Navigation

 جفاء ذوي القربى.. قطيعة!

فرطت الدول المغاربية في كل ما يجمعها وركزت سياساتها على ادارة الخلافات التي نسفت الاتحاد المغاربي swissinfo.ch

يتفق المغاربيون على ان اتحادهم عليل، لكنهم يختلفون حول تشخيص العلة ومداها وامكانية الشفاء منها، ويذهب بعضهم الى ان الاتحاد انتهى واكرام الميت دفنه، والمتفائلون من هؤلاء يقولون انه لم يمت لكنه يستحق الموت الرحيم.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 أغسطس 2002 - 10:17 يوليو,

ولد اتحاد المغرب العربي بين ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا في فبراير 1989 في غمرة ميلاد تكتلات عربية بعد ان اصيب العمل العربي المشترك بالوهن. فإلى جانب مجلس التعاون الخليجي الذي ولد لحماية بلدانه الستة من رذاذ حرب الخليج الاولى، كان تكتل آخر يستعد للميلاد (مجلس التعاون العربي بين مصر والعراق والاردن واليمن).

لم يكن الاتحاد المغاربي مثل التكتلات العربية الاخرى خارج السياق التاريخي للمنطقة ولا افرازا للمرحلة او تكتلا غير طبيعي، حتى في ظل عمل عربي مشترك فاعل. كان ميلاد الاتحاد منسجما مع توجهات سياسية وفكرية عاشتها المنطقة الجغرافية الممتدة من السلوم الى نواكشوط في المراحل الاولى لنضال شعوبها لنيل استقلالها، وكان المغرب العربي شعارا مركزيا لحركات التحرير في الدول الخمس، بل ان الكثير من المؤسسات النقابية في الخمسينات والستينات ولدت مغاربية.

كان التكتل المغاربي للدول الخمس مجتمعة، ولكل دولة على حدة، ضرورة اقتصادية وتنموية ملحة بعد ان وصلت التنمية الاقليمية الى حد الاشباع. وكان ايضا ضرورة لترسيخ انفتاح سياسي بدأت تظهر تباشيره وتفرضه تحولات عالمية ترفع من قيم حقوق الانسان وتعزيز الحريات شعارات لها. وهذا ما ادركه الحاكمون هنا وهناك، فكانت استجابتهم طبيعية ولم تحمل مفاجآت.

لكن، كل تلك الاستجابة ما كانت لتكون لولا التطور الايجابي الذي عرفته العلاقات المغربية الجزائرية في منتصف مايو 1988 بعد 12 عاما من القطيعة، حيث اعيدت العلاقات الدبلوماسية بين الرباط والجزائر وفتحت الحدود البرية المغلقة ورفعت التاشيرة عن مواطني البلدين وشكلت لجنة مشتركة عليا لدراسة كل الملفات العالقة بين البلدين وسبل تطوير التعاون بينهما.

بدايات مشجعة

سار الاتحاد المغاربي متسارعا، يريد اللحاق بتقدم سبقه الاخرون اليه، وتعويض المنطقة المغاربية عن سنوات من الخصام والتنافس لدرجة العداوة، شكلت للاتحاد هياكله وعقد في السنوات الاولى مؤتمراته بانتظام على مختلف المستويات.

لكنه القدر المغاربي! فبعد اقل من ثلاث سنوات على ميلاده، اندلعت ازمة العنف في الجزائر التي عزلت نفسها عن الاقليم ولا تريد من شركائها الا مساهمتهم معها في محاربة تياراتهم الاسلامية داخل دولهم او ملاحقتهم للاسلاميين الجزائريين في اراضيهم، ولم يستجب لها الا تونس. فليبيا حاولت ان تلعب دور الوسيط بين الحكم الجزائري والجبهة الاسلامية للانقاذ والمغرب لم يعتبر المعركة معركته.

انه القدر المغاربي. فالعزلة لم تصب الجزائر وحدها، اذ سرعان ما انتقلت الى ليبيا لرفض شركائها المغاربيين كسر الحصار الذي فرضته عليها الامم المتحدة بسبب ازمة لوكاربي.

وانشغل المغرب في ترتيب بيته الداخلي بتعديلات على الدستور واجراء انتخابات تمهد لدخول المعارضة للحكومة، فيما انشغلت تونس بالوقاية من فيروس الاسلاميين القادم من الجزائر وتدبير ملف الوضع التونسي وعلاقته بالحصار على ليبيا، وذهبت موريتانيا تبحث عن فك حصار اقتصادي فرضته عليها دول مجلس التعاون بعد حرب الخليج الثانية بسبب وقوفها الى جانب العراق.

الانعزال والانشغال بالهم الداخلي لم يمنع مؤسسات الاتحاد المغاربي من الاستمرار في نشاطها وان كان بحماس اقل من ذاك الذي عرفته بالسنوات الاتحادية الاولى، والقمة المغاربية عقدت في نواكشوط وان تأخرت عن موعدها وتلتها قمة تونس، حيث توقف القطار الاتحادي حتى اليوم.

تعاقب الازمات

الرباط والجزائر، هما من زرعا الامل في عمل مغاربي مشترك وهما من زعزعا الثقة وبددا الامال في هذا العمل. كانت الاجواء منذ منتصف 1992 تنذر بتوتر قادم بين الرباط والجزائر. وبدأت تسمع في الجزائر اتهامات وشكاوى ضد الرباط. لم يطل الكلام همسا ولا دعوات المطالبين بالقطيعة.

في اغسطس 1994 هاجمت مجموعة مسلحة فرنسية من اصل مغربي وجزائري فندقا في مراكش، قالت الرباط ان المخابرات الجزائرية هي التي ارسلتهم، ففرضت تأشيرة دخول على المواطنين الجزائريين وطردت من كان منهم في زيارة للمغرب وشنت حملة اعلامية متشددة. الجزائر تلقفت الاجراءات المغربية وردت بالمثل واضافت لها اغلاق الحدود البرية بين البلدين.

كان مقررا عقد القمة المغاربية في طرابلس بداية 1995، لكن ليبيا اعتذرت فمددت رئاسة الجزائر للاتحاد واتفق على عقد القمة بداية 1996. لكن المغرب بعد ان اطالت الجزائر اغلاق الحدود طلب في ديسمبر 1995 تجميد كل نشاطات المؤسسات المغاربية احتجاجا على الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربية.

لم يجمد المغاربيون اتحادهم رسميا وبقي الوضع على ما كان عليه لان الاتحاد كان مجمدا عمليا الى ان نجح الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في ابريل 1999 في تحريك المياه الاتحادية الراكدة، فاتفق على عقد اللجان الوزارية، لكن ما ان استقر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في قصر المرادية حتى كانت وفاة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني. وقبل ان يستقر خلفه محمد السادس في ملكه، كان هجوما مسلحا ضد قافلة للجيش الجزائري قرب الحدود مع المغرب، فاتهمت السلطات الجزائرية الرباط بإيواء المهاجمين وعاد التوتر ليرسخ القطيعة وتتبدد الامال في انفراج مغاربي.

انفجرت العجلة المغاربية!

على مدار السنوات الثلاث الماضية جرت محاولات عديدة لعقد القمة المغاربية المؤجلة واتفق على 21 من يونيو الماضي لالتئامها. لم يكن مطلوبا تسوية الازمات قبل عقد القمة ولا ان تحمل القمة امالا اكثر مما تحتمل. كان الامل ان تعقد القمة في الجزائر وتنتقل الرئاسة الى ليبيا، لعل النحس الذي يلاحقها يزول. لكن القمة لم تعقد واعلن عن تأجيلها قبل ثمان واربعين ساعة من عقدها. وبعد عطلة الصيف الطويلة يبدأ المغاربيون مرة اخرى مشاورات لتحديد موعد القمة الموعودة.

انه القدر ولعنة الجغرافيا. في الحالة الاولى، يحتاج المغرب العربي الى "الماورائيات" لانقاذ اتحاده، وفي الحالة الثانية، يكون الدفن اكراما للميت واهله، لان الجغرافيا اكثر ثباتا ورسوخا من القدر ولا يمكن تغييرها، وهي تكون للراغبين في التقارب والتعاون نعمة، ولطالبي البعاد من ذوي القربى لعنة ونقمة.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.