Navigation

السويسريون لا يتسابقون للإستثمار في ميانمار

تشهد يانغون، عاصمة ميانمار السابقة، طفرة عقارية منذ بضع سنوات. وتعتبر حقوق العمال (الصورة لعامل في ورشة بناء)من المحاور التي يركز عليها ممثلو السفارة السويسرية ومكتب التعاون والتنمية في محادثاتهم مع الشركاء المحليين. Reuters

بعد مرور سنة على افتتاح سفارة الكنفدرالية في ميانمار، ورغم تركُّـز أنظار الاقتصاد السويسري على هذه الجمهورية الآسيوية، فإن الحيطة والحذر يتغلّبان على طموحات المُستثمرين، لاسيّما أن وضعَ البلاد ما فتئ غير مستقر، والتساؤلات لازالت مُستمرة حول كيفية ضمان استثمارات مسؤولة في بورما السابقة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 أكتوبر 2013 - 11:00 يوليو,
لويجي جوريو, swissinfo.ch

"إمّا [الإستثمار] الآن أو أبدا. أولئك الذين ينتظرون قد يفوتهم الرّكب". هذه هي قناعة باربارا موكلي-شنايدر، المسؤولة عن الاستثمارات في ميانمار في غرفة التجارة السويسرية الآسيوية. فهي لا يُراودها أدنى شك حول الإمكانيات التي تتمتّع بها ميانمار. وتؤكد في تصريحات لـswissinfo.ch ضمن هذا السياق: "إنها إحدى أغنى البلدان من حيث المواد الخام. ومنافع [هذه الثروة قد تكون] ضخمة، والحكومة الحالية تبذل كلّ ما في وسعها لتعزيز وتشجيع تنمية إيجابية".

بفضل وفرة مواردها الطبيعية، وموقعها الاستراتيجي بين الهند والصين، وساكنتها البالغ عددها 55 مليون نسمة، ويدها العاملة الشابة والرخيصة؛ تجتذب ميانمار أكثر فأكثر أنظار رجال الأعمال والمستثمرين. فبعد رفع العقوبات الدولية عليها، باتت أبواب "الحدود الاقتصادية الآسيوية الجديدة" بالتأكيد مفتوحة على مصراعيها.

وفي رسالتها الإخبارية، أشارت وكالة "تورا سويس" الإستشارية في يانغون، عاصمة البلاد السابقة، إلى أن "الإستثمارات الأجنبية تشهد طفرة في الوقت الراهن". فما بين أبريل وأغسطس 2013، زادت هذه الإستثمارات – خاصة من آسيا – بأكثر من الضعف مُقارنة بنفس الفترة من العام السابق، لتصل إلى 730 مليون دولار.

ولا يريد السويسريون التخلّف عن هذا السّباق نحو "إلدورادُو" ميانمار، فهم كانوا من بين الغربيين الأوائل الذين فتحوا في نوفمبر 2012 سفارة في ميانمار بعد انتهاء الحكم العسكري رسميا في البلاد عام 2011. وتتعاقب البعثات الإقتصادية بين الجانبين، كما تُسجل تبادلاتهما التجارية تزايدا مستمرا (بحيث بلغت قيمتها 15 مليون فرنك في النصف الأول من عام 2013).

 
وفي ردٍّ مكتوب، أوضحت كورين هينشوز بيغنامس، المسؤولة السياسيةُ والإقتصادية بسفارة سويسرا في يانغون: "لدينا اتصالات مُنتظمة مع شركات أو مقاولين سويسريين، فنحن نتلقّى في المتوسط ما بين أربعة وخمسة طلبات في الشهر".

الحذر يظل سيد الموقف

"وتُذكِّرنا ميانمار بالوضع الذي كانت عليه تايلاند قبل خمسة وعشرين أو ثلاثين عاما، فهي بلاد ذات إمكانيات تنمية عالية، لا سيّما في من حيث البنية التحتية"، مثلما يشرح باتريك دشيزميديان، المتحدث باسم هيئة الترويج لتجارة سويسرا وساحتها الإقتصادية "سويتزلاند غلوبال إنتربرايز"، مضيفا أن "هذه السوق مثيرة للإهتمام بالنسبة للشركات السويسرية، بحيث يُمْكنها العملُ في مجال بناء وتطوير الطرقات، والموانئ، والمطارات، أو شبكات الكهرباء والإتصالات. كما أن قطاعات السياحة، والصحة، والسلع الاستهلاكية تُوفر العديد من الفرص أيضا".

وقد حصلت مؤخرا مجموعة "نستلي" السويسرية العملاقة لصناعة المواد الغذائية على تصريح لتأسيس فرع لها في ميانمار. وقبل ذلك ببضعة أشهر، كانت شركة "ABB" التي غابت عن البلاد منذ سنوات طويلة، قد تلقّت أوّل طلبية لتزويد ميانمار بمكونات كهربائية، ولكن هذه المجموعة السويسرية-السويسرية للمعدات الكهربائية والآلات الصناعية، تُفضل حاليا الالتزام بالتحفظ، مثلما يوضح المتحدث باسمها أنطونيو ليجي.

توقّي الحيطة والحذر ليس حكرا على هذه المجموعة، فغالبية الشّركات السويسرية تتصرّف باحتراس، كما تؤكد رينا ألوري، من مؤسسة السلام السويسرية "سويس بيس" التي نظمت في الربيع الماضي مائدة مستديرة حول موضوع "ممارسة أنشطة الأعمال في ميانمار". وتضيف في هذا الصدد: "إن الوضع لايزال هشّا، ولازالت مجالاتٌ مثل النظام المصرفي تفتقر إلى البنية التحتية الضرورية".

ويُنوّه دشيزميديان من جانبه إلى "وجوب التّصرف بالحذر واتباع [نسق] انفتاح البلاد وتطوّرها السياسي. لذلك فنحن لا ننتهج [سياسة] ترويجية نشطة للغاية".

استثمارات محفوفة بأخطار إنسانية جمة

في الواقع، كلُّ ما يلمع ليس ذهبا بالضرورة في ميانمار، إذ لا تزال البيئة القانونية غير مستقرة، على الرغم من برامج المساعدة الدّولية، والإصلاحات التي نفّذتها الحكومة المدنية التي تولت زمام الأمور في البلاد منذ منذ عام 2011.

وتُضاف إلى ذلك، المشاكلُ المزمنة المرتبطة بالفساد، والبيروقراطية، وحقيقة أن العسكر أو عشائرهم لازالوا يواصلون السيطرة على جزء كبير من اقتصاد ميانمار. وتشدُد العديد من التقارير إلى أن البلاد لا تمتلك القدرة المؤسساتية لضمان تنمية تحترم حقوق الإنسان والبيئة.

وبلهجة إدانة واستياء، يقول ميشيل إيغر، من تحالف الجنوب - وهي مجموعة عمل تضم منظمات سويسرية عاملة في مجال المساعدة من أجل التنمية: "تنظَّمُ مظاهراتٌ كل أسبوع، بحيث ينزل الناس إلى الشوارع للإحتجاج على ظروف العمل السيئة، وضد الإستيلاء على الأراضي، وتشريد السكان، وانتهاكات حقوق الأقليات العرقية، والمرتبطة على وجه الخصوص بمشاريع التعدين أو البنية التحتية".

وفي قطاعات مثل الطاقة المائية (السدود)، والغاز، والنفط، وصناعة النسيج، فإن "الاستثمارات محفوفة بمخاطر عالية في مجال الحقوق الإنسانية والإجتماعية والبيئية"، مثلما يشدد على ذلك إيغير. أما سفير سويسرا في ميانمار، كريستوف بورغينير، فيؤكد قائلا: "إذا ما استثمرتم بشكل كبير بنيَّة تحقيق أرباح سريعة، فإن ذلك قد يتسبب في أضرار فادحة".

استراتيجية سويسرية

ولتجنُّب آثار سلبية من هذا القبيل، اعتمدت سويسرا استراتيجية مُتعددة المستويات تتجلّى أولا في وجود سفارة متكاملة تتولّى تنسيق العمل الدبلوماسي، وسياسة السلام، ومساعدات التنمية والتعاون التي تنظمها كتابة الدولة السويسرية للشؤون الإقتصادية (سيكو).

وقد شرحت المتحدثة باسم "سيكو"، إيزابيل هيركومر، أن "السفارة المتكاملة أنشأت منصة غير رسمية للإتصالات بالشركات السويسرية، نركز من خلالها بشكل خاص على أهمية التنمية الإقتصادية التي تحترم حقوق الإنسان، والمعايير الإجتماعية والبيئية".

آن سيدو-كريستي، نائبة مجلس الشيوخ (الغرفة العليا في البرلمان الفدرالي السويسري)، وصفت استراتيجية سويسرا بالـ "المُثيرة للإهتمام"، مُعربة عن اعتقادها أنه "لايزال يتعيّن القيام بأكثر من ذلك"، ومُذكرة بـ "الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وأعمال العنف، والصراعات العرقية العميقة". وكانت هذه العضوة في الحزب الديمقراطي المسيحي قد حرّرت استجوابا مُوجها لمجلس الشيوخ حول الإستثمارات السويسرية في ميانمار.

ميانمار وأقلية الروهينغا المُسلمة المُضطهدة

وفقا لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" المدافعة عن حقوق الإنسان، والعديد من المنظمات غير الحكومية الأخرى العاملة في نفس المجال، تتعرض حاليا أقلية الروهينغا المسلمة في ميانمار إلى "تطهير عرقي" حقيقي، خلّف مئات الضحايا منذ العام الماضي، وتسبب في نزوح أكثر من 120000 قسرا. أما الشهادات التي تم جمعها في عين المكان فهي مثيرة للرعب، كإضرام النار في القرى، وقتل الأطفال بالفأس، وإلقاء الجُثث في مقابر جماعية.

ويذكر أن الروهينغا الذين قدِموا من البنغال المجاور واعتنقوا الإسلام في القرن الخامس عشر، استقروا في ولاية أراكان شمال غربي الساحل البورمي. وفي عام 1982، حرمهم النظام العسكري من جنسيتهم ليتحولوا إلى أشخاص عديمي الجنسية، وبالتالي أصبحوا يُعتبرون مهاجرين سريين في ميانمار. ويشكل الروهينغا الذين يقدرُ عددهم بزهاء 800000 شخص أكثر الأقليات غير المحبوبة في البلاد، بحيث لا يتردَّد المُدونون المحليون في وصفهم بـ "الكلاب"، و"اللصوص"، و"الإرهابيين"، وحتى "الوحوش السود".

End of insertion

مسؤوليات أكبر على عاتق الشركات

 وعلى غرار برلمانيين آخرين، ترى آن سيدو-كريستي أن سويسرا يجب أن تحذو حذو الولايات المتحدة، إذ تنص المبادئ التوجيهية السارية المفعول منذ شهر مايو 2013، بشكل خاص، على وُجوب تقديم تقرير سنوي من قبل الشركات التي تستثمر أكثر من 500000 دولار. وتوضح الشركات في التقرير سياستها وإجراءاتها في مجال حقوق الإنسان، ومحاربة الفساد، والأخطار البيئية المرتبطة بأعمالها.

ويؤكد ميشيل إيغير من تحالف الجنوب أن "التدابير التي اتخذتها سويسرا تستند على أساس طوعي، غير ملزم"، داعيا إلى "ضرورة الذهاب إلى أبعد من ذلك، ووضع حدّ أدنى من المعايير الملزمة للإجتهاد وإعداد التقارير في مجال حقوق الإنسان والشفافية بالنسبة لجميع الشركات السويسرية التي تستثمر في ميانمار".

أما وزير الاقتصاد السويسري، يوهان شنايدر-أمّان، فيرى أن احترام المعايير الدولية وتطبيقها، في مجال حقوق الإنسان على سبيل المثال، هو جزء من مسؤوليات الشركات وليس الدولة. مع ذلك، طلبت لجنة السياسة الخارجية في مجلس النواب السويسري من الحكومة الفدرالية تقييم الحلول من أجل وضع آليات للإجتهاد في مجال حقوق الإنسان والبيئة. وأعربت الحكومة عن استعدادها لقبول هذا الطلب الذي سيُقدَّم قريبا إلى مجلس النواب (الغرفة السفلى في البرلمان الفدرالي). ويتعلق الأمر بلوائح تنظيمية يُعمل بها في جميع أنشطة الإقتصاد السويسري في الخارج، وليس الاستثمارات في ميانمار فحسب.

غير أن النائبة سيدو-كريستي حرصت على التنويه إلى أن "وضع هذه اللوائح سيستغرق سنوات، بينما نحن في حاجة إليها الآن".

الاستثمارات وحقوق الإنسان

من خلال دمج مكتب التعاون والتنمية في سفارة الكنفدرالية بيانغون، تعتزم الحكومة الفدرالية تحقيق توازن بين تشجيع النشاط الإقتصادي والدفاع عن حقوق الإنسان في ميانمار. وفي رد مكتوب لـ swissinfo.ch، أوضح مكتب التمثيل السويسري أن "السفارة تنتهز كل مناسبة للتحاور مع الشركاء التجاريين حول قضايا مثل حقوق العمال، والإستدامة، والتأثيرات الإجتماعية والبيئية".

قسم التعاون والتنمية السويسري في ميانمار، الذي تبلغ ميزانيته السنوية 30 مليون فرنك للفترة 2013-2017، يركز نشاطاته على أربعة مجالات رئيسية هي: الشغل والتكوين المهني، الصحة والحكم المحلي الرشيد، والزراعة والأمن الغذائي، وتعزيز السلام وحقوق الإنسان.

ولتشجيع الاستثمارات المسؤولة، تدعم سويسرا أيضا المبادرات متعددة الأطراف مثل المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة المرتبطة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان، والمبادرة الخاصة بالشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية. كما أعلنت عن تقديمها لمساهمة مالية لمركز الكفاءات من أجل اقتصاد مسؤول في ميانمار، الذي تأسس بمبادرة من معهد حقوق الإنسان والأعمال في لندن والمعهد الدنماركي لحقوق الإنسان.

كما خططت سويسرا وميانمار لإقامة حوار اقتصادي ثنائي، حيث سيدور النقاش عن قانون العمل والمسؤولية الاجتماعية للشركات. وستجري الجولة الأولى من المحادثات في شهر نوفمبر 2013 أثناء البعثة الاقتصادية إلى ميانمار، التي ستقودها مديرة كتابة الدولة السويسرية للشؤون الإقتصادية ماري-غابرييل إينيشن-فلايش.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.