محتويات خارجية

هذا المُحتوى مأخوذ من شركاء خارجيين. لا يُمكننا أن نضمن عرض هذا المحتوى دون حواجز.

عامل في مشغل للنحاس في طرابلس في 9 نيسان/ابريل 2015

(afp_tickers)

يحني عبد الوهاب ظهره وهو يجلس على كرسي خشبي عتيق، مثبتا نظره على مطرقة يدق بها قطعة من النحاس في المدينة القديمة للعاصمة الليبية، التي تحاول تخطي تبعات الحرب مع تراجع المبيعات وانحسار الحماية الرسمية لمعالمها التاريخية.

يواصل عبد الوهاب السعودي عمله لساعتين، ويرفع ما ان ينتهي قاعدة هلال برونزية، يدقق في تفاصيلها للحظات ويضعها جانبا، ثم ياخذ قطعة جديدة من النحاس، يبدا معها ساعتين جديدتين من العمل.

ويقول عبد الوهاب لوكالة فرانس برس "ليس هناك من مبيعات حاليا. نحن نصنع ونخزن فقط".

وعلى مقربة من عبد الوهاب، جلس مختار رمضان امام محل صديق له ينتظر الزبائن.

وقال "نعاني من مشاكل كثيرة، فالمادة الخام مفقودة بعدما اصبحت طرق وصولها الينا صعبة، والحركة من ناحية المبيعات تراجعت بعدما انعدمت السياحة، واليد العاملة الاجنبية وبينها المصرية غادرت".

واضاف "لا ابيع سوى 15 بالمئة مما كنت ابيعه قبل 2011. لكن لا يمكن ان اغلق المحل الذي ورثته عن اجدادي في مهنة تمارسها عائلتي منذ 150 عام. نحن باقون هنا لحماية هذه الصناعة وراضون بنصيبنا".

وشهدت طرابلس الصيف الماضي معارك عنيفة بين جماعات مسلحة انتهت بسيطرة قوات "فجر ليبيا" التي تضم خليطا متحالفا من هذه الجماعات بينها مجموعات اسلامية، على العاصمة في اب/اغسطس.

وانقسمت ليبيا مع انتهاء المعارك بين سلطتين، حكومة يعترف بها المجتمع الدولي وتتخذ من شرق البلاد مقرا بها، وحكومة مناوئة لها تبسط سيطرتها السياسية على العاصمة بمساندة "فجر ليبيا".

وترخي الحرب المستمرة بين القوات الموالية للسلطتين بظلالها على اقتصاد البلاد، وتطال تبعاتها المدينة القديمة في شمال طرابلس التي تزخر بالاسواق وعددها 22 سوقا، بينها سوق النحاس وسوق الحرير وسوق الكتب وسوق الصاغة.

وتمتد المدينة على مساحة نحو 48 هكتارا، وقد تاسست في القرن السادس قبل الميلاد على ايدي الفينيقيين.

ويقول مستشار جهاز ادارة المدن التاريخية حسام باش امام لفرانس برس "المدينة القديمة قلب الحياة في ليبيا، والليبيون مرتبطون عاطفيا بها بشكل كبير".

ويضيف "لقد تعرضت هذه المدينة على مر الزمان الى هجمات ومرت بصعاب كثيرة، لكنها لم تندثر، وبقيت في مكانها".

والى جانب اسواقها، تضم المدينة القديمة كنزا من المواقع التاريخية والاثرية، وبينها مسجد الناقة الذي يصنفه مؤرخون على انه احد اقدم مساجد شمال افريقيا حيث بني في القرن العاشر ميلادي، وكنيسة يسوع الملك التي تعود لعام 1829.

وعند بداية المدينة من جهة البحر، يقع قوس ماركوس اوريليوس الروماني على مقربة من اول منزل سكنته بعثة دبلوماسية فرنسية في ليبيا منذ بدء العلاقات بين البلدين في 1630 فيما يتوسط برج الساعة الذي بدا بناؤه على ايدي العثمانيين عام 1866 ساحة تبعد امتارا قليلة.

وتحيط بالمدينة من جهتها الشمالية الشرقية قلعة طرابلس المسماة بالسراي الحمراء، والتي تحوي متحفا اغلق بسبب الاوضاع الامنية، وتطل على ساحة الشهداء التي كانت تعرف في عهد النظام السابق باسم "الساحة الخضراء".

ويرى باش امام وهو باحث في قضايا التراث العمراني ان اكبر مشاكل هذه المدينة لا تتمثل بتراجع المبيعات فيها بفعل الوضع الامني، بل "بعدم قدرة الدولة على التحكم بالفوضى فيها".

ويوضح "هناك تشويهات تطال مبانيها التاريخية، وبينها تغيير الوان الطلاء من الابيض الى الوان اخرى، وتغيير اشكالها (...) وحتى هدم بعض الاضرحة التي تعود الى مئات السنين على ايدي متشددين".

وتابع ان "الدولة لا سيطرة حقيقية لها حاليا، وهذه هي مشكلتنا الرئيسية".

وتشتهر المدينة القديمة خصوصا بزنقاتها المتفرعة من شوارعها وبينها "الزنقة الضيقة" التي تشمل ممرا صغيرا بين مجموعتين من المنازل تربط بينهما قنطرتان صغيرتان، و"زنقة بن محمود" التي تمتد بطول نحو عشرة امتار وهي عبارة عن مدخل يؤدي الى منزلين طليت جدرانهما بالازرق والابيض.

وفي المدينة القديمة ايضا دار بيشي هو كنيس يهودي عبارة عن معبد ضخم مغلق منذ ان غادر اخر اليهود طرابلس عام 1967، ولا تزال نجمة داود تعلو جانبه الايمن من الخارج قرب كلمات نقشت باللغة العبرية.

ويقع هذا الكنيس في ما كان يعرف بالحي اليهودي، وقد اغلقت مداخله، وسدت نوافذه، ما عدا نافذة واحدة تطل على ما يحتويه المعبد حاليا: اعمدة، وقطع من الخشب، وملابس بالية، وقناني بلاستيكية فارغة.

وفي سوق الحرير، يحرك جمال مصطفى محمود قطعة خشبية صغيرة علق فيها خيط ابيض طويل فوق مجموعة من الخيطان الحريرية، وهو يجلس خلف الة خشبية ضخمة يصنع من خلالها فساتين حفلات الزفاف ومناسبات اخرى.

ويقول محمود (60 عاما) "نحن مرتبطون روحيا بهذه الصناعة. ابي عاش هنا، وجدي كان هنا، واسرتي ايضا، بغض النظر عن الماديات وما تعنيه المادة".

ويضيف متجنبا الحديث عن الاوضاع الاقتصادية المتغيرة "المدينة القديمة هي الاوكسيجين الذي نتنفسه، هي التاريخ بحد ذاته. خرّجت مشايخ وعلماء واطباء، ومر عليها الكثير، وستتغلب على الصعاب بطيبة ناسها واهلها".

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب