Navigation

"نريد استقلالا ذاتيا"

شهدت مطالب بعض الحركات الأمازيغية نقلة نوعية ستؤدي لامحالة إلى تعقيد الصورة في الجزائر Keystone

تطورت مطالب القبائل في الجزائر من مجرد الرغبة في اعتماد اللغة البربرية لغة رسمية في البلاد، إلى المطالبة باستقلال ذاتي، يهدد الوحدة الوطنية في الصميم، وفي وقت تشهد فيه الساحة السياسية الجزائرية، صراعا مريرا بين المؤسسة العسكرية و الرئاسة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 سبتمبر 2001 - 13:59 يوليو,

"نريد استقلالا ذاتيا، و شرطة خاصة بنا، و نريد من السلطات المركزية في العاصمة، أن تسحب كل قوات الشرطة و الدرك و الجيش من بلاد القبائل."

بهذه العبارات الخطيرة، أعلن فرحات مهني، أحد الوجوه اليسارية البارزة في بلاد القبائل، عن مطالب القبائل العروشية، أي زعماء القرى و المدن، في حادثة تمثل ثاني مطلب انفصالي في الجزائر، إذ سبق و أن طالب سكان ولاية تبسة قرب الحدود التونسية، بالانضمام رأسا إلى تونس بعد تدهور أوضاعهم الاجتماعية خلال الستينات، في بداية عهد الرئيس الراحل هواري بومدين .

و مع أن سكان ولاية تبسة قد تخلوا عن مطلبهم الانفصالي، إلا أن القبائل، طوروا
مفهوما انفصاليا، لا يرتكز على المطالب الاجتماعية و الاقتصادية، بل تطور من مجرد رغبة في تأكيد التنوع الثقافي، إلى مرحلة خطيرة من التعبير عن المفاصلة
الثقافية و العرقية على حد سواء.

"فرق تسد"

يرجع ذلك حسب أغلبية المراقبين، إلى فشل السلطة منذ الثمانينات في التعامل مع مطالب البربر الشرعية، التي لم تنفها أية سلطة حكمت الجزائر منذ الفتح الإسلامي
و يُشُبه البعض سلوك سلطة ما بعد استقلال الجزائر، بسلوك المحتلين الرومان أو الوندال، الذين ركزوا على سياسة: فرق تسد في تعاملهم مع القبائل، سكان الجزائر الأصليين.

و في بداية الثمانينات، خرج القبائل غاضبين في شوارع قراهم ومدنهم، للمطالبة بالاعتراف بالتعددية الثقافية، و بلغتهم إلى جانب اللغة العربية، إلا أنهم قُمعوا، و حلقت طائرات الميغ المقاتلة فوق رؤوسهم، ما أدى إلى ظهور حركات متطرفة، انشقت عن الزعامة التقليدية لحسين آيت أحمد قائد جبهة القوى الاشتراكية، و تشكل ما يعرف اليوم، بالتجمع من أجل الثقافة و الديموقراطية لزعيمه الدكتور سعيد سعدي، و كان من بين أعضاء الحزب في بداية الثمانينات، نفس فرحات مهني الذي يُطالب اليوم باستقلال ذاتي.

و لم يستغرب المراقبون، موافقة سعيد سعدي لمطالب فرحات مهني، إذ أكد سعدي
في موقف أغضب الرئاسة الجزائرية، أن من بين الحلول للأزمة الحالية في بلاد القبائل، هو الاستقلال الذاتي.

كما حمل المراقبون أجهزة المخابرات الجزائرية في الثمانينات مسؤولية ما يجري اليوم، عندما كانت المخابرات تستعمل غضب القبائل، لـتأجيج كراهية باقي الجزائريين ضدهم، ما أدى إلى سهولة عودة الكثير من القبائل إلى أحضان دعاة التغريب و الاستعمار، و إلى تكتل القبائل في المؤسسات الحكومية و العمومية و الخاصة، و النتيجة واضحة كل الوضوح، إذ يسيطر القبائل على أكثر من ثمانين بالمائة من المؤسسات المالية و المصرفية، و يُسيطرون على مؤسسة سوناطراك، للبترول و الغاز، أول مصدر للعملة الصعبة في البلاد.

ولا يكمن الخطر في سيطرة القبائل على هذه المؤسسات، لأنهم وصلوا إلى قيادتها
بجهودهم، و لكن في استعمال الكثير من أصحاب المصالح لهذه الورقة الخطيرة، و الضحايا هم اثنان لا ثالث لهما: الوحدة الوطنية للبلاد، و القبائل أنفسهم.

شكوك وتساؤلات

إذ أن مشاركة الكثير من القبائل في الحكومة و البرلمان عبر حزبي التجمع من أجل الثقافة و الديموقراطية، و جبهة القوى الاشتراكية، دخل في إطار حسابات معقدة منذ الربيع البربري عام ثمانين، أصبح بموجبه القبائل، رمزا من رموز الدفاع عن علمنة الجزائر، و إبعادها عن هويتها، و هذا في حد ذاته أمر في غاية الخطورة، لأنه يضع القبائل في خانة المتهم في حالة تفكك التحالفات السرية و العلنية التي
يرتكز عليها بعض قيادييهم، بسبب طبيعة النظام الجزائري المبني على تعدد الأجهزة الحاكمة.

و للمرة الأولى منذ استقلال البلاد عام 62 ، وصل إلى أعلى هرم السلطة رجل قبائلي، عظيم النفوذ و القوة، ممثلا في وزير العدل ورئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحي، الذي يُتقن عملية إثبات الولاء للسلطة المركزية، و في نفس الوقت إظهار تعاطفه مع مطالب القبائل.

أما في الوقت الراهن، فالريبة و الشك، هم الميزتان الرئيسيتان، لكيفية تحليل مطالب فرحات مهني الانفصالية، فهناك من يراه معبرا عن رغبة جهات معينة تريد
إسقاط الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، عبر إحراجه بمطالب خطيرة، و بعد انسحاب بوتفليقة، يتقاضى فرحات مهني و من يُشبهه أجورهم كاملة غير منقوصة.

و هناك تحليل متشائم، و يقضي باحتمال تحرك مهني من تلقاء نفسه، ومن وحي قناعته الخاصة، و هنا يكمن الخطر، لأن سقوط بوتفليقة أو بقاءه في السلطة لا يعنيان شيئا، و الوحدة الوطنية مهددة في الصميم.

لتصبح احتمالات المستقبل أربعة: أولها التفاهم مع القبائل بهدوء و حكمة، و ثانيها قمعهم بشدة و إسكاتهم بقوة السلاح، و ثالثها تدخل أجنبي يُحطم وحدة البلاد، أما رابعها فهو ما يتمناه أعداء القبائل من التيارات الوطنية و الإسلامية: نكبة تشبه نكبة البرامكة، تُقلم أظافر البربر المتنفذين و المهددين لوحدة البلاد، و لا تستأصل شافة جزائريين، قدموا أيام الاستعمار و بعد الاستقلال، أكبر عدد من الضحايا، و خرج من صلبهم ما لا يحصى من الأبطال.

هيثم رباني/ الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.