تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"شخصنة" الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

(swissinfo.ch)

اتضح في الفترة الأخيرة بما لا يدع مجالا للشك، ان استراتيجية إدارة الصراع من قبل حكومة شارون مع الفلسطينيين قد ادخل إليها عنصر جديد يتمثل بما يسميه البعض ب "شخصنة الصراع"..

تركز الضغط في الأسابيع الأخيرة على شخص الرئيس عرفات، وتم تحميله المسؤولية الأولى والأخيرة عن ما يفعله أي فلسطيني سواء كان من أطراف السلطة الفلسطينية التي يديرها الرئيس عرفات، أو من قبل منظمة فتح التي يرأسها أو من قبل أي منظمة معارضة للسلطة الفلسطينية.

ومن أبرز مظاهر هذه السياسة الجديدة الإصرار على منع الرئيس عرفات من مغادرة مدينة رام الله إلى أن يسلم بعض المطلوبين من قيادة الجبهة الشعبية المتهمين لدى إسرائيل بقتل الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف زئيفي. كذلك، فقد ردت إسرائيل على عمليات التفجير التي قامت بها حماس والجهاد الإسلامي مؤخرا بقصف مقر الرئيس في غزه وكذلك طائراته المروحية وجزء من مقر إقامته في نفس المنطقة، كذلك شمل الرد قصف وتدمير جزء من مقر قيادته في رام الله واثناء وجوده بها.

وفي الواقع يشعر الكثير من المقربين للرئيس أن هذه الحملة العسكرية والدبلوماسية التي تستهدفه تجد تشجيعا من كثير من الدول الأخرى أهمها الولايات المتحدة، لكن المثير للدهشة هنا أن كثيرا من زعماء الدول العربية الذين كانوا دائما على اتصال مع الرئيس، لم يسارعوا الاتصال به ودعمه سياسيا أو خرق الحصار الإسرائيلي المفروض على الرئيس على الأقل عن طريق الاتصالات الهاتفية.

وتذهب حملة شخصنة الصراع الى ابعد من ذلك لتصل الى حملة إعلامية منظمة من قبل إسرائيل لاعطاء الانطباع للعالم الخارجي بأن عرفات شخصيا مسؤول عن "العنف" في المنطقة. ففي اكثر من تصريح لشارون نفسه او كبار مساعدين يشار الى أن عرفات هو قائد ائتلاف من الإرهابيين مثلا ، او انه زعيم لمجموعة من الكذابين في بعض الأحيان، وان استمرار "الإرهاب الفلسطيني" ممكن فقط بتشجيع من الرئيس عرفات وبالتالي فإن الطريق الوحيد لوقف العنف هو الضغط العالمي على الرئيس عرفات الذي بيده كل شيء فلسطينيا.

ومن خلال المتابعة والرصد يبدو أن هذه الحملات نجحت إلى حد بعيد ويعكس ذلك نفسه في تقارير وسائل الإعلام العالمية وأسئلتة مراسليهم، كذلك تتقاطر اعلام الدبلوماسية الغربية الأوروبية والأمريكية أحيانا العربية تارة "لنصح" الرئيس وأخرى للضغط عليه من اجل ان يوقف "العنف الفلسطيني".

ولعل الهدف الخفي في هذه الاستراتيجية يتمثل في تنحية الاهتمام بجوهر المشكلة واسباب استمرار العنف وهو الاحتلال الإسرائيلي وغياب وجود عملية سلام من النوع الذي يعيد الأمل للشعب الفلسطيني بإمكانية إنهاء الاحتلال بطرق تفاوضية سلمية. وبالتالي نجحت هذه السياسة في نقل النقاش العالمي حول توتر عملية السلام واسباب اندلاع العنف من الوضع الإسرائيلي والاحتلال الإسرائيلي الى الوضع الداخلي الفلسطيني.

فصل حاسم من المعركة

ولقد نجحت هذه السياسة الإسرائيلية في وضع الرئيس الفلسطيني في وضع صعب، حيث أصبحت مقتضيات نجاحه داخليا ومحليا متناقضة مع مقتضيات نجاحه على المستوى الخارجي والدولي. دوليا مطلوب منه تهدئة الوضع الداخلي أي وقف المقاومة، وحتى ينجح هذا التمشي، يحتاج عرفات إلى إنجازات سياسية مثل إطلاق عملية السلام أو تنشيط الوساطة كما يتطلب بالضرورة وقف الاستفزازات الإسرائيلية المختلفة التي تولد آليا ردود فعل المقاومة الفلسطيني.

والواقع ان هذا التطور في السياسة الإسرائيلية، وتحديدا نجاحه النسبي حتى الآن، مرتبط بالظروف السائدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ويمكن القول ان الرئيس الفلسطيني وجزئيا القضية الفلسطينية، هم من ضحايا تلك الأحداث وما تبعها من حرب في أفغانستان وذيولها. لقد أتاحت هذه التطورات الفرصة للسياسة الإسرائيلية للتقليل من مكانة وشرعية النضال الفلسطيني وكذلك السلطة والرئيس الفلسطيني. ولاشك ان تجاهل القوى الإسلامية في فلسطين لهذا الواقع والإصرار على استمرار بعض عملياتها التي اتفق العالم على تصنيفها في خانة الإرهاب، هذا كله ساعد شارون على الإيقاع بالجانب الفلسطيني.

المرحلة الأخيرة والتي شهدت نجاحا في وقف إطلاق النار أحرجت بعض الشيء سياسة شارون وحكومته. لذلك رأيناه اليوم يعاود سياسة الاغتيالات تحديدا لنشيط بارز من حركة فتح وهي الحركة الوحيدة المرشحة لانجاح مساعي الرئيس في مجال وقف إطلاق النار. والهدف هو جر القوى الفلسطينية مجددا الى ردود الفعل وهو يعرف انه إذا اندلعت ردود فعل المقاومة فلن يكون عليها ضبط نوعي لذلك سوف تعطيه مزيدا من المبررات لمزيد من الضغط على الفلسطينيين بشكل عام وعلى الرئيس بشكل خاص.

ولعله من المفيد الإشارة الى أسباب أخرى هامة لشخصنة الصراع. أحدها، وربما ليس الأهم، استكمال معركة شارون مع عرفات عام 1982 حين ظن شارون انه قضى على عرفات بطرده من لبنان الى تونس، ليجده بعد عشرين عاما رئيسا لسلطة فلسطينية على ارض فلسطينية. ومن الطريف هنا ان نستذكر ان الرئيس عرفات حينما يسال عن شعوره بنجاح شارون في منع حركته وفرض الإقامة عليه في رام الله، يجيب الرئيس: أنا أبقيته في البيت لمدة عشرين عاما، أي عندما أدت حرب لبنان لمنع شارون من ممارسة العمل السياسي الحكومي حتى فترة قريبة.

أما السبب الأخير وربما الأهم فهو سياسي وأيديولوجي، فعرفات يمثل بالنسبة لشارون وجود سلطة فلسطينية على ارض فلسطينية وهذا يشكل نواة لاتجاه سير عملية السلام وهو اقتسام فلسطين التاريخية الى دولتين: فلسطين واسرائيل، وهذا يتعارض مع عقيدة شارون التي تنطلق من كون فلسطين التاريخية هي حق تاريخي لإسرائيل ويجب عدم اقتسامها مع من يسمونهم في عقيدة التعصب الإسرائيلي: الأغراب.

لكل هذه الأسباب فالمعركة الحالية وان كانت في ظاهرة شخصية الا ان جوهرها سياسي وأيديولوجي وفي الواقع وجودي لذلك ينظر الفلسطينيون الى المعركة الحالية بأنها واحدة من اهم مراحل الصراع الفلسطينية الاسرائيلية.

د.غسان الخطيب - القدس

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×