تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

  باول: "فشل ذريع" و "فراغ استراتيجي"

جولة كولن باول لم تحقق اهدافها وقد يؤدي فشلها الى المزيد من التصعيد في المناطق الفلسطينية وفي الشارع العربي

(Keystone)

"كولن باول دخل الى الشرق الاوسط لملء فراغ استراتيجي خطير خلقه الغزو الاسرائيلي للضفة الغربية، وخرج فاشلا تاركا وراءه فراغا استراتيجيا أخطر".

هذه قد تكون الحصيلة الفعلية لجولة وزير الخارجية الامريكي باول في المنطقة التي استمرت عشرة أيام، قام خلالها هذا الاخير بجولات مكوكية متواصلة، شملت اضافة الى رام الله المحتلة وتل ابيب، بيروت ودمشق والقاهرة. وهي، على أي حال، حصيلة يتفق عليها "سرا" العرب والفلسطينيون، برغم اختلافهم "العلني" على توصيفها.

فالاسرائيليون في بيانات قادتهم وتحليلات صحفهم، يشددون على ان مهمة باول حققت نجاحات واضحة. فهي اوقفت التدهور على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية، وحصلت على "وعد" من ارئيل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي في تنفيذ الانسحابات "خلال اسبوع". كما انها حفزت هذا الاخير على التقدم بأول اقتراح سياسي له لحل الازمة: مؤتمر اقليمي يضم اسرائيل والدول العربية "المعتدلة" (مصر والسعودية والاردن وربما المغرب والفلسطييين، عدا الرئيس عرفات).

أما العرب، وبرغم حرص وزيري خارجية مصر والاردن على "تلميع" بعض جوانب مهمة باول، الا انهم بالاجمال دمغوا المهمة بشمع الفشل الاحمر، وأبرزوا الحقيقة بان الوزير الامريكي لم يبذل اي جهد لتنفيذ مطالب رئيسه بوش من شارون بالانسحاب "الان وفورا" من مدن الضفة وقراها.

فقد عمد الرئيس المصري مبارك فجاة الى إلغاء اجتماع مقرر مع الوزير الامريكي، احتجاجا على فشل واشنطن في ردع شارون وحمله على الانسحاب، هذا بالرغم ان باول حاول نزع فتيل هذه الازمة الدبلوماسية الصغيرة بالقول، ان الرئيس المصري لم يجتمع به لأنه "كان متوعكا".

وفي الوقت ذاته، كان مسؤولون فلسطينيون وسوريون يعلنون ان نتائج محادثات باول كانت "كارثية" (على حد تعبير وزير الأعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه). فهي بدلا من تحقيق الانسحابات ووقف اطلاق النار واطلاق العملية السلمية، أطلقت يد شارون مجددا ضد الشعب الفلسطيني. ولعل اوضح تعبير عن خيبة الامل العربية مما اسماه المراقبون في بيروت "الاداء الضعيف والهزيل" للدبلوماسية الامريكية، تّمثل في التناقضات التي وقع فيها رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

فعشية وصول باول الى المنطقة، كان الحريري يشبّه بوش بالرئيس الامريكي الاسبق دوايت أيزنهاور الذي أجبر اسرائيل على الانسحاب من سيناء عام 1956. لكنه وبعد انتهاء مهمة باول الى ما انتهت اليه، وجد نفسه يعلن في الولايات المتحدة (حيث يقوم الان بزيارة رسمية) أنه "يتعيّن على الولايات المتحدة بذل "نشاط" أكبر في الشرق الاوسط ( ... ).لقد غابت صورة ايزنهاور، وتركإأطار الصورة فارغا من أية شخصية بديلة.

الفراغ والعنف

كما اسلفنا، هذه الاختلافات العربية - الاسرائيلية حول تقييم نتائج جولة باول، لا تلغي الاتفاق بين الطرفين على مسألة "الفراغ الاستراتيجي".

ويرى محللون أن مغادرة الوزير الامريكي للمنطقة من دون وقف اطلاق النار، سيعني ببساطة عودة اندلاع النار، وربما بشكل أوسع هذه المرة. والحريق الاتي قد يشمل بشكل حتمي "الجبهة الثانية" على الحدود اللبنانية – السورية- الاسرائيلية، على الاقل في مزارع شبعا أسفل جبل الشيخ المحتل.

والتوقعات في الجانب العربي هي في استئناف العمليات، خاصة الاستشهادية منها، ليس فقط في الاراضي المحتلة والداخل الاسرائيلي، بل ربما ايضا في مناطق اخرى من العالم ضد كل من المصالح الاسرائيلية والامريكية. كما يتوقع ان يستأنف "الشارع العربي" ضغوطه على الانظمة العربية، لنقل مساندتها للشعب الفلسطيني من ملكوت اللغو الى مملكة الفعل.

وكما هو معروف، شكّل تحّرك "الشارع" خلال الأسابيع الماضية، احد الحوافز الرئيسة التي دفعت بوش الى التخلي عن سياسة "الايدي المرفوعة" في فلسطين، خوفا على استقرار الانظمة العربية "المعتدلة"، ومعها استقرار المصالح النفطية والاقتصادية والسياسية الامريكية.

اما في اسرائيل، فالتخبط حول "اليوم الذي سيلي" مهمة باول وحول كيفية ملء الفراغ، يبدو واضحا. ويقول هنا المحلل الاسرائيلي ألوف بن، ان هناك الان ثلاثة توجهات في اسرائيل: الاول (يدعمه اليمين المتطرف) الذي يدعو الى اعادة احتلال الاراضي الفلسطينية، والثاني (يؤيده اليسار) يفضل فرض تسوية خارجية على الاسرائيليين والفلسطينيين بمساعدة قوات دولية. اما الثالث (الذي يميل اليه شارون) فهو يستند الى مواصلة الحرب، والعمل في الوقت ذاته على خلق قيادات فلسطينية بديلة، مع مواصلة اطلاق بالونات "العلاقات العامة" الاعلامية – الدبلوماسية في الساحة الدولية.

لكن، ومهما كانت الصيغة التي سيرسي عليها اجماع النخبة الاسرائيلية الحاكمة، الا انه من الواضح ان ايا منها لا يتصور امكانية استئناف مسيرة السلام كما بدأت في مدريد (1991) واوسلو (1994).

المؤتمر الاقليمي

لقد لخصّت صحيفة "هآرتس" يوم الخميس هذا الموقف بقولها: "حين لا يبذل جهد لإنقاذ الدولة الاسرائيلية من واحدة من أسوأ ازماتها في التاريخ، فان ثمن الانجازات الامنية على المدى القصير، سيكون خسارة الامل السياسي على المدى الطويل".

وهذا تحديد دقيق في الواقع لمضاعفات الازمة الراهنة، ليس فقط على اسرائيل، بل ايضا على الولايات المتحدة نفسها. ولكن مع فارق بارز، الخسائر السياسية الامريكية في الشرق الاوسط ستكون على المديين القصير والطويل معا.

إذ بغض النظر عن الدوافع التي حدت بالرئيس بوش الى لحس "تهديداته الايزنهاورية" لشارون (والتي قيل انها تتعلق بالخوف من الضغوطات اليهودية مع اقتراب الانتخابات الفرعية للكونغرس)، الا ان خطابه يوم الاربعاء، الذي نقل فيه الضغط مجددا نحو حلفائه المصريين والسعوديين لحملهم على ادانة العمليات الانتحارية، قد ادى الى وقوع كل البيض الامريكي مجددا في السلة الشارونية.
وهنا، كما يقول المرقبون السياسيون في بيروت، لن يكون الحديث عن المؤتمر الاقليمي الذي اقترحه شارون وأيدّه باول (وفي البداية ايضا وزير خارجية مصر قبل ان يسحب هذا التأييد لاحقا)، سوى وضع المزيد من البيض الامريكي في السلة الاسرائيلية. لماذا؟ لان شارون اشترط أن يعمل هذا المؤتمر فقط لتحقيق "تسوية مؤقتة طويلة الامد"، والا يعقد على اساس الانسحاب الكامل الى حدود 1967، وان يضم فحسب الاطراف العربية والفلسطينية التي توافق عليها اسرائيل.

وبرغم أن باول حاول تجاوز العقدة العرفاتية التي وضعها شارون، عبر الحديث عن مؤتمر على مستوى وزاري، الا أنه كان واضحا ان مجرد موافقة واشنطن على الاقتراح الاسرائيلي برغم معرفتها بان شارون لا يريد تسوية نهائية او حقيقية، يدل برأي هؤلاء المراقبين على مدى تطابق التوجهات الامريكية – الاسرائيلية في هذه المرحلة، في اطار الحرب العالمية الراهنة ضد ما يسمى ب "الارهاب".

وهذا التطابق كان على الارجح، القابلة القانونية التي ولد على يدها فشل مهمة باول الشرق أوسطية، والتي سيترعرع في حضنها الفراغ الاستراتيجي الذي يعتبره البعض الاخطر منذ 50 عاما، أي منذ حرب عام 1948 في فلسطين والتي ادت الى قلب المنطقة العربية (ومعها التحالفات الدولية المرتبطة بها)، رأسا على عقب.

سعد محيو- بيروت

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك