Navigation

 ويظل الانسان .. "أبعد من الحدود"

فيلم ما وراء الحدود ليس كوميديا كما توحي بذلك الصورة.. انها مأساة انسانية تجسد المعاناة التي تخلفها الحروب swissinfo.ch

قد يتحول شريط "أبعد من الحدود" للمخرج السويسري رولاندو كولاّ إلى علامة فارقة في تاريخ السينما السويسرية..

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 أغسطس 2002 - 18:12 يوليو,

لم يكن جمهور النقاد والإعلاميين الذين تحولوا لمشاهدة اول عرض للشريط الثاني لرولاندو كولاّ متخيلا للصدمة والرجة التي سينجح هذا المخرج الشاب في إحداثها لديهم.

صحيح أن هذا المخرج، الذي ولد في مدينة شافهاوزن عام 1957، عُرف منذ شريطه الروائي الأول عام 1994 بمعاداته لليمين المتطرف الرافض للأجانب وبتعاطفه مع قضايا اللاجئين، لكن اختياره معالجة الدمار الإنساني الناجم عن الحرب في شريطه الجديد، أقام الدليل على أنه سينتمي قريبا إلى فصيل "الكبار".

تبدو قصة شريط "ما وراء الحدود" (Oltre il Confine) مكررة أو عادية جدا. شيخ يحتضر في مأوى مخصص لقدماء المحاربين في روما .. وطبيب يقضي الخدمة العسكرية في مصحة المأوى ويستضيف في بيته لاجئا بوسنيا وابنته الكبرى الهاربين من أتون الحرب في يوغوسلافيا .. ابنة المحارب السابق في روسيا مهندسة معمارية، تحاول التوفيق بين عملها وخليلها ولحظات معدودة لزيارة أب يبدو فاقدا لمداركه العقلية..

لكن هذا الإطار "شبه العادي" تحول من خلال لقاء إنساني غير متوقع بين رؤوف – الهارب من جحيم الحرب القريبة في البوسنة – وبين جندي الحرب العالمية الثانية القديم استمر بضع ساعات فحسب من ليلة صافية إلى مغامرة قلبت حياة المهندسة (الممثلة الإيطالية أنا غاليانا) رأسا على عقب.

 حماقات... حماقات

فمن خلال مسارين متوازيين للذاكرة ينطلقان فور وفاة المحارب القديم، قام المخرج بعملية ربط ذكية بين المآسي الإنسانية الناجمة عن آخر حربين شهدتهما القارة الأوروبية، ليقيم الدليل بكثير من الذكاء واللباقة والحرفية على أن "كل هذا ليس إلا مجرد حماقات" مثل ما جاء على لسان أحد أبطال الشريط.

فالأب البوسني فقد أي طعم للحياة بعد أن اختطف مقاتلون كرواتيون زوجته في بداية الحرب وحملوها إلى وجهة مجهولة لم تعد منها ولا زال يعيش على أمل وحيد: استقدام طفلته الصغيرة التي لا زالت تعالج في مستشفى للمعاقين في البوسنة ولمّ شمل العائلة في إيطاليا أو سويسرا حيث يقيم بعض أقاربه...

أما البنت-المهندسة فقد وجدت نفسها – بدون سابق إنذار – شريكة كاملة لهموم رؤوف الذي "كان آخر شخص قدم عونا لوالدي "مثلما رددت أكثر من مرة في سياق الشريط". فوالدها الذي فقد مداركه العقلية من هول ما رأى على الجبهة الروسية في منتصف الأربعينات، أُودع منذ عام 1948 في مأوى المجانين وانقطعت اتصالاته مع عائلته ومع ابنته التي لم ينسها أبدا لعشرات السنين.

ومع مرور الدقائق تتعقد حبكة أحداث الشريط لتتحول بفضل كاميرا تعرف كيف تكون خجولة ومتى تتحول إلى مرآة لتعرية الحقائق، إلى هدير لا يتوقف من المشاعر الإنسانية المدوية والمزلزلة.

فالطبيب الذي يقضي فترة الخدمة العسكرية، يقوم بكل شيء من أجل الحصول على تأشيرة لاستقدام ابنة رؤوف الصغيرة إلى إيطاليا ويحاول تخفيف المعاناة الهائلة التي تعيشها الأخت الكبرى .. والمهندسة المعمارية لا تلقي بالا لاعتراضات عشيقها وتترك في لحظة صدق نادرة كل حياتها الرتيبة والمرفهة في روما متوجهة إلى سبليت الكرواتية لاستصحاب البنت..

 كسر الحواجز... كل الحواجز!

من خلال هذه المسارات المتعرجة والمتداخلة ينجح رولاندو كوللاّ في تكسير الحواجز التي يقيمها الناس العاديون في سويسرا والغرب عموما بينهم وبين صنف من البشر – يزداد تعداده يوما بعد يوم - تضطرهم الحروب والمجاعات والمآسي بمختلف أنواعها إلى مغادرة بيوتهم وأهاليهم..

بل يتمكن من خلال المزج المتوازن بين معاناة عميقة لسيدة إيطالية خسرت والدها بسبب الحرب العالمية الثانية ومأساة لاجئ بوسني ممزق من تنبيه المشاهد الأوروبي – الذي يبدو أنه يفقد ذاكرته بسرعة عجيبة – إلى أن الحرب – أي حرب – تظل أسوأ الكوارث وإلى أن الكارثة التي مرت بها بلدان أوروبا منذ نصف قرن ونيف لا زالت قائمة في أماكن عديدة من العالم بل وفي منطقة البلقان المجاورة..

وعلى الرغم من أن المخرج آغتنم الفرصة للإحتجاج بشدة في لقطات مزعجة على التعامل "السياسوي" و"البيروقراطي البارد" في سويسرا مع مآسي اللاجئين، إلا أنه لم ينزلق إلى السهولة الشعاراتية في معالجة موضوع من أشد المواضيع إثارة للجدل في سويسرا وإيطاليا.

جاء الشريط ثريا بالصور الحية عن البيوت المهدمة والمحروقة في البوسنة وباللقطات الواقعية والعنيفة جدا عن ممارسات التصفية العرقية والتعذيب والتنكيل.. كما أدى اعتماد المخرج على الكاميرا المحمولة لتصوير أشخاص عاديين وممثلين مجهولين عاشوا ويلات الحرب في البوسنة والهرسك إلى منح الشريط صبغة توثيقية إضافية "حتى لا ينسى أحد" مثلما يشرح المخرج الشاب.

أخيرا، ليس هذا أول شريط سويسري أو إيطالي عن الحرب وويلاتها وآثارها النفسية والبدنية المدمرة، لكنه يأتي في الوقت المناسب. فعندما تدق طبول الحرب في واشنطن يوميا ضد بلدان تُـتّـهم من طرف الإدارة الأمريكية برعاية وتشجيع الإرهاب، يأتي هذا الشريط ليذكر بعنف وقسوة ضروريتين بأن الحرب مأساة رهيبة تستمر لأجيال عديدة وبأنها دمار وخراب لا يمكن أن يسلم منه أحد!

فالحرب كارثة شاملة وكونية بامتياز. هكذا تكلم مخرج سويسري واعد!

كمال الضيف - لوكارنو

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.