" من سينتصر : كينيدي ام هانتينغتون ؟ "

المدنيون الافغان هم اكثر المتضررين من أية عملية عسكرية، لكن الاصوات التي تشير إلى أوضاعهم المتردية أصلا لا تزال خافتة Keystone

" الحرب العالمية " ضد الارهاب بدأت بالفعل ، وهي تحظى بدعم إجماعي من معظم دول العالم. هذه باتت حقيقة لم يعد ثمة جدال حولها لكن ما ليس محسوما حتى الان هو التعريف الدقيق لمعنى الارهاب ، والتحديد الادق لمن هو " العدو الارهابي ". وهذه ثغرة كبرى لم تكن موجودة في كل الحروب العالمية السابقة ، حيث كان العدو ( الشيوعي، او النازي، او الامبراطوري ) واضحا ومحددا ومعروفا . لكن لماذا هذا الالتباس ؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 سبتمبر 2001 - 13:02 يوليو,

بداية ، لا بد من الاشارة الى ان التضارب حول مسألة الارهاب ، لا يطال ابعاده التقنية . ففي هذا المجال ، ثمة اتفاق على وجود نوعين أساسيين منه : ارهاب تقليدي ، يستند الى استخدام اسلحة تكنولوجية تقليدية ، و" ارهاب كارثي " ، على حد تعبير الباحثين الاستراتيجيين الاميركيين اشتون كارتر وجون دوتش وفيليب ديليكاو ، يمكن ان يكون نوويا ، أو كيماويا ( الغازات السامة ) او بيولوجيا ( الجراثيم ) .

لكن الاتفاق ينتهي عند هذه الحدود التقنية لتبدأ الخلافات العميقة ، ليس فقط حول طبيعة الارهاب بل اولا وأساسا حول كيفية مواجهته .

وعلى سبيل المثال ، ما يسمى الان ب " الارهاب الاسلامي " ، يستثير جملة مدارس متضاربة في الداخل الاميركي خاصة وفي الغرب عموما :

* هناك مدرسة " صدام الحضارات " ، التي يرّوج لها كما هو معروف المفكر الاميركي صموئيل هانتينغتون ، والتي لا ترى في الارهاب الاسلامي سوى تعبير من تعبيرات الحرب الحتمية بين الحضارتين الاسلامية والغربية .

* وهناك المدرسة التاريخية الواقعية التي يمثلها المؤرخ برنارد لويس ، التي ترى ضرورة التمييز بين القلة الاصولية المتطرفة وبين الاكثرية الاسلامية المعتدلة، وقد نشر لويس مؤخرا دراسة في مجلة " فورين أفيرز " الشهيرة، اعتبر فيها تفسيرات اسامة بن لادن اللاهوتية " تشويها تاما للدين الاسلامي الذي لا توجد في نصوصه أبدا ما يشجع على الارهاب والقتل ". وكان ملفتا ان ينهي لويس دراسته هذه بالكلمات الاتية : " من الواضح انه يتعّين على الغرب ان يدافع عن نفسه ( ضد بن لادن واضرابه ) بشتى الوسائل الفعالة . لكن وحين وضع الاستراتيجيات لمقاتلة الارهابيين ، سيكون من المفيد فهم الدوافع التي تحركهم " .

* وثمة مدرسة ثالثة حضارية – اقتصادية يعبر عنها المفكر بول كينيدي ، وتدعو الغرب الى تفهم تظلمات العالم الاسلامي منه. ويقول كينيدي ( في كتابه الاخير " التحضير للقرن الحادي والعشرين " ) : " أن الغرب ، بابحاره على طول السواحل العربية ، ومساعدته على تدمير الامبراطورية المغولية ، واختراق النقاط الاستراتيجية للمنطقة بالسكك الحديدية والقنوات، والتقدم دوما نحو افريقيا الشمالية ووادي النيل والخليج الفارسي ( العربي ) والهلال الخصيب ثم شبه الجزيرة العربية نفسها ، وتقسيم الشرق الاوسط وفق حدود غير طبيعية ، وزرع اسرائيل في وسط الشعوب العربية ، وعدم الاهتمام بالمنطقة سوى بسبب نفطها ؛ كل هذ1 جعل الغرب يلعب اكثر من دور في تحويل العالم الاسلامي الى ما هو عليه الان . وهذا ما لا يبدو ان الغربييين مستعدون للاعتراف به " .

* وأخيرا هناك المدرسة التاريخية – الاجتماعية التي يجّسدها الكاتب الاميركي الليبرالي وليام بفاف ، والتي تدعو الى حلول عادلة للمشاكل الاقليمية والى الالتفات الى الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعوب العربية والاسلامية، كوسيلة وحيدة.

صعود هانتينغتون

أي هذه المدارس لها الان اليد العليا في أميركا؟.

يبدو واضحا أن أسهم صموئيل هانتينغتون اكتسحت كل بورصات الفكر والامزجة في الولايات المتحدة غداة كارثة نيويورك وواشنطن، وهذا الاكتساح شمل المواطنين الاميركيين العاديين كما المسؤولين على حد سواء.

وهكذا لاحظت صحيفة " فاينانشيال تايمز " البريطانية، على سبيل المثال ، انها حين حاولت استمزاج رأي بعض المسؤولين الاميركيين حول الفكرة بان السياسة الاميركية الخاطئة في الشرق الاوسط كانت وراء تفاقم ظاهرة الارهاب ، جوبهت بسورات غضب رافضة لاي بحث في هذه المسألة. وكان رد الجميع "انهم يكرهون اميركا ، ليس لانها تدعم اسرائيل بل لاسباب ثقافية".

بالطبع، مثل هذه "التعبئة الهامينغتونية" راهنا، تبدو مفهومة بسبب الاستثارة العاطفية والانفعالية الكبرى التي حرّ كتها مأساة نيويورك وواشنطن . لكن ، وبعد ان تهدأ حمأة الانفعالات قليلا، ربما بعد حرب الانتقام العسكرية والامنية الوشيكة في أفغانستان وبعض المناطق الاخرى، ستدرك اميركا ان النصر الكامل في هذه الحرب الشبحية مستحيل، وستعي ان العالم الاسلامي ( بحجمه السكاني العملاق ) هو القادر وحده على تطويق ظاهرة الارهاب الاسلامي، بشرط ان يلتفت الغرب واميركا، ولو قليلا ، الى نصائح بول كينيدي في هذا الصدد.

واذا ما عنت هذه الحقيقة الاخيرة شيئا فانها ستعني أن تعريفات وتحديدات الارهاب ، لن تولد هذه المرة من تموجات أفكار المفكرين فقط، بل ايضا من محصلات موازين القوى والصراعات العسكرية والمجابهات الدموية. وهذه الصراعات لا تزال في بداياتها .. في بداياتها الاولى.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة