أ ف ب عربي ودولي

يهودي قرب الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل في 29 ايار/مايو 2017

(afp_tickers)

على مدار الخمسين عاما الماضية، تغيرت مدينة الخليل الفلسطينية بشكل جذري، وتحولت البلدة القديمة التي كانت مركزا تجاريا عامرا الى منطقة محاصرة عسكريا، بينما اصبح الحرم الابراهيمي مقسوما بين المسلمين واليهود ويخضع لحراسة امنية مشددة.

عن اليوم الاول من حرب حزيران/يونيو 1967، يتذكر عيد الجعبري الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 21 عاما، بمرارة كيف دخل الاسرائيليون الى المدينة، قائلا "لم يكن هناك قتال، وانسحب العرب". ويشير الى انه رأى القوات الاردنية تغادر الضفة الغربية دون إطلاق رصاص.

وكانت المدينة التي تضم كهف البطاركة المقدس بالنسبة الى اليهود والحرم الابراهيمي الشريف الذي يؤمه المسلمون، تحت السيطرة الاردنية منذ 1948.

بالنسبة الى الفلسطينيين في الخليل، شكّل هذا نهاية "الزمن الجميل". بينما يعتبر المستوطنون الاسرائيليون ان هذا كان "معجزة عظيمة".

ويقول نوعام ارنون، المتحدث باسم مجموعة مستوطني الخليل المؤلفة من مئات من المستوطنين، "بدا لنا أننا لن نعود ابدا". ويضيف ان اسرائيل التي لم يكن مرّ على إنشائها في حينه سوى 20 عاما، كانت تواجه "خطرا وجوديا".

ويضيف "أحاطت بنا دول عربية كبيرة أعلنت انها ستقوم بإلقاء اليهود في البحر(...)، ولكننا قمنا بتحرير مدينتينا المقدستين، القدس والخليل".

وكانت الخليل تضم سكانا من اليهود غادروها في 1929 غثر مواجهات مع العرب قتل فيها العشرات من اليهود.

للوهلة الاولى بعد حرب حزيران/يونيو 1967، بحسب الفلسطينيين من سكان البلدة القديمة، ساد نوع من التعايش الهادىء.

ويقول عبد الرؤوف المحتسب "أراد اليهود أن يبقى كل شيء هادئا"، وعند وصول الاسرائيليين، قاموا "بخلق وظائف".

- مدينة اشباح -

ويروي الجعبري الذي يجلس واضعا كوفيته التقليدية على رأسه ويدخن الشيشة في شارع أصبح مقفرا الان، "لم يكن بإمكاننا في تلك الفترة وضع قدم أمام الاخرى بسبب تزاحم الناس" في الشوارع التجارية.

لكن الطرق الكبرى في الجوار ما لبثت أن أغلقت أمام الفلسطينيين. في الشوارع المقفرة، دكاكين مغلقة منذ سنوات بستائرها الحديدية المسدلة وأقفالها الصدئة، لكن بعض المحلات لا تزال تقاوم في الازقة التي نصبت فوقها شوادر لحمايتها من القذارات والحجارة التي يلقيها المستوطنون على المارة فيها.

ويقول المحتسب (59 عاما) "فجأة تحولت القواعد العسكرية الى مستوطنات، وانتشر المستوطنون في كل مكان".

فبعد سنوات من احتلال الخليل، رضخت الحكومة الاسرائيلية لمطالب المستوطنين وسمحت بتواجدهم وإقامتهم في المدينة وسط الفلسطينيين. وانتشرت البؤر الاستيطانية داخل الخليل، وتزايدت المستوطنات حول المدن الفلسطينية الاخرى.

ويعيش أكثر من 500 مستوطن وراء أبراج المراقبة والحواجز بحماية الجيش وخلف منطقة عازلة حلت محل شارع الشهداء الذي كان يعج بالمتسوقين، وتضم المدينة نحو 200 الف فلسطيني.

وتتمتع الخليل التي يقول التقليد انها كانت موطن النبي ابراهيم الذي عاش ودفن فيها، بوضع خاص في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وتشكل دائما موضوعا منفصلا في المفاوضات. وعند توقيع اتفاقيات اوسلو للسلام، تم تقسيم المدينة في خطوة ندد بها الجانبان.

بالنسبة للفلسطينيين، فإن وجود المستوطنين ومئات من الجنود الاسرائيليين وعدد كبير من الحواجز العسكرية، جعل الحياة اليومية "لا تطاق" بالنسبة لالاف من الاشخاص الذي يعيشون "في خوف" دائم.

- "القاعدة هنا" -

في المقابل، يقول المستوطن غابريال بن يتسحاق الذي يعيش في حي تل الرميدة ان هناك "خوفا" من جانب المستوطنين في المدينة ايضا.

وبحسب ارنون، "يسمح لليهود فقط ب 3% من المدينة" التي تمت تغطيتها بالاعلام الاسرائيلية ويمنع دخول الفلسطينيين اليها، واصفا اياها بأنها تشبه "الغيتو".

وتندلع مواجهات عنيفة بشكل متكرر في المدينة. ويتذكر الجميع المجزرة التي ارتكبها المستوطن الاسرائيلي الاميركي باروخ غولدشتاين في الحرم الابراهيمي في المدينة عام 1994 وقتل خلالها 29 مسلما.

وتم تقسيم الحرم الذي يتضمن بعدا رمزيا قوميا ودينيا في النزاع الى قسمين: واحد للمسلمين وآخر لليهود بعد المجزرة.

ويقول ارنون "نعم، التواجد هنا ليس اكثر شيء ممتع في العالم، ولكن هذا يمنح معنى لحياتنا، لان القاعدة هنا".

ويقترح ارنون بسط "السيادة الاسرائيلية الكاملة على المدينة" من اجل وقف اعمال العنف.

ويقول المحتسب من جهته "ما يرغب به (المستوطنون) هو أرض بدون شعب، ولكن الشعب الفلسطيني واع".

ويضيف "يمكننا جميعا ان نعيش سويا، ولكن الارض والمنازل هي لنا. أنا استقبل اي ضيف، ولكن الضيف المسلح لا".

وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب

  أ ف ب عربي ودولي