تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"11 سبتمبر" آخـرُ بين أنقرة وواشنطن

رئيس القوات المسلحة التركية حلمي أوزكوك مجتمعا إلى السفير الأمريكي في أنقرة روبرت بيرسن يوم 7 يوليو 2003

(Keystone)

عبر الجيش الأمريكي والجيش التركي في بيان مشترك صدر يوم الثلاثاء عن "الأسف" للخلاف الذي نجم عن اعتقال القوات الأمريكية لـ11 عسكريا في شمال العراق.

لكن بعض المعلقين الأتراك لم يتردد في وصف "حادثة السليمانية" بـ"11 سبتمبر العلاقات التركية-الأمريكية".

يعكس البيان العسكري الأمريكي التركي المشنرك الذي صدر من مقر القيادة العسكرية في أنقرة في أعقاب تحقيق مشترك في الحادث إلى رغبة الجانبين في تجاوز الحادث الذي وتّـر العلاقات بين واشنطن وأنقرة في الأيام ألأولى من الشهر الجاري.

لكن نظرة بانورامية خاطفة إلى مسار تطور العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة، تدفع إلى اعتبار هذه الحادثة محطة في مسار سلبي متدرج وغير منعزلة عما سبقها وما قد يليها من مستجدات·

منذ حادثة المذكرة، عندما رفض البرلمان التركي نشر قوات أمريكية على الأراضي التركية وفتح جبهة شمالية ضد نظام صدام حسين، والولايات المتحدة كما لو أنها في "كوما" من الموقف التركي، إذ أن "حادثة المذكرة" في 1 مارس الماضي دخلت، على ما يبدو، في الذاكرة الأمريكية الحديثة جنباً إلى جنب مع أحداث 11 سبتمبر 2001·

ومنذ 1 مارس الماضي، توالت المواقف والتدابير الأمريكية السلبية تجاه تركيا، ليس فقط "انتقاما" من قرار البرلمان التركي، بل في إطار تغيـّر في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة والعراق وتركيا·

فأثناء الحرب على العراق، ورغم كل التحذيرات التركية، كانت قوات "البشمركة" الكردية تخترق "الخطوط الحمر" التركية في شمال العراق وتدخل مدينتي الموصل وكركوك تحت أنظار ورعاية القوات الأمريكية.

وفيما كانت واشنطن تبرم صفقة مع عناصر "مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة المتواجدة على الأراضي التركية، وتدعوهم لتسليم سلاحهم، فإنها لم تفعل ذلك مع قوات حزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، والمتواجدة في شمال العراق والتي لا تزال مُحتفظة بأسلحتها·

"أوامــر عُـلـيا"

وفي 5 مايو الماضي، وجّه بول ولفوفيتز، مساعد وزير الدفاع الأمريكي، أكبر ضربة للعلاقات التركية ـ الأمريكية، حين حمل على المؤسسة العسكرية التركية في ما اعتُـبر رفع غطاء البنتاغون، للمرة الأولى منذ خمسين عاماً، عن الجيش التركي·

ومع عملية إعادة بناء العراق، كانت واشنطن تستبعد إبرام أية عقود عمل مع أية شركة من الشركات التركية، كما أن واشنطن لم تعطِ بعد موافقتها على مشاركة قوة عسكرية تركية في قوات حفظ الأمن في العراق، رغم أنها ستكون تحت قيادة القوة البولندية في جنوب العراق·

والآن، جاءت عملية السليمانية التي كانت مهمة لجهة طريقة تنفيذها والمعاملة السيئة التي لقيها الضباط والجنود الأتراك واستيلاء القوات الأمريكية المهاجمة على محتويات مقر القوة الخاصة التركية، ومنها أجهزة اتصالات مشفّرة للمكالمات بين قيادة القوة التركية ورئاسة الأركان في أنقرة، والعديد من الوثائق التي تشمل أسماء المتعاونين مع الأتراك في منطقة السليمانية·

وبما أن تركيا والولايات المتحدة عضوان في الحلف الأطلسي ويستطيعان التنسيق المسبق أو نقل الاتهامات بصورة ثنائية بعيداً عن الأضواء وحلّ أية إشكالات، وبما أن ذلك لم يحدث، فإن الواقعة لم تكن عفوية وبنت ساعتها بل كانت "مدّبرة" ومخططاً لها على أعلى المستويات السياسية والعسكرية في واشنطن.

وفي هذا الإطار، يقول المعلّق التركي المعروف من أصل يهودي سامي كوهن، "إنه من الصعب التصديق أن الحادثة لم تكن بأوامر عليا".

لماذا إذن حصلت الحادثة؟

يقول الكاتب السياسي محمد علي بيراند، الذي أجرى رفقة جنكيز تشاندار الحوار مع بول ولفوفيتز في 5 مايو الماضي "عاجلاً أم آجلاً كان الأمريكيون سـيُُخرجون القوات التركية من شمال العراق ويمنعون التركمان من تنظيم أنفسهم، لأن السياسية الأساسية لواشنطن هي ترك شمال العراق للأكراد".

كلام بيراند يختصر كل الكلام الذي يدور في أنقرة: حادثة السليمانية هي رسالة أمريكية إلى تركيا عنوانها: "اخرجوا أيها الأتراك من شمال العراق".

من جهة، تريد أمريكا مكافأة أكراد العراق على تحالفهم معها منذ اللحظة الأولى للحرب، وذلك من خلال تنظيف منطقتهم من تواجد أي عنصر أجنبي، والمقصود بذلك طبعاً القوات التركية، وبما أن تركيا ترى في وجود 5000 عسكري تركي في شمال العراق نوعاً من "الضمانة" لعدم إعلان الأكراد دولة مستقلة، فإن نية أمريكا إخراج الأتراك يفتح احتمالا قوياً على وجود خطط أمريكية لقيام دولة كردية مستقلة في حال اقتضت مصالحها ذلك، وفي صورة ما إذا تعثّر تواجدها في العراق، أو ما أرادت تهديد القوى الإقليمية، ولا سيما تركيا وإيران عبر إعلان قيام كيان كردي مستقل·

لن تكون آخر المعارك..

إن حصول حادثة السليمانية في ظل أجواء انفراج ملحوظة، ظهرت مؤخراً في سماء العلاقات التركية ـ الأمريكية، والإعلان عن زيارة قريبة لوزير الخارجية عبد الله غول إلى واشنطن، يؤكد "النوايا السلبية" للإدارة الأمريكية تجاه تركيا وعدم رغبتها في صيانة وحماية المناخ الجديد الإيجابي·

ولعل من نتائج هذه الحادثة أنها ستقرّب تركيا أكثر من الاتحاد الأوروبي وتعزز عمليات الإصلاح السياسي التي تقوم بها الآن حكومة حزب العدالة والتنمية. غير أن الوجه الآخر من العملة قد يكون أيضاً صحيحاً.

فحادثة السليمانية وجّهت ضربة قوية إلى معنويات وصورة المؤسسة العسكرية التركية، ويجد الأتراك أنفسهم بحاجة لحماية صورة جيشهم، لأن صورته وشرفه من صورة وشرف تركيا، وهذا قد يدفع الحكومة إلى التخفيف أو التراجع ربما عن بعض بنود الإصلاح التي تتضمن تنظيف المؤسسات المدنية التركية ومجلس الأمن القومي من الحضور الطاغي للجيش فيها.

وفي جميع الأحوال، فإن حادثة السليمانية ستباعد أكثر بين سياسات أمريكا وسياسات تركيا في الشرق الأوسط. ولكن الأنظار ستبقى متجهة إلى العراق "ساحة الحرب" الجديدة بين أمريكا وتركيا، حيث لن تكون حادثة السليمانية آخر معاركها.

محمد نور الدين – بيروت


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×