Navigation

"شهر العسل" بين العسكريين والسياسيين .. هل انتهى؟

العقيد أعل ولد محمد فال، رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية في موريتانيا ونظيره السنغالي عبد الله واد يؤديان التحية لعلمي البلدين في مطار داكار يوم 6 مارس 2006 Keystone

شكلت النداءات المتكررة التي وجهتها اللجنة المستقلة للانتخابات في موريتانيا إلى السلطات صفارة إنذار تبرر المخاوف التي أطلقها بعض السياسيين سابقا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 مارس 2006 - 12:46 يوليو,

وقد أعربوا فيها عن خشيتهم من أن تحول عمليات التزوير والخروقات المنظمة، المسلسل الانتقالي إلى مسرحية هزلية لا طائل من ورائها.

فقد أعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت في عدة مناطق داخل البلاد عشرات الحالات التي يحاول أصحابها التلاعب بعملية الإحصاء السكاني، من قبيل إحصاء أشخاص غير موجودين، أو إحصاء آخرين أكثر من مرة، ومحاولات تزوير بطاقات الهوية، وعرقلة عمل العدادين أحيانا أخرى، وهددت اللجنة باتخاذ عقوبات قاسية ضد أي مرشح يثبت تورطه في مثل تلك العمليات.

إلا أن اللجنة المستقلة للانتخابات أعربت، حتى الآن، عن ارتياحها لمستوى تجاوب السلطات معها في محاولة قطع الطريق على المتلاعبين بعملية الإحصاء، وشددت على ضرورة تفعيل النصوص القانونية التي تعاقب مرتكبي مثل هذه الحالات.

المسلسل الانتقالي

هكذا كانت بداية تنفيذ أجندة المسلسل الانتقالي التي أجمع عليها الفرقاء السياسيون في موريتانيا خلال الأيام التشاورية للحوار، التي التأمت في نواكشوط خلال شهر أكتوبر الماضي، وهي بداية شابها الكثير من المخالفات، رغم أن ما تم تنفيذه حتى الآن من تلك الأجندة هو محطات ثانوية على طريق الانتخابات، إذ يتوقع أن تكون محاولات التلاعب والتزوير أكثر خلال المراحل القادمة، على أن تبلغ أشُـدها حين يصل الأمر إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وتحتدم المنافسة بين الفرقاء السياسيين.

إلا أن المراقبين يرون أن العثرات الأولى للمسلسل الانتقالي الديمقراطي لم تكن مع انطلاقة الإحصاء الإداري، وإنما بدأت قبل ذلك بإقصاء بعض المجموعات السياسية خصّـوا الإسلاميين المعتدين ومنعهم من المشاركة في العملية السياسية، وهي الخطوة التي بررتها السلطات آنذاك بالقول أن القانون الموريتاني يحظر الترخيص لأحزاب دينية.

وقال رئيس المجلس العسكري حينها، إن السلطات لا تمانع من التحاق الإسلاميين بأحد الأحزاب القائمة وممارسة نضالهم السياسي من داخله، لكنه وعد سقط عند أول اختبار.

فقد تقدمت مجموعة تنظيم "فرسان التغيير" (التي كانت تقاتل ضد نظام الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، والمشكلة أساسا من تحالف بين ضباط قوميين ومدنيين محسوبين على التيار الإسلامي) بطلب ترخيص لحزب سياسي شكلوه بعد تخليهم عن الكفاح المسلح، إلى وزارة الداخلية، وضمت تشكيلة الحزب الجديد عناصر ممن كانوا محسوبين سابقا على الإسلاميين، لكن وزارة الداخلية استدعت صالح ولد حننا، زعيم التنظيم ورئيس الحزب الجديد، وأبلغته أنها تعترض على وجود أسماء أربعة شخصيات ضمن قيادة الحزب بحجة أنهم ينتمون للتيار الإسلامي، وأمام إصرار وزارة الداخلية وتهديدها بحظر الحزب، اضطر قادة "فرسان التغيير" لإبعاد المعنيين الأربعة من قيادة الحزب، بغية تسريع إجراءات الترخيص له.

ويقول صالح ولد حننا، إن الأشخاص الذين اعترضت وزارة الداخلية على وجودهم في الحزب ليسوا من الإسلاميين، وهم أعضاء مؤسسون في تنظيم فرسان التغيير منذ تأسيسه في يونيو عام 2003، وأضاف: "صحيح أن هؤلاء الأشخاص كانوا في الماضي على صلة بمجموعة الإخوان المسلمين في موريتانيا، لكنهم انفصلوا عنها منذ انضمامهم لتنظيمنا، ولم تعد لهم أية صلة بها، ونعتقد أن إقصاءهم أمر غير وارد، وفيه الكثير من الحيف والظلم".

عقدة الإسلاميين

ورغم أن منع الإسلاميين من تشكيل حزب سياسي أو المشاركة فيه، اعتبر بنظر الكثير من المراقبين، مؤشرا غير إيجابي على نوايا الحكام الجدد للبلاد، وعدم حيادهم تجاه الفرقاء السياسيين في البلد، إلا أنه لوحظ أن معظم التشكيلات السياسية لاذت بالصمت تجاه هذا التصرف، ورفضت التنديد به، ربما سعيا، كما يعتقد المراقبون، إلى إجبار الإسلاميين على التكتل مع أحد الأحزاب القائمة، وقطع طريق الترشيحات المستقلة أمامهم.

بل إن معظم قادة هذه الأحزاب استشاطوا غيظا وكتبوا رسالة احتجاج شديدة اللهجة إلى رئيس المجلس العسكري بعد صدور قرار بشرعية الترشيحات المستقلة، والتي تعتبر آخر ملاذ للإسلاميين للمشاركة في العملية السياسية، وبرر قادة الأحزاب الموريتانية غضبتهم حيال عدم منع الترشح المستقل، بالقول أن الترشيحات المستقلة تفتح الباب على مصراعيه أمام القبائل والعشائر والمجموعات ذات الطابع الجهوي لتقديم مرشحيها للانتخابات القادمة.

ويقول الشيخ ولد حرم، زعيم حزب التجمع من أجل موريتانيا (تمام)، وهو أحد موقّـعي رسالة الاحتجاج، إن الترشيحات المستقلة، وإن كانت حقا دستوريا، إلا أن نجاح العملية الانتقالية تقتضي منعها، على الأقل أثناء المرحلة الانتقالية، وذلك من أجل ترسيخ ثقافة سياسية وحزبية بين المواطنين.

لكن محمد جميل ولد منصور، زعيم التيار الإسلامي المعتدل أو "الإصلاحيين الوسطيين"، كما يسمون أنفسهم، يرى في هذه الحجة ضحكا على عقول الناس، وتبريرا غير منطقي لخرق القانون لأسباب آنية ضيقة لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية.

واستغرب ولد منصور، كيف يطالب قادة أحزاب سياسية تدّعي أنها ديمقراطية بمصادرة حريات الناس التي يضمنها لهم الدستور، وإرغامهم على الانخراط في أحزاب سياسية قد لا يكونوا راضين عن برامجها ورؤاها السياسية.

وأضاف "إن قادة الأحزاب السياسيين الذين طالبوا بمنع الترشيحات المستقلة، هم أول من يسعى نحو القبائل ويخطبون ودها، ويتبجحون بدعم زعمائها التقليديين لهم، فكيف يتذرعون اليوم بمحاربة القبلية لتبرير مطالبتهم بمنع الترشح المستقل".

وتساءل الزعيم الإسلامي "أين كان هؤلاء السياسيون حين منع الإسلاميون من تشكيل حزب سياسي، رغم أنهم اقترحوا على وزارة الداخلية تشكيل حزب سياسي مدني لا يقوم على أساس ديني، لكنها رفضته لمجرد أن مؤسسيه معرفون بخطابهم الإسلامي".

نقاط الخلاف

ولم تكن مسألة إجازة أو حظر الترشيحات المستقلة وحدها التي شكلت مناط سجال وخلاف سياسي بين المجلس العسكري والحكومة الانتقالية من جهة، والفرقاء السياسيين في موريتانيا من جهة أخرى.

فقد تحدثت بعض الصحف المحلية عن ملاسنة حادة وقعت الأسبوع الماضي بين رئيس المجلس العسكري العقيد أعل ولد محمد فال، ورئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بو الخير الذي يعتزم خوض الانتخابات الرئاسية القادمة، وكان هذا الأخير قد اتهم في تصريحات صحفية رئيس المجلس العسكري الحاكم أنه كان أحد المتورطين في الفساد ونهب المال العام إبان حكم الرئيس السابق، وطالبه بإعادة نصف ممتلكاته إلى الخزينة العامة كخطوة رمزية للإصلاح، ولكي يقتدي به كل من تورطوا في نهب المال العام إبان الفترة السابقة.

وكان عدد من السياسيين قد أعلنوا رفضهم لقرار المجلس العسكري الصفح عن الماضي بجميع سلبياته والتجاوز عن جرائم الفساد التي ارتكبت في الماضي، ويقول السياسيون إن السلطات الحاكمة لا تملك حق العفو عمن ارتكبوا جرائم ضد الشعب قبل أن تتم محاكمتهم وإدانتهم.

وقبل يومين، طلب رئيس المجلس العسكري من الأحزاب السياسية استبدال ممثليهم في اللجنة الوطنية المكلفة بتسيير موارد الصناعات الاستخراجية، بحجة أنهم غير فنيين، وهو ما رفضه قادة هذه الأحزاب، مطالبين بإبعاد عناصر أخرى من هذه اللجنة توصف بأنها مقرّبة من رئيس المجلس العسكري، الأمر الذي تسبب في مواجهة حادة بين الطرفين، وهدد رئيس المجلس العسكري بحل اللجنة المعنية.

من جهة أخرى، أعلنت حركة تحرير الأفارقة الزنوج في موريتانيا (افلام) تراجعها عن قرارها السابق بإنهاء الكفاح المسلح، واتهمت المجلس العسكري بتعمد تجاهل ما أسمته مأساة آلاف اللاجئين من الزنوج الموريتانيين الذين هجروا إلى السنغال بسبب الأحداث العرقية التي شهدتها موريتانيا خلال الفترة ما بين 1989 و1991، بينما يقول رئيس المجلس العسكري، إن بلاده مفتوحة أمام كل من يريد العودة إلى الوطن، ويثبت أنه مواطن موريتاني.

هذه نماذج من نقاط الخلاف التي ظهرت مؤخرا بين الحكام الجدد لموريتانيا والفرقاء السياسيين، مما يؤشر بوضوح أن شهر العسل بين الطرفين قد انفرط، وأن الفترة الانتقالية لم تكن لتنتهي بالإجماع الذي توهمه المراقبون بداية، عندما أعلن العسكريون الموريتانيون الشروع في مسلسل انتقالي اتفق الجميع نظريا على وضع أجندته، واختلفوا تطبيقيا في تنفيذه.

محمد محمود أبو المعالي - نواكشوط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.