Navigation

Skiplink navigation

"سنة أولى" حقوق إنسان

جاء التقرير في 349 صفحة وتضمن سلسلة من التوصيات المهمة في كافة المجالات المتعلقة بحقوق الإنسان في مصر swissinfo.ch

كان التقرير السنوي الأول للمجلس القومي لحقوق الإنسان بمثابة إلقاء حجر في المياه الراكدة في بحيرة الإصلاح في مصر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 مايو 2005 - 09:32 يوليو,

وتأتي أهمية التقرير من أن توصياته تطابقت في معظمها مع مطالب المعارضة المصرية، وخاصة فيما يتعلق بإنهاء حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ ربع قرن.

أكّـد الدكتور أحمد كمال أبو المجد، وزير الإعلام والشباب المصري الأسبق، ونائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن إنشاء مجلس قومي يُـعنى بالمحافظة على حقوق الإنسان في مصر، هي خطوة كبيرة على طريق الإصلاح، خاصة في ظل مناخ دولي شديد الاهتمام بحقوق الإنسان، مشيرا إلى أنه يجب ألا ينسى "أننا مازلنا في سنة أولى حقوق إنسان"، نافيا أن يقوم المجلس بدور المجمل لوجه الحكومة.

وقال أبو المجد، خبير القانون الدولي في حديث خاص لـسويس إنفو: "طالبنا الحكومة بوقف العمل بقانون الطوارئ فورا، وقلنا في توصيتنا: إن الموقف واضح، والأمر لا يحتاج إلى طوارئ، وبيّـنا أن استمرار الطوارئ من شأنه أن يشيع بين المواطنين إحساساً بالغربة يدفعهم إلى مزيد من السلبية والابتعاد عن المشاركة في العمل العام، وهو ابتعاد من شأنه أن يؤثر سلباً على فرص التنمية بالمجتمع".

ورغبة منا في الوقوف عند التقرير السنوي الأول للمجلس، ورصد ما فيه من سلبيات وإيجابيات، ومحاولة قراءته عن قرب، التقت سويس إنفو بالمفكر الإسلامي الدكتور أحمد كمال أبو المجد، مُـفوض جامعة الدول العربية لحوار الحضارات.

سويس إنفو: البعض يتهم المجلس بأنه قد عجز على بناء هوية محددة لذاته، فلا هو مجلس تابع للحكومة تماما ومدافع عنها، ولا هو قادر على انتزاع شخصية مستقلة عنها... فما هو رأيكم؟

د. أحمد كمال أبو المجد: منذ البداية، كان التحدي الحقيقي أمامنا هو كيف يمكننا الحفاظ على استقلالنا، فلم ولن نقبل أن نكون مجرد ديكور، أو أداة لتجميل وجه وسياسات الحكومة، كما أننا على قناعة بأننا لسنا بوقا للمعارضة، فنحن نعرف جيدا ماذا يجب علينا أن نعمل. وعندما تم إنشاء المجلس، استبشرنا كثيرا، لأن القانون يمنح المجلس سلطات كاملة، ولأن التركيبة المتعددة والمتنوعة لأعضاء المجلس من شخصيات مرموقة بحكم خِـبراتها الكبيرة والمناصب التي شغلتها أو تشغلها، تجعل المجلس منوطا بمهام وأعباء ثقيلة، كما استبشرنا لوجود توجّـه عام داخل المجتمع المصري ومناخ دولي شديد الاهتمام بحقوق الإنسان.

سويس إنفو: بينما يوجه التقرير في مقدمته الشكر للحكومة على تعاونها، يشكو في عدة مرات من عدم تعاون الحكومة مع المجلس.. فكيف يمكن التوفيق بين الأمرين؟

د. أحمد كمال أبو المجد: عند بدء عملنا في المجلس، قابلنا عددا من التحديات، في مقدمتها أن هناك من أساء الظن بنا ابتداء، معتبرا أن المجلس لن يكون سوى واجهة لتجميل وجه الحكومة، كما اعتقدت المنظمات المصرية العاملة في مجال حقوق الإنسان أننا سنحل محلها، فتحفزت لنا منذ البداية، وكان علينا قبل العمل أن نبدأ بتشكيل الهيكل المادي والإداري، واختيار اللجان وتنظيم عملها، فضلا عن الاتصال بالمنظمات المصرية والعربية والدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان للتنسيق معها.

وبخصوص تعاون الجهات الحكومية معنا، ففي البداية أخذت هذه الجهات وقتا طويلا للتجاوب، وفي الشهرين الأوليين، كانت مكاتباتنا إلى الوزارات لا تلقى الرد الكافي ولا العناية، غير أنه بعد فترة، بدأت تتجاوب معنا شيئا فشيئا، وبدأت علاقاتنا بهم تتحسّـن، وفي الفترة الأخيرة اهتمت وزارة الداخلية تحديدا بالتجاوب معنا والرد على مكاتباتنا، وعلى الرغم من أننا لم نكن نقتنع ببعض ردودهم، إلا أنهم كانوا يقدمون لنا مبرِّراتهم من وجهة نظرهم. وعلى أية حال، فمجرد تجاوبهم معنا كان خطوة للأمام.

وقد أوصينا في التقرير بضرورة تعزيز التعاون بين المجلس القومي ووزارة الداخلية بالذات تجاه شكاوى منظمات حقوق الإنسان المصرية، وذلك من خلال التعاون معها والتحقيق في جميع البلاغات المقدمة منها إلى النائب العام ووزير الداخلية، وتزويدها بالمعلومات ونتائج التحقيقات، وتمكين مندوبيها من تفقّـد أحوال السجون ومراكز الاحتجاز المختلفة وزيارة أقسام الشرطة.

سويس إنفو: هناك من يرى أن التقرير جاء مبتسرا في تناوله لعدد من القضايا الهامة، مثل ضمانات استقلال القضاء، وحرية إنشاء وممارسة مؤسسات المجتمع المدني، وغير ذلك من القضايا الجوهرية.. بماذا ترد عليهم؟

د. أحمد كمال أبو المجد: التقرير لم يكن مبتسرا، يجب ألا ينسى هؤلاء أننا مازلنا في سنة أولى حقوق إنسان، والبعض يذكر أن الحكومة ضغطت علينا، وأنا أؤكد أن هذا لم يحدث. وبالإجمال، فإن التقرير كان جيدا، والمستفيدون من التقرير كثيرون وهم: المواطن المصري نفسه، حيث أصبح في مصر– للمرة الأولى- هيئة مسؤوليتها حماية حقوقه والحفاظ على كرامته.

وهناك أيضا المجلس نفسه، لأنه بعد صدور التقرير الأول، اكتسب مصداقية بالداخل والخارج، مما يشجعه على بذل المزيد للحفاظ على هذه المكانة، وهناك الوطن، لأنه اكتسب أن عملية الإصلاح مستمرة، وأنها بدأت بالفعل من الداخل، ولا تنتظر تعليمات من الخارج، فنحن لنا ثقافة ولنا تاريخ، والمحرك الأساسي لنا هو إيماننا بأننا مكلفون بحماية حقوق الإنسان.

سويس إنفو: البعض يري أن التوصيات التي انتهى إليها التقرير ومقدمته ضعيفة، ولا تتناسب مع جسامة وخطورة الجرائم التي تضمنها، هل هي محاولة منكم لعدم الظهور بمظهر المعارضين أنكم تراعون توازنات داخلية في صفوف أعضاء المجلس؟

د. أحمد كمال أبو المجد: التقرير وقع في 349 صفحة، واختتم بسلسلة من التوصيات المهمة، احتلت 23 صفحة من التقرير، شملت توصيات لتعزيز حماية الحق في الحياة والأمان الشخصي، وتوصيات بشأن تطوير السجون، وتوصيات من أجل منع التعذيب وتوصيات بشأن الاختفاء القسري، وتوصيات لتنظيم المنع من السفر، وتوصيات لإقامة عدالة ناجزة، وتوصيات بمعالجة انتهاك حقوق المصريين بالخارج، وتوصيات بشأن تحسين المعاملة التي يلقاها المواطنون في تعاملهم مع أجهزة الدولة، وتوصيات بشأن تمكين الأفراد من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، وتوصيات لتعزيز حقوق المرأة، وتوصيات لتعزيز حقوق الطفل، وتوصيات من أجل تدعيم ثقافة حقوق الإنسان في مصر. والروح العامة التي كتب بها التقرير، كانت متوازنة، والتوصيات التي انتهى إليها التقرير لم تكن ضعيفة أبدا، بل إنني أعتقد أنها لم تغفل قضية من القضايا التي تخص حقوق الإنسان إلا وتناولتها.

سويس إنفو: حددت المادة 12 من القانون المنشئ للمجلس، الجهات التي تموِّل موارد المجلس، وذكرت منها "الهبات والمنح والإعانات..."، ألا يتعارض ذلك مع القانون الذي يمنع أي منظمة أو هيئة أو جمعية أو مركز مصري من قبول أي إعانات أو منح من الخارج؟

د. أحمد كمال أبو المجد: هناك جزء من تمويلنا نأخذه من مجلس الشورى، وهناك جزء آخر يأتينا من البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وقد دعم البرنامج التقرير السنوي الأول ماديا، وهناك اتفاق بيننا في هذا المجال، غير أنه، وإن ساهم ماديا في صدور التقرير، إلا أنه لم يتدخل من قريب أو بعيد فيه.

سويس إنفو: البعض يرى أن التقرير جاء متوازنا ومتسقا، وأن السبب في هذا يرجع إلى اعتبار أنه بمثابة اختبار حقيقي للمجلس أمام الرأي العام في مصر والعالم، وأن نُـقصان المصداقية والشفافية سيؤكّـد الاتهامات الموجهة له بأنه مجلس "حكومي"... فما مدى دقة هذه العبارة؟

د.أحمد كمال أبو المجد: الإطار العام للتقرير يشمل أبوابا كاملة للمرجعيات القانونية الدولية في مجال حقوق الإنسان‏,‏ وقرار رئيس الجمهورية بتشكيل المجلس وتحديد مهامه واختصاصاته‏،‏ والمعايير الدولية وما يتصل بها من قوانين وأعراف‏،‏ وقسما لتوصيف حالة أوضاع حقوق الإنسان في مصر،‏ وملخصا للشكاوي التي تلقاها من المواطنين وما تم بشأنها‏، ويليه جزء لنشاط المجلس،‏ وقسم حول الحريات العامة يتضمّـن توضيحا مناسبا‏،‏ وقسم لرصد المشاكل التي يعاني منها المواطن في تعاملاته وحياته اليومية مع الإدارة بجميع أشكالها‏،‏ ويطرح التقرير في ختامه توصيات لأجهزة الدولة فيما تم رصده من مشاكل.

سويس إنفو: أوصى التقرير بالتعجيل "بإنهاء حالة الطوارئ"، حتى تتم المشاركة الشعبية في الاستفتاء والانتخابات في جو من الحيدة والاطمئنان والالتزام بحدود النظام القانوني العادي"، فهل تتوقعون استجابة الحكومة لهذا المطلب؟

د.أحمد كمال أبو المجد: قلنا في التقرير أنه طال العمل بالطوارئ، وطالبنا بوقف العمل به فورا ورفعنا توصية للحكومة بذلك، قلنا فيها إن الأمر لا يحتاج إلى طوارئ، وبيّـنا أن استمرار العمل به يشيع بين المواطنين إحساساً بالغربة ويُـغريهم بالابتعاد عن المشاركة في العمل العام، وهو ابتعاد من شأنه أن يؤثر تأثيراً سلبياً وضارا على فرص تنمية المجتمع، وشددنا على ضرورة إنهائه حتى تتم المشاركة الشعبية في الاستفتاء على نص المادة 76 من الدستور، ثم في انتخاب رئيس الجمهورية (سبتمبر 2005)، وانتخاب أعضاء مجلس الشعب في جو من الحيدة والاطمئنان.

سويس إنفو: قال التقرير إن آلاف المحتجزين من منتسبي الجماعات الإسلامية الذين جرى اعتقالهم خلال التسعينيات، ظلوا قيد الاحتجاز، وأن بعضهم أمضى فترة عقوبته ولم يُـفرج عنه، واقترح التقرير أن يصدر الرئيس قرارا بتسوية أوضاع المعتقلين. فهل تتوقعون استجابة لهذا؟

د.أحمد كمال أبو المجد: الاتجاه العام يبشر بخير، وقد رصدنا الأمر في تقريرنا بمنتهى الأمانة، ورفعنا توصية لرئيس الجمهورية، اقترحنا فيها أن يصدر الرئيس قرارا بتصفية أوضاع المعتقلين، وخاصة مَـن حصلوا على أحكام قضائية بالإفراج عنهم من محاكم أمن الدولة العليا (طوارئ) أو أية جهة قضائية أخرى، وكذلك المعتقلين من ذوى الحالات الصحية السيئة والمتدهورة، ونتوقع في ظل خطوات الإصلاح التي تقوم بها الدولة أن يستجيب الرئيس لهذا المطلب، وإن كان قد بدأ بالفعل منذ فترة، لكننا نطمع في مزيد من الإسراع بالأمر.

وأوضحنا أن الاعتقال نظام سيئ، وإذا اضطررنا إليه، فليكن في أضيق الحدود، كما انتقدنا "المنع من السفر" وقلنا الأصل ألا يُـمنع إنسان من حق السفر والانتقال الذي كفله له الدستور مهما كان اتجاهه وانتماؤه الفكري. كما انتقدنا التوسع الكبير في تطبيق نظام الحبس الاحتياطي، وقلنا إنه في غيبة معايير منضبطة وصارمة يجري الالتزام بها، يؤدي هذا إلى خروج صارخ على القانون. فعلى الرغم من أن نظام الحبس الاحتياطي موجود في الدنيا كلها، لكنه في مصر مدته طويلة.

سويس إنفو: أدان التقرير تعطيل عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية إعمال المادة 72 من الدستور، التي تُـلزم باحترام وتنفيذ أحكام القضاء، ومن هذه الوزارات وزارة الداخلية، وإدارات بعض الجامعات. فما السبيل لتجاوز هذه المعضلة؟

د.أحمد كمال أبو المجد: المادة 72 من الدستور واضحة ومحددة، وهي تلزم وزارات الحكومة باحترام وتنفيذ أحكام القضاء، والحل في تقديري هو في احترام مبادئ الدستور، ومن الضروري أن تنظر الحكومة لهذا الأمر بنوع من الجدية واحترام حقوق الإنسان، وليس هناك من سبيل سوى احترام مبادئ الدستور ووضعها موضع التنفيذ ومعاقبة كل من يمتنع عن تنفيذ واحترام أحكام القضاء بلا هوادة.

سويس إنفو: أشادت أمريكا بالتقرير,‏ ووصفته بأنه خطوة إيجابية للإصلاح في مصر‏.‏ ووصفه توم كيسي،‏‏ نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية‏‏ بأنه "مشجع"‏‏، ألا تخشون من استغلال عملكم من طرف القوى الدولية الساعية إلى التدخل في الشؤون الداخلية لمصر؟

د.أحمد كمال أبو المجد: نحن نعمل وفق أجندة وطنية، وإشادة البعض بالتقرير هي إشادة بالنظام الذي أصدر قرارا بإنشاء وتشكيل المجلس، وسخّـر له كل الإمكانات، وأزال من أمامه كل العقبات، ونحن لا نخشى من شيء ولن نسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية لمصر.

سويس إنفو: على الرغم من كون رأي المجلس "استشاريا وغير ملزم"، فهل ترى أنه من الممكن أن يلعب دورا مهمّـا من خلال توجيه رسائل للحكومة لتعديل مسارها، وأن يقدم توصيات نابعة من الشارع بإعادة النظر في الدستور الحالي وإجراء تعديلات في القوانين؟

د.أحمد كمال أبو المجد: مما لا شك فيه أن بإمكان المجلس – إن وفرت له الاختصاصات- أن يلعب دورا مهما في تعديل مسار الحكومة وترشيد سلوكياتها، وخاصة في مجال حفظ واحترام حقوق الإنسان، وذلك من خلال رصد الانتهاكات وتبني الشكاوى، ورفع التقارير والتوصيات للحكومة، مع متابعة تنفيذها، ولن يتم هذا إلا إذا زاد التواصل مع الوزارات المعنية ومنظمات المجتمع المدني، وذلك من خلال ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان لدى المواطنين المصريين.

أجرى الحوار في القاهرة: همام سرحان

باختصار

كان التقرير السنوي الأول للمجلس القومي لحقوق الإنسان بمصر بمثابة إلقاء حجر في المياه الراكدة في بحيرة الإصلاح، حيث يمثل أول اعتراف من جهة حكومية بانتهاكات حقوق الإنسان.

تأتي أهمية التقرير من توصياته التي تطابقت في معظمها مع مطالب المعارضة المصرية وخاصة في موضوعي "إنهاء حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ ربع قرن"، و"وقف انتهاكات أجهزة الأمن لحقوق الإنسان"·

يعتبر المراقبون أن المحك الرئيسي لجدية السلطات المصرية في الإصلاح وحماية حقوق الإنسان سيكون الشروع في تنفيذ توصيات التقرير، التي رفعت لرئيس الجمهورية ورئيسي مجلس الشعب والشورى.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة