Navigation

"كردستان لي، والعراق .. أنا شريككم فيه"

الرئيس العراقي جلال الطالباني ورئيس الوزراء إبراهيم الجعفري في اجتماع سابق ببغداد (تاريخ الصورة: 31 يوليو 2005) swissinfo.ch

تؤكّـد الخلافات الأخيرة بين رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري، والرئيس جلال الطالباني وعموم التحالف الكردستاني، أن نظام المحاصصة الطائفي والقومي يهدّد العراق بالتقسيم وبالحرب الأهلية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 أكتوبر 2005 - 20:00 يوليو,

ويبدو أن الخلافات بين الطالباني والجعفري هدأت، والجميع بانتظار ما بعد الاستفتاء على الدستور..

هذه الخلافات يجب أن لا ينظر إليها على أنها مجرد ممارسة للديمقراطية الفتية، أو تفسيرها بأن العراقيين لم يتعوّدوا على الديمقراطية بعدُ، ذلك أن أن لسان حال جزء من أطراف هذه الديمقراطية يقول: "إما أن تمنحونا كل شيء أو ننسحب، فأنتم غير ديمقراطيين"، أو ما عبّـر عنه بعض الشيعة في معرض انتقادهم للأطراف الكردية بقولهم: "إن لسان حال الكردي يقول: "كردستان لي .. والعراق أنا شريككم فيه".

بداية، لا بد من العودة إلى مؤتمر لندن الذي عقد في منتصف 2002، حيث وضعت قواعد اللعبة غير "الديمقراطية" الراهنة في العراق، برعاية السفير الأمريكي الحالي في بغداد زلماي خلال زادة.. حيث أن الذين وضعوها لم يأخذوا رأي الشعب، وقالوا إنهم يمثلونه من خلال أحزابهم وتنظيماتهم التي لم تؤسس يوما على أسس ديمقراطية، ولم تشهد منذ عقود انتخابات تغيير الوجوه التي ألفها العراقيون لهم، كما كانوا يألفون رئيسهم غير المنتخب صدام حسين.

وحتى بعد سقوط النظام السابق، وتأسيس مجلس الحكم على أسس غير ديمقراطية، (وبالمناسبة، لم يدَّّع أحدٌ من أعضائه أن المجلس المنحل كان ممثلا لكل العراقيين)، ومن هنا بات واضحا أن قانون إدارة الدولة الذي تحول فيما بعد إلى القاعدة والإطار للدستور، ولكل مفردات وتفاصيل العملية السياسية، لم يحظ بإجماع عراقي، ومن ثم لا يحق إذن أن يتم فرضه "قرآنا" منزلا لا يمكن المساس به أو تغيير أي مفردة فيه.

لذلك يمكن القول أن الخلافات القائمة بين الجعفري والطالباني هي في الواقع نتاج نظام المحاصصة، وعدم الأخذ برأي الشعب فيما شهده العراق من تحولات على مدى العامين الأخيرين.

وحتى الانتخابات التي جاءت بالحكومة الحالية، وباللرئاسة ورئاسة الوزراء والجمعية الوطنية والقضاء، لا يمكن اعتبارها مثالا على الديمقراطية الجديدة في العراق، لأن معظم السُـنّة العرب قاطعوها "مخطئين"، فهي إذن انتخابات للشيعة والأكراد وباقي مكونات الشعب العراقي، عدا غالبية السنة العرب، وقد أفرزت حكومة أقل ما يقال عنها إنها لا تمثل كل الشعب، رغم سعيها لتكون لكل الشعب العراقي.

معركة وأدوار

ظاهريا، اندلعت معركة الصلاحيات بين الأكراد والجعفري، وبدت كأنها معركة "تقاسم الكعكة" بامتياز، لكن لا بد من التفتيش فيما وراء الكواليس عن الدور الأمريكي، وربما الإقليمي، في اندلاع خلافات الجعفري والأكراد.

فالجعفري وحزبه، حزب الدعوة الإسلامية، كان مرغوبا فيه بشدة قبل سقوط النظام. وحين امتنع عن الانخراط في المشروع الأنغلو- أمريكي للتغيير رافضا سقفا حدّده الأمريكان للشيعة، ومفضلا الدخول عبر بوابة الأمريكيين لوحده دون وسيط، (أراد الانسحاب مع الحزب الإسلامي "السنّي" معترضا على حجمه في نظام المحاصصة)، ثم اختير في المجلس القيادي السباعي لمجلس الحكم، إلا أن حجم الانتصار الذي حققه مع قائمة الائتلاف في انتخابات الجمعية الوطنية، جعل الأمريكيين يفكرون ألف مرة في تغييره، ودعم التحالفات ضده، خصوصا للانتخابات البرلمانية المقبلة.

نعم، لقد خطف التحالف الكردستاني بريق انتصار الشيعة، وحال دون التوصل إلى تشكيل حكومة معهم بالسرعة المرجوة لقطف ثمار ذلك الانتصار، و"طلّـع أرواحهم" قبل أن يتفق مع الشيعة لتشكيل حكومة ترجمت إلى حد ما المقولة السابقة: "كردستان لي والعراق أنا شريككم فيه"، بما دفع بعض الشيعة في الجمعية الوطنية إلى اتهام الطالباني بتنفيذ مخطط أمريكي يرمي إلى إفشال حكومة الجعفري الإسلامية "لإبعاد العراق الجديد عن الإسلام"، حسب رأيهم.

المهم، لقد اتضح عمليا أن الأكراد الذين ظُـلموا كثيرا في الحقب الماضية، "ما عادوا سهلين"، وهاهم اليوم يعرفون من أين تؤكل الكتف، ويستفيدون من ثغرات النظام العالمي الجديد بالعولمة الأمريكية بكل ما أوتوا من حنكة ودهاء، ورأوا أن عليهم تثبيت حقوقهم، وانتزاعها قبل الانتخابات الحاسمة المقبلة، بالخطوط الحمر التي وضعوها بعناية.

ربما لم يحصلوا من الجعفري، ومن الائتلاف الذي تدخل "كوسيط" لحلحلة الخلاف، على كل ما يريدون الآن ليعلنوا أن الخلاف "انتهى"، لكن المؤكد هو أنهم أظهروا "العين الحمراء" للجعفري وللائتلاف الشيعي حول طبيعة الاصطفاف الجديدة التي يمكن أن تظهر استعدادا للانتخابات.

وهنا يجدر التذكير أن الميثاق الذي تم الاتفاق عليه أثناء تشكيل حكومة الجعفري ينص على حل الحكومة لتصبح حكومة تصريف أعمال إذا انسحبت منها لأية أسباب إحدى الكتلتين: الائتلاف الشيعي أو التحالف الكردستاني، وهذا الأمر يشير إلى حقيقة قيلت بُـعيد تشكيل حكومة الجعفري، وهي أن التحالف الشيعي الكردي "ليس قويا ليمنع انهياره".

الأكراد يتحركون في اتجاه آخـر؟

لقد اتضح من خلال الممارسة أن التحالف الكردي لم يتعامل مع الائتلاف إلا كشريك متساو، رغم أن عدد المقاعد التي حصدها في الجمعية الوطنية أقل بكثير من مقاعد الشيعة، ومن هنا جاءت مذكرة الزعيمين الكرديين، الطالباني ومسعود البارزاني، إلى إبراهيم الجعفري والمؤلفة من 16 مطلبا، إذ تضمنت دعوة صريحة إلى إشراك الكتلة الوزارية الكردستانية كشريك في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية المهمة على أساس مبدإ التوافق، وهو بالمناسبة قاعدة المحاصصة التي طالب على أساسها الأكراد بتعيين الموظفين الكبار، وفي تشكيل الوفود إلى الخارج.

حتى في المشاريع الإنمائية والإعمارية، فإن الأكراد طالبوا بحصّـتهم وعدم التفريق في إقرار المشاريع للمناطق المختلفة في العراق، وبيان كلفة تلك المشاريع وتشكيل دوائر وإدارات موازية للوزارات أو الهيئات المهمة، وإبلاغ الكتلة الكردية في مجلس الوزراء بكيفية إقرار الميزانيات الضخمة (مليار دولار) لمجلس الإعمار، وأساليب الصرف مع تحديد حصّة كردستان من تلك المشاريع، واشترطا "عدم إرسال أي مشروع قانون إلى الجمعية الوطنية من دون موافقة مجلس الوزراء.

اللفتة الأهم في نقاط الخلاف بعد مسألة تسوية وتطبيع الأوضاع في مدينة كركوك، بعد مضي شهر واحد على إعلان الحكومة، فهي الإشارة إلى أن الأكراد يريدون أن يلعبوا دور الحاضنة للسُـنة العرب، وهذا برز أيضا في أول خطاب للطالباني بعد اختياره رئيسا للبلاد. فقد شدد طالباني وبارزاني في المذكرة على ضرورة "اتخاذ إجراءات رادعة لوضع حدّ للجرائم التي تُـرتكب ضد العرب السُـنة".

ويبدو أن الخلافات بين الطالباني والجعفري قد هدأت الآن، والجميع بانتظار ما بعد الاستفتاء على الدستور، حيث يجري التحضير لاصطفافات جديدة في الخارطة العراقية عشية الانتخابات البرلمانية المقبلة.

كان الأكراد متحالفين مع الشيعة حتى قبل سقوط نظام صدام، ولكنهم اليوم يتحركون في اتجاه آخر ينطوي على محاولة الدمج بين علمانيتهم و"سنيتهم" للحصول على أكبر المكاسب في محاولة لتغيير المعادلة الراهنة التي ترجّـح الكفة للإسلاميين "الشيعة"... بما لا يرضي الإدارة الأمريكية.

نجاح محمد علي - دبي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.