تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"مصري ودبلوماسي" كتاب يسلّط الضوء على فترة حاسمة من تاريخ الدبلوماسية المصرية

فرج موسى، يتحدث في كتابه "مصري ودبلوماسي" عن تجربة والده، أحد رواد الدبلوماسية المصرية في العقود الأولى من القرن العشرين.

(swissinfo.ch)

كتاب "مصري ودبلوماسي" للدكتور فرج موسى، فرصة للغوص في بدايات تكوين السلك الدبلوماسي المصري، من خلال تجربة والده فرج ميخائيل موسى، ومدى صعوبة تمثيل مصر وهي تحت الاحتلال، لكنه فرصة أيضا لإلقاء الضوء على مراحل تاريخية في فترة مضطربة في العلاقات الدولية والإقليمية.

كان تأليف هذا الكتاب المتعلّق بأحد رواد الدبلوماسية المصرية، ومن خلاله سرد بعض المواقف السياسية والقرارات التاريخية، محض صدفة تحدّث عنها فرج موسى لأحد الصحفيين، الذي شجعه على كتابة مقال عن حياة والده فرج ميخائيل موسى وتجربته كأحد رواد بناء السلك الدبلوماسي المصري في الفترة الممتدة بين 1920 و 1940.

لجأ فرج موسى لكتابة هذين المقالين للبحث والتنقيب في كل الأرشيف الذي أتيح له الاطلاع عليه. ويقول عما اكتشفه : "بعد حوالي 80 عاما من العمر، اكتشفت أنني لا أعرف الكثير عن والدي، وان أحدا لم يكتب عن هذا الموضوع. وحتى من كتب عن تلك الحقبة، مثل أحد المؤرخين الإسرائيليين المختصين في علاقة الكنيسة القبطية بالإمبراطور الاثيوبي هايلا سيلاسي، تحدث عن والدي بدون ذكر اسمه، وهذا ما دفعني الى التعريف به وبالمواقف المهمة التي اعتبر أنه يجب توثيقها في تاريخ مصر". 

صعيدي يصبح أحد رواد الدبلوماسية المصرية

استهلّ الكاتب حديثه عن والده بالقول: "ينحدر والدي من أسرة فلاحين من الصعيد، ولكن والديه هاجرا الى دلتا القاهرة. وقد حالفه الحظ من جملة أسرة مكوّنة من عشرة أطفال، لكي يلتحق بالجامعة ويتخرج كمحامي ويشتغل كمتدرب في مكتب أحد كبار المحامين الأقباط، الذي كان عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب الوطني "الوفد".

تمكّن بفضل منحة في الخارج من أنهاء الدكتوراه في القانون الدولي العام في جامعة ليدز ببريطانيا. وفي عام 1923 تم اختياره كممثل في واشنطن من بين الأربعة ممثلين الأوائل الذين أسسوا سلك الدبلوماسية المصرية. انتقل بعد ذلك إلى برلين وعدة عواصم غربية أخرى.

ولكن أهم مرحلة في حياة فرج ميخائيل موسى، هي تلك التي قضاها كممثل لمصر في إثيوبيا، حيث ربطته علاقات وثيقة مع الإمبراطور الإثيوبي هايلا سيلاسي. 

صداقة مع الإمبراطور الإثيوبي

يعتبر فرج موسى أن أهم مرحلة في حياة والده الدبلوماسية، كانت تلك التي قضاها سفيرا لمصر في إثيوبيا" أولا، نظرا لأهمية هذا البلد بالنسبة لملف مياه النيل الحيوية لمصر، ولذلك كان لزاما ربط علاقات جيدة مع هذا البلد. وثانيا، للعلاقة الوثيقة التي كانت تربط الكنسية القبطية المصرية بغالبية سكان هذا البلد الذين كانوا يتبعون للكنيسة الأرثدوكسية".

وقد يكتشف القارئ في هذا الكتاب، العديد من التفاصيل عن علاقة الكنسية القبطية بنظام الإمبراطور الإثيوبي، نظرا لكون التقليد المتبع كان يفرض تعيين مطران مصري على رأس الكنسية الإثيوبية. كما يورد مؤلف الكتاب العديد من التفاصيل عن مراحل هامة عايشها والده، مثل مرحلة تنصيب هايلا سيلاسي كإمبراطور للحبشة أو أول زيارة لولي العهد الإثيوبي لمصر في عام 1931. وسواء في علاقة مصر بالكنسية الإثيوبية او بالإمبراطور، يستعرض الكتاب بعض التدخلات التي كان يقوم بها القنصل العام المصري فرج ميخائيل موسى.

فرج موسى


فرج موسى، مؤلف كتاب "مصري ودبلوماسي" من مواليد عام 1929 حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية.

وكوالده (موضوع الكتاب)، اشتغل في السلك الدبلوماسي المصري ما بين عامي 1951 و 1957

ثم التحق بجامعة الدول العربية للفترة ما بين 1958 و 1969 لكي يتولى مهام مسؤول عن الاعلام والاتصال.

قضى 20 عاما في خدمة المنظمة العالمية للملكية الفكرية التي مقرها في جنيف كمسؤول عن علاقات المنظمة الخارجية وعلاقتها بمنظمة الأمم المتحدة.

ونظرا لرعايته واهتمامه بنشاطات المخترعين في العالم، وبالأخص بتعزيز اكبر مهرجان دولي مخصص للمخترعين في العالم، الذي تحتضنه مدينة جنيف سنويا، تم تعيينه رئيسا للفدرالية الدولية لجمعيات المخترعينرابط خارجي منذ عام 1990.

للدكتور فرج موسى عدة مؤلفات، نذكر منها سلسلة من الكتب عن الدبلوماسية وسلسلة عن النساء المخترعات.

آخر ما نشره، كتاب "مصري ودبلوماسي"، الذي يسرد فيه سيرة ونشاط والده فرج ميخائيل موسى. الكتاب صدر باللغة الفرنسية عن دار النشر "ريف نوفرابط خارجي" الباريسية، وقد يصدر فيما بعد باللغة العربية. 

نهاية الإطار التوضيحي

وتنبع هذه الأهمية في نظر فرج موسى في كون تلك المرحلة من عمل والده في إثيوبيا تزامنت مع بداية بوادر الحرب العالمية الثانية، إذ أن إثيوبيا كانت أول بلد يتعرض لهجوم في الحروب التي مهدت للحرب العالمية الثانية".

ولم تقتصر تلك العلاقة على المصالح الدبلوماسية والسياسية بين البلدين، بل تعدتها لحد ربط علاقات وثيقة مع أفراد العائلة الحاكمة في أديس أبابا، إذ يقول فرج موسى: "لحد أن زوجة الإمبراطور اختارت أن تكون عرّابة شقيقتي".

المرحلة الهامة الثانية في الحياة الدبلوماسية لوالد فرج موسى، كانت توليه منصب ممثل مصر لدى إسبانيا أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، التي تحولت إلى حرب دولية بسب تدخل كل من ألمانيا وإيطاليا من جهة، والاتحاد السوفييتي ومقاتلين أجانب من جهة أخرى. ومن التفاصيل التي يوردها الكتاب عن هذه الحقبة، كيفية تطور مواقف الدول الغربية للاعتراف بنظام فرانكو بدل النظام الجمهوري الذي كانت سفاراتها معتمدة لديه، واضطرار مصر مسايرة الركب في ذلك. 

قيود دبلوماسية تحت الاحتلال 

من خلال حديثه عن المسار المهني لوالده كدبلوماسي، يقوم صاحب الكتاب أيضا بتوثيق بداية نشاط دبلوماسي لدولة ما زالت تحت الاحتلال البريطاني. ويقول: "لم تكن بريطانيا تسمح بتمثيل دبلوماسي مستقل، ولكنها كانت تسمح بالدفاع عن المصالح المصرية، إذا كانت تلك المصالح متطابقة مع المصالح البريطانية، كالدفاع عن مياه النيل مثلا، لما لذلك من أهمية بالنسبة لصناعاتها في مجال النسيج في كل من مصر والسودان".

لكن عندما حاول فرج ميخائيل موسى الذهاب إلى أبعد من ذلك لما كان سفيرا في إسبانيا، بالعمل على التوصل الى اعتراف  مصر بنظام فرانكو وتوصله الى شبه اتفاق بهذا الخصوص، اضطرت الحكومة المصرية قبل أسبوعين من ترسيم الموضوع واعتزام كل من باريس ولندن الاعتراف بنظام فرانكو، لنقل ملف الاعتراف للسفارة المصرية في لندن لكي تعالجه في تنسيق وثيق مع الحكومة البريطانية، وهو ما يرى فيه فرج موسى "دليلا على أن الدبلوماسية المصرية لم تكن مستقلة، بل كان لزاما عليها الالتزام بمراعاة المصالح البريطانية بالدرجة الأولى".

ومن الخطوات التي رافقها فرج ميخائيل موسى كدبلوماسي، انضمام مصر الى عصبة الأمم في عام 1937، إذ يقول ابنه في هذا الكتاب: "لقد كان موضوع انضمام مصر لعصبة الأمم (سلف منظمة الأمم المتحدةرابط خارجي الحالية)، موضوع أطروحة والدي للتخرج في تخصص القانون". لكن فرج موسى يأسف لكون هذا الانضمام المصري إلى عصبة الأمم أتى متأخرا جدا" بسبب معارضة بريطانيا، لأنه كان في مقدور مصر أن تنضم مثل إثيوبيا منذ عام 1923، ولكن ذلك لم يحدث إلا في عام 1937، أي لما بدأت عصبة الأمم في التقهقر كمحفل أممي يعمل من أجل السلم والاستقرار في العالم".

قلة الاهتمام بأبحاث الأرشيف

فرج موسى الذي بدأ أبحاثه من أجل كتابة مقالين صحفيين عن والده، وجد نفسه، بعد تنقيبه في أرشيف عدة مؤسسات ودول، مضطرا لتأليف كتاب يعد أزيد من 200 صفحة عن الفترة التي عمل فيها والده كممثل دبلوماسي لمصر. 

وما يأسف له، هو قلة الاهتمام في مصر بكتابة التاريخ انطلاقا من مراجعة الأرشيف، لأن الغالبية كما يقول، تعتمد على المذكرات "والمذكرات ليست موضوعية ". ويضيف فرج موسى: "أثناء ترددي على مكتبات الأرشيف، لم اصادف مصريا يقوم بأبحاث. و لربما أكون أول مصري يطلب الاطلاع على أرشيف الخارجية. كما أن اطلاعي على أرشيف الخارجية الإيطالية، سمح لي بالتعرف على عدة وثائق تخص والدي وأخرى تهتم بأحداث المنطقة. وإذا كان الكتاب بصيغته الحالية موجها لجمهور ناطق بالفرنسية، فإنه عند ترجمته الى اللغة العربية، وبعد تنقيح لجعله مسايرا لتطلعات الجمهور العربي، قد يشجع على الاهتمام أكثر بدراسة الأرشيف والاستفادة منه.

ومن اطلع عليه من المصريين العارفين باللغة الفرنسية، وجدوا أنه يقدم معلومات عن حقبة لا نعرف عنها الكثير، وحقبة تبدو في نظر البعض مثالية بتسامحها وتعايش مختلف الطوائف فيها لحد احتضان الوفد الرسمي لتمثيل مصر في عصبة الأمم لممثلين أقباط ومسلمين، بالإضافة إلى عضو يهودي، وهو ما لا يمكن تصوره اليوم على الإطلاق".

swissinfo.ch

×