"على سويسرا أن تُـراجِـع علاقاتها مع بلدان هذه القارة"

يُـعتبر بيتر فون ماتّ، أستاذ الأدب الألماني في جامعة زيورخ، كاتبا مرموقا ومساهما نشِـطا في السجالات الداخلية بسويسرا Keystone

يُـصرّ بيتر فون ماتّ، أستاذ الأدب الألماني المميّـز بجامعة زيورخ، على إعلان وطنيته لينخرِط بقوّة في النقاش العمومي. وحسب رأيه، فإن الجدل القائم حاليا في سويسرا حول الهجرة الألمانية، يتسم بطابع انتخابي بحت.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 فبراير 2010 - 09:13 يوليو,

في السابع من شهر مارس القادم، سيُـجدِّد سكان زيورخ السلطات البلدية لمدينتهم، وهي فرصة يغتنمها حزب الشعب السويسري (يمين محافظ وشعبوي) لإطلاق سِـهام نقده باتجاه المهاجرين الألمان، عموما، والأساتذة الألمان العاملين في الجامعة، خصوصا، مُـستهدِفا بذلك الأجانب والمثقفين في آن معا.

أستاذ الآداب والكاتب بيتر فون ماتّ Peter Von Matt، هو أحد هؤلاء المثقفين الذين لا يُـفوِّتون أيّ فرصة للتّـنديد بالمبرِّرات "ذات المستوى المتدنّـي جدا"، المُـستخدَمة من طرف حزب الشعب. كما أن هذا المتخصِّـص في الأدب الألماني، مُـناصِـر متحمِّـس جدا لمصير أوروبي لسويسرا، وهو لا يفتأ يُـردِّد بالخصوص، أنه لا يرضى بأن يُـسرق منه بلده من طرف الشعبويين والانعزاليين.

swissinfo.ch: بعد شراء مُـعطيات مصرفية مسروقة من طرف ألمانيا، تتعرّض سويسرا لضربة قاسية جديدة. هل ترى وأنت تتبنّـى عاليا انتماءك الوطني، وخاصة في خطابك الذي ألقيته يوم 1 أغسطس في هضبة غروتلي، أن سويسرا قد خسِـرت جميع "أصدقائها"؟

بيتر فون ماتّ: المشاكل المصرفية تُـعزِّز صورة بلد أناني لا يفكِّـر إلا في المال المضمون بواسطة قوانين مُـلتبِـسة. لقد فقَـد جيراننا أية ضوابِـط تحُـول دون شرائهم لمُـعطيات مسروقة. ما هو غريب، أن يتِـم الإعلان عن الحدث بمثل هذه السرعة وبمثل هذه القوّة. في الحالات العادية، تهتمّ أجهزة الاستخبارات بهذه المسائل ولا يعلَـم الجمهور بها أبدا. أما الآن، فيجري الحديث عنها بصوت عالٍ وبقوّة لممارسة الضغط على دافعي الضرائب.

ألمانيا، التي تُـعاني أصلا من مديونية ثقيلة جدا، لا يُـمكن أن تسمح لنفسها بلعِـب دورِ القلوب النبيلة، والقول "نحن لا نشتري هذه المُـعطيات، حتى ولو جلبت لنا الملايين". لكنني لا أعرف ما الذي كانت ستفعله سويسرا لو وجدت نفسها في وضعية مماثِـلة.

نهاية سويس إير والزوبعة القائمة حول يو بي إس والخلافات الضريبية مع جيراننا والمشكلة مع ليبيا إلخ...، هل يُـمكن القول بأن عدم الكفاءة يقِـف وراء جميع هذه الأزمات؟

بيتر فون ماتّ: من الطبيعي أن تتمثّـل ردّة الفعل في البحث عن متّـهم (أو مذنب)، ويأتي الجواب بدوره فوريا في صيغة ردّ فِـعل: "الحكومة الفدرالية مُـذنِـبة!"، لكن عملَ الحكومة لم يكُـن بمثل هذا القدر من السوء في العام الماضي، حيث ردّت الفِـعل بشكل جيِّـد على الأزمة الاقتصادية. بعد ذلك، تأتي دائما هذه المُـطالبات السخيفة: "نحن بحاجة إلى رجل قوي"، في حين أن "الرجل القوي"، مفهومٌ لاسياسي، إذ لا يوجد سِـوى سياسيين ناجحون وآخرون ليسوا كذلك. والنجاح يُـقاسُ بواسطة عشرات المعايير، ولا يتوقّـف على إحدى الصِّـفات الشخصية التي يُـفترض أن تكون التحكّـم أو (السُّـلطة).

من أين يأتي شغفك واهتمامك بالسياسة؟

بيتر فون ماتّ: أنا مواطن سويسري! (يضحك). باعتباري أستاذا للآداب، اهتممت كثيرا بالقرن التاسع عشر وبكتّـابٍ مثل Jeremias Gotthelf وGottfried Keller وHeinrich Heine وكثيرون غيرهم. عندما يشتغِـل المرء مع شخصيات من هذا القبيل، يصِـل بالضرورة إلى التاريخ.

لقد رأيتُ إلى أيّ مدى "تجري" السياسة في التاريخ، وخاصة في سويسرا. فالقرن التاسع عشر مبهر إلى حدٍّ بعيد، ولا يعود مردّ ذلك فقط إلى 1848 (تاريخ نشوء الدولة الحديثة في سويسرا)، حيث أن سويسرا الحديثة وُلِـدت من رحِـم الثورات التي اندلعت في الكانتونات في سنة 1830 والأعوام التي تلتها، ففي تلك السنين، لم يتوقّـف السويسريون عن القيام بانقلابات! (Putsch)، وهي كلمة يعود أصلها إلى اللهجة السويسرية الألمانية (Zusammenstoss)، التي تعني الاصطدام.

بشيء من المبالغة، هل يُـمكن القول بأنه لو كان هناك في عام 1830 والسنوات الموالية نفس عدد الألمان المتواجدين اليوم في زيورخ، لمَـا تمّ ابتِـكار كلمة (Putsch) أو انقلاب؟

بيتر فون ماتّ: (يضحك).. لقد كان هناك الكثير من الألمان في زيورخ في تلك الفترة أيضا. لقد نجح السويسريون في الثورات التي أخفق في إنجازها الألمان. من جهة أخرى، ولِـدت جميع هذه الحركات من رحم ثورات اندلعت في باريس وانتشرت إلى باقي أنحاء أوروبا.

الخيْـبات الألمانية دفعت العديد من الشبّـان باتّـجاه سويسرا، حيث استقرّوا ونشروا نصوصا وساعدوا على تأسيس الجامعات في زيورخ وبرن، بل إن جامعة زيورخ لم تكُـن تتوفّـر لدى افتتاحها إلا على أساتذة ألمان.

أطلق حزب الشعب السويسري مجدّدا آلته الانتخابية في زيورخ ضدّ الحضور القوي للألمان، وبالتحديد ضدّ ما يُـزعم أنها شبكات المحسوبية الألمانية في الجامعة..

بيتر فون ماتّ: المسألة "أوقِـدت" من طرف حزب الشعب والتقطتها وسائل الإعلام ثم أجّـجتها. إن كلمة « Filz » (تعني المؤامرات والدسائس)، التي يستخدمها الحزب، تندرِج بوضوح في سياق الثّـلب، وهو مُـصطلحٌ يُـشير، وإن بطريقة ضعيفة، إلى الفساد. لقد عمِـلتُ دائما مع زملاء ألمان في الجامعة ولم تحصُـل بيننا مشاكل أبدا. صحيح أن المواطن السويسري العادي المتحدِّث بالألمانية، شعُـر دائما بشيء من الحساسية تُـجاه الألمان وأن الحرب العالمية الثانية عزّزت هذا الشعور، لكن الأمر لا يتعلّـق بمشكلة محدّدة. إننا نمتلك نفس الثقافة ونفس اللغة، لأن لغة الأنحاء الناطقة بالألمانية من سويسرا، ليست اللهجة، بل الألمانية في صيغتين: اللغة الألمانية الجيّـدة (المستخدمة في الكتابة) واللهجة (أو العامية). إن سويسرا تشتغل بواسطة اللغة الألمانية الجيدة.

أنت مؤيِّـد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. هل سيؤدّي ذلك برأيك إلى حلّ مشاكل سويسرا؟

بيتر فون ماتّ: قد لا يحدُث ذلك بشكل مباشر، لكن يتحتّـم على سويسرا أن تُـراجِـع علاقاتها مع البلدان التي تعيش معها فوق هذه القارة. فسكان الجبال (في إشارة إلى السويسريين والألمان والنمساويين الذين يشتركون في الإقامة في جبال الألب)، هُـم أيضا "لاعبون شاملون" (بالمعنى الذي يرمز إليه مصطلح Global players المرتبط بالعولمة). فسويسرا لا يُـمكن لها أن تتصرّف وكأنها تنجو لوحدِها أو كأنها تتكرّم على الآخرين بتمكينهم من التعرف عليها!

"لا يُـمكن أن يحدُث لنا أي شيء، لقد مرّت الأزمة والأمور ستمضي قُـدُما": عندما يُـعتقد دائما أن كل شيء سيعود كما كان عليه في السابق – مثلما نشاهده الآن مع كل أزمة – ننسى إلى أي مدى كُـنّـا محظوظين في التاريخ. إننا نقوم بذرّ الرماد في أعيننا.

إذا ما لم تستوعِـب سويسرا أن كافة هذه الأزمات، إذا ما أخِـذت بعين الاعتبار في مُـجملِـها، تُـؤشِّـر إلى أن مبادئ البلد نفسِـه لم تعُـد مضمونةً (أو مُصانة)، فيعني ذلك أننا نتّـجه نحو مزيد من الصعوبات الأكبر حجما. وللأسف، يجب أن تسوء الأمور أكثر في مُـعظم الأحيان، قبل أن يتغيّـر شيء ما فعلا.

أريان جيغون – زيورخ – swissinfo.ch

(ترجمه من الفرنسية وعالجه كمال الضيف)

البروفسور بيتر فون ماتّ في سطور

ولِـد في عام 1937 في نيدفالد ودرَس الآداب الألماني واللغة الإنجليزية وتاريخ الفن في زيورخ ونوتّـنغهام ولندن.

تحصّـل على الدكتوراه بعمل أنجزه حول E.T.A Hoffmann.

عمِـل منذ عام 1971 أستاذا مساعدا في جامعو زيورخ وسُـمِـيّ بروفيسور في عام 1976.

تحصّـل بيرت فون ماتّ على العديد من الجوائز (من بينها جائزة شارل فايون Veillon التي تُـمنحُ لأفضل مؤلّـف أوروبي)، كما درّس بصفته أستاذا زائرا في العديد من الجامعات.

نشر عشرة مؤلّـفات بالألمانية، وفي عام 2009، كان أحد المتحدِّثين في الاحتفالات الرسمية بالعيد الوطني في غرة أغسطس، التي تُـنظم عادة في هضبة غروتلي الشهيرة.

End of insertion

ألمان في زيورخ

قبل أعياد الميلاد لعام 2009، نشر حزب الشعب السويسري إعلانات، تُـندِّد أولا بـ "الاستعلاء الأجنبي" أرفِـقت بصورة لوزير المالية الألماني السابق، ثم بـ "السّـمسرة القذرة" للأساتذة الألمان في جامعة ومستشفيات زيورخ، المتّـهمين بتكاثر أعدادهم.

حسب صحيفة تاغس أنتسايغر، سُـجِّـل فعلا ارتفاعٌ في عدد الألمان المُـنتدَبين للعمل في الجامعة، مقارنة بالسويسريين في عامي 2007 و2008، لكن عددهم تراجَـع إلى المرتبة الثانية في عام 2009.

السبب الكامن وراء هذه الظاهرة، هو النقص المسجَّـل في عدد الأساتذة الجُـدد وظهور شُـعب جديدة لا يعمل فيها أساتذة سويسريون.

يُـعتبر حضور الألمان في مدينة زيورخ تقليدا قديما. ففي عام 1910، كانوا يُـمثِّـلون أربعة أضعاف الإيطاليين (40373، أي 21% من إجمالي عدد السكان)، الذين لم يُـصبحوا أكثر منهم إلا في عام 1950.

منذ بدء العمل بحرية تنقّـل الأشخاص في عام 2002، استعاد جيران الشمال مكانهم "الطبيعي"، حيث تضاعف حضورهم مرتين في الكانتون (71000 في أغسطس 2009) وثلاث مرات في المدينة ليصل إلى 30000 ما بين عامي 1997 و2007.

في بقية الترتيب، تأتي كلٌّ من أرغاو (24000 ألماني في أغسطس 2009) وبرن (حوالي 23000) وسانت غالن (حوالي 20000) وتورغاو (15000) وبازل المدينة (13000). هذه الأرقام الصادرة عن المكتب الفدرالي للإحصاء، لا تشمل القاطنين على الحدود، الذين يترددون يوميا للعمل في سويسرا.

تُـشير إحصائيات 2005 إلى أن متوسِّـط دخل الألمان الخاضع للجباية في مدينة زيورخ، أكثر ارتفاعا مقارنة بالسويسريين، وهو وضعٌ ينطبِـق على الفرنسيين أيضا.

من جهة أخرى، يفوق دخل الهولنديين والأمريكيين والبريطانيين والسويديين المقيمين في زيورخ متوسِّـط دخل الألمان.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة