"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"!

Keystone

لماذا إنقلب فجأة "ربيع دمشق" الواعد الى "خريف بطريريك" متوّعد؟ (تيمُّنا برواية غابرييل غارسيا ماركيز). الاجتهادات هنا تتباين بتباين الطرف المجيب على السؤال.

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 يوليو 2002 - 16:18 يوليو,

الدوائر المقرّبة من الرئيس السوري بشار الاسد، تعترف بان الرئيس "فرمل" كل توجهاته الاصلاحية السياسية والاقتصادية الطموحة، التي اطلقها فور جلوسه على عرش حافظ الاسد قبل نحو سنتين. لكنها تؤكد ان "الفرملة" لا تعني ان صفحة الاصلاح طويت وانقضى الامر.

وتضيف المصادر ان جملة اعتبارات أملت على الرئيس الشاب الابتعاد عن الربيع نحو أجواء الخريف، أهمها: الظروف الدولية الخطيرة التي تمر بها سوريا هذه الايام. فواشنطن تكاد تدخلها في "محور الشر". والرئيس الامريكي بوش وّجه مؤخرا ما يشبه "الانذار الاخير" لدمشق بضررة "حسم امرها والاختيار بين ان تكون معنا او مع معسكر الارهاب". كما أنه أتبع هذا التهديد بصفعة دبلوماسية ذات مغزى، حين رفض لقاء وزير الخارجية السوري فاروق الشرع خلال زيارته الاخيرة للولايات المتحدة.

وتقول المصادر، ان الحسم الذي يريده بوش، بات يعني إنهاء سوريا تحالفها الاستراتيجي مع ايران، وقطع علاقاتها مع "حزب الله" وحماس والجهاد وباقي فصائل المعارضة الفلسطينية. وفي مثل هذه الاجواء الخارجية الخانقة، يكون الاصلاح الداخلي "أشبه بالجدل البيزنطي حول جنس الملائكة، فيما العدو يحاصر القسطنطينية" (على حد تعبير المصادر).

والظروف الاقليمية لا تقل خطورة، فاسرائيل تواصل حشودها المقلقة على الحدود اللبنانية – السورية- الاسرائلية المشتركة، وإعلامها يستخدم اسلحته الثقيلة ضد دشمق ويتهمها هي وحزب الله بالتعاون مع "قاعدة أسامة بن لادن". هذا في حين ان "الاصابع الخفية" بدات تحرّك الوضع الداخلي اللبناني ضد سوريا، من خلال تشجيع المؤتمر الماروني العام في لوس أنجيليس مؤخرا على إدانة "سوريا الارهابية" والمطالبة بطردها من لبنان .

وتعيد المصادر الى الاذهان انه خلال زيارة وزير الخارجية الامريكي كولن باول الاخيرة الى دشمق، سمع المسؤولون السوريون تهديدات مباشرة منه بأنه قد يفجّر الورقة اللبنانية في وجههم، اذا لم يتساهلوا مع الاوراق الاخرى التي تهم الولايات المتحدة (أساسا ايران وحزب الله وحماس). وفي هذا الاطار أيضا، قد يكون الاصلاح الداخلي جدلا داخليا "إنتحاريا".

واخيرا، لا يفوت الدوائر المقرّبة من الرئيس الاسد، الاشارة الى ان الاعتقالات واحكام السجن القاسية التي صدرت مؤخرا بحق سياسيين ونوابا ونشطين سوريين في مجال حقوق الانسان، لم يكن هدفها الحقيقي إحكام إغلاق نوافذ الانفتاح نهائيا، بل اطلاق الرسائل في كل الاتجاهات الى كل من يهمهم الامر بأن النظام السوري لن يسمح البتة للقوى الخارجية باستخدام التناقضات الداخلية السورية لخدمة جداول اعمالها. وتشير الى انه يمكن التوقع قريبا ان تشن السلطات السورية حملة مماثلة على النشطين السوريين في صفوف الحركات الاسلامية المختلفة.

صورة معاكسة

هذا ما يقوله المقربون من دمشق. فماذا يقول المعارضون؟
تبدو الصورة هنا معاكسة تماما. فهؤلاء يعترفون بان الوضع الدولي والاقليمي خطير بالفعل، لكنه يستدعي، على العكس، دعم الجبهة الداخلية السورية لا قمع المجتمع المدني ومنظماته. وهذا ممكن، لان المعارضين الديموقراطيين السوريين لا يقلون وطنية وقومية وشعورا بالمسؤولية عن اولئك الموجودين في السلطة.

ويضيفون انهم يخشون ان يكون الرئيس بشار الاسد قد توصل الى قناعة مفادها ان أمن النظام أهم من تطوره، وان الأولويات يجب ان ترسم على هذا النحو. وهذه بالمناسبة الاستراتيجية نفسها التي طبقها والده الرئيس الراحل حافظ الاسد، والتي ضمنت بالفعل استقرار النظام طيلة 30 عاما، لكنها ادت في المقابل الى جمود اقتصادي قاس وركود اجتماعي أقسى، وتصّحر سياسي أشد قساوة ..

ويعزّز المعارضون وجهة نظرهم بالقول، ان التصلب الاخير ضد المجتمع المدني، لم يحدث الان، بل كان في تصاعد بعد أشهر قليلة من بدء حركة نوادي حقوق الانسان والديموقراطية.

لم يكن الوضع الدولي والاقليمي آنذاك ضاغطا بقوة كما هو الامر الان. ويعرب المعارضون حاليا عن خشيتهم من ان يتحّول المؤقت الى دائم، وان يكرّس الحرس القديم سيطرته على اولويات النظام الجديد ل "ثلاثة عقود اخرى".

الى أين؟

الى أين يمكن ان يؤدي مثل هذا السجال الحاد؟ الامور ستكون رهنا بما يجري على الساحتين الإقليمية والدولية. فإذا ما نجحت سفينة النظام السوري في تجاوز المضائق الصعبة التي تمر بها الان بسلام، فلا تغضب امريكا ولا تقطع اواصر الرحم المهمة مع طهران، فان هذا سيشجّعها على المضي قدما في مواصلة وضع الأغلال في أيدي المجتمع المدني. إذ لا شيء ينجح كالنجاح، كما يقال.

أما اذا تحوّل الحصار على سوريا الى محاولة خنق حقيقية، فسيكون النظام في حاجة الى حوارات داخلية قد يقدم فيها بعض التنازلات للقوى الديموقراطية، وربما أيضا لبعض القوى الاسلامية.

وهناك أيضا نقطة اخيرة، ربما تكون في صالح الاصلاحيين. فالاقتصاد السوري قد يصل الى مرحلة لا يعود نافعا معها جرعات التهدئة وتسكين الالام. وهذا قد يعزز وجهة نظر بشار الاسد الداعية الى الانفتاح وكسر القيود التي تبطئ انفتاح الاقتصاد السوري على الثقافة والتكنولوجيا الحديثة والعولمة.

لكن، وفي إنتظار كل هذه التطورات الافتراضية، "لا صوت سيعلو على صوت المعركة" في سوريا. ومثل هذا الانتظار ربما يدوم وقتا ليس بقصير.

سعد محيو- بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة