية إدارج مسألة الإصلاح في روزنامة اجتماعات القمة المقبلة في تونس. وقد يكون هذا أول الغيث.

نور الدين الفريضي - بروكسل

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.