عندما تحول الرقص إلى "سلاح سياسي" في دول الربيع العربي

تلاميذ تونسيون يقومون برقصة "هارلم شايك" أمام وزارة التربية في العاصمة التونسية يوم 1 مارس 2013 Keystone

"معهد الإمام مسلم" هو أحد أبرز معاهد التعليم الثانوي بتونس العاصمة، لكنه تحول فجأة إلى نقطة انطلاق لموجة عارمة اكتسحت معظم المعاهد والجامعات، وحتى الإذاعات والقنوات التلفزيونية شارك فيها عشرات الآلاف من راقصي وراقصات "الهارلم شايك". حدث هذا ليس حبا في هذه الرقصة الواردة من بعيد، وإنما احتجاجا على السلطة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 مارس 2013 - 08:41 يوليو,
صلاح الدين الجورشي - تونس, swissinfo.ch

فكيف تحولت تعبيرة موسيقية إلى جزء من صراع سياسي يُرهق التونسيين منذ أن شرعوا في البحث عن أقصر طريق للوصول إلى نظام ديمقراطي وعادل؟

بدأت القصة، عندما نشر في إحدى المواقع شريط يصور بعض تلاميذ المعهد وهم يرقصون على إيقاع "الهارلم"، وقد تنكر بعضهم في أزياء خليجية، وآخرون خلعوا ثيابهم، وأبقوا فقط على ملابسهم الداخلية. عندها اتصل بعض الأولياء بوزير التربية، الذي رأى في ذلك مسا بحرمة المعهد، وتعهد بإجراء تحقيق، ومعاقبة التلاميذ. وما أن تدخل بشكل رسمي في الأمر، حتى بدأ الحدث يتخذ مسارا غير متوقع.

ما حدث في تونس تكررت مظاهر شبيهة له في بعض الدول العربية، من بينها السعودية ومصر ولبنان. لقد تحول الرقص إلى سلاح سياسي وايديولوجي في بعض دول الربيع العربي. ففي القاهرة، اتخذت مجموعات من شباب الفايسبوك الرقصة لتجعل منها أداة استفزازية موجهة إلى الإخوان المسلمين، وذلك من خلال تأديتها بشكل جماعي أمام المقر المركزي للجماعة احتجاجا على ما اعتبروه محاولة من الإخوان للسيطرة على الفضاء العام.

احتقان.. وتوظيف

في أجواء الاحتقان التي تعيشها تونس، كل شيء أصبح قابلا أن يوظف في جميع الإتجاهات. لقد وجد الوزير نفسه "مورطا"، ليس فقط مع عدد قليل من التلاميذ الذين رقصوا في ساحة تلك المدرسة المغلقة مساء يوم عطلة، وإنما أيضا في مواجهة مع جزء واسع من الطبقة السياسية والنخبة المثقفة التي انتقدته واتهمت الحكومة بمحاولة منع الشباب من ممارسة حقه في التعبير عن ذاته مطلق الحرية. لقد أراد أن يقوم بدوره كوزير يعتقد بأن للفضاء المدرسي لا يسمح بأي شكل من أشكال التسيب الأخلاقي، ونسي أنه في مرحلة استثنائية تمر بها البلاد، تتصف بالتأزم واهتزاز ثوابت المرحلة السابقة.

أصبحت "هارلم شايك" في تونس أقرب إلى "رقصة التحدي".. تحدي الإدارة داخل المعاهد، وعندما يتم منعهم يمارسها التلاميذ في الشوارع وأمام المؤسسات العمومية وحتى أمام وزارة الداخلية. وعندما تتدخل الشرطة يختلط الرقص بالقنابل المسيلة للدموع، ويُقذف رجال الشرطة بالحجارة، وتصبح بعض الأماكن العامة أشبه بـ "الملحمة المقدســــة".

وهنا يعتقد بعض الشباب السلفي المتحمس أن ساعة الجهاد قد دقت، وأن "الغزو الصليبي" قد أصبح يهدد قلاع الإسلام، فقام بعضهم باقتحام عدد من المدارس، وهجموا على تجمعات شبابية راقصة، في محاولة منهم للنهي باليد عما اعتبروه "منكرا". وعندما فشل أحدهم في منع التحدي، قرر أن يقوم بهجوم مضاد، فخطب في الجموع، مرددا ما قاله الحجاج بن يوسف الثقفي "إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها". 

تحليل الظاهرة

فجأة رُفع الغطاء عن واقع شديد التعقيد. شباب تلمذي وطلابي يشعر بالإحباط تجاه نخبة يعتقد بأنها سرقت منه الثورة، وأزاحته من أولوياتها، وحالت دونه والمشاركة في إدارة الشأن العام، بعد أن مهّد لها الطريق لتحكم عندما كان أول من شق عصا الطاعة في وجه المستبد بن علي. شباب كانت نسبته ضعيفة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، ومؤشرات عديدة توحي بأن مشاركته في الإنتخابات القادمة قد تكون أقل.

مراهقون أصبحوا يفتقرون لآذان تسمعهم، ولعقول تحاورهم، ولمؤسسات تساعدهم وتأخذ بأيديهم، وتشرح لهم ما الذي يجري في بلادهم وتُشركهم في صناعة القرار. أولياؤهم داخل البيوت أصبحوا في الغالب مشغولين بهموم السياسة، لا يجدون الفرصة للحوار معهم. أما أساتذتهم، فقليل منهم من يخصص لهم جزء بسيطا من الوقت لينقل إليهم فكرة جديدة أو لينمي لديهم الأمل في المستقبل والثقة في الذات. لقد أصبحوا شبابا على هامش الثورة، بدل أن يكونوا في قلب الثورة، بل إن ثلاثين بالمائة من أبناء المدارس التونسية يتعاطون المخدرات الخفيفة، حسبما أثبتته دراسة ميدانية أعدها المرصد الوطني للشباب.

يعتقد عالم الإجتماع عبد الوهاب حفيظ أن السياق الذي تتنزل فيه رقصة "هارلم شايك" يختلف بين تونس ومصر التي ارتبطت الظاهرة فيها بجماعات تمارس العنف. في حين أنها تأثرت في تونس بظاهرة التسيس المفرط. هو يعتقد بأن كل شيء في المجتمع التونسي أصبح مُسيسا: الرياضة والثقافة وحتى الرقص. ولعله في ذلك يشير إلى الرسالة التي وجهها مؤخرا رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم إلى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، يشكو فيها وزير الشباب والرياضة طارق ذياب، ويطلب من الشيخ التدخل في هذا الشأن!.

حفيظ تحدث أيضا عما وصفه بـ "إمبريالية السياسة" التي طغت على جميع المجالات، مما ولّـد "حساسية مفرطة من كل شيء.. فالصورة تُضخّم والسياسة تُوظّف، وهكذا تنزلت الرقصة في سياق رافض للحكومة والسلطة". كما لاحظ أن هذه الظاهرة "لم تبرز في أماكن ريفية بعيدة عن المدن الرئيسية، وإنما خرجت من وسطها الإجتماعي المرتبط أكثر من غيره بالعالم الخارجي".

عبد الوهاب حفيظ، عالم إجتماع تونسي

لم تبرز الظاهرة في أماكن ريفية بعيدة عن المُدن الرئيسية وإنما خرجت من وسطها الإجتماعي المرتبط أكثر من غيره بالعالم الخارجي

توتر نفسي.. وتعبيرات جسدية

هناك حالة احتقان شديدة في تونس، إلى جانب وجود نسبة عالية من التوتر النفسي. هذا ما تحدث عنه عديد المختصين في علم النفس أو الطب النفسي. وهو ما يدل عليه تضاعف أعداد المصابين باضطرابات نفسية الذين يعالجون حاليا سواء بالمستشفيات العمومية أو بالعيادات الخاصة.

من المعلوم أن للثورات ضحايا، ومن بينهم ذوي النفوس المضطربة، الذين لم يتحملوا تداعيات الزلزال الذي أصاب البلاد بعد الثورة. بل يقول البعض بأنهم لم يتمكنوا حتى الآن من التعبير عن فرحتهم، نتيجة تلاحق الأحداث المؤلمة واختلاط الأوراق والمفاهيم.

وفي لقطة مُعبّرة، جلس مؤخرا شاب أمام المسرح البلدي في قلب العاصمة التونسية، وأخذ يضرب على نوع من آلة موسيقية إيقاعية شعبية تسمى "دربوكة"، ودون سابق إنذار، تفاعل عدد من المارة رجالا ونساء مع النغمات، يصفقون ويرقصون، قبل أن يواصلوا طريقهم للبحث عن استعادة توازنهم الداخلي.

نعم، لقد تحول التعبير الجسدي إلى سلاح لافت، وهناك حديث هذه الأيام في تونس عن أشخاص يُدرّبون مجموعات من الشباب على أنواع من الرقص، وذلك اعتقادا منهم - حسبما يبدو - بأن الرقص يمكن أن يمثل "شكلا فاعلا من أشكال المقاومة المدنية والصمود الثقافي والسياسي".

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة