تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

السر المصرفي فقد شيئا من صرامته.. لكنه لا زال على قيد الحياة!

(Keystone)

يُـعتبر تخلّـي الحكومة السويسرية عن التمييز بين التحيّـل والتهرّب الضريبي، قرارا تاريخيا، لكنه لا يعني نهاية السر المصرفي، مثلما يُـلاحظ ماركو بيرناسكوني، أستاذ القانون الجبائي الدولي بجامعة « Bocconi » في ميلانو بإيطاليا، في حديث مع سويس انفو.

يوم الجمعة 13 مارس، قررت الحكومة السويسرية، التي تتعرّض لضغوط متزايدة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتهديدات بإدراج اسمها على القائمة السوداء للجنان الضريبية، تخفيف السر المصرفي، لذلك، سيتِـمّ توسيع مجال تبادل المعلومات في إطار المساعدة القضائية الدولية، ليشمَـل حالات التحيّـل الضريبي، إضافة إلى ملاحقة التهرّب الضريبي، مثلما هو معمول به حاليا.

وتبعا لذلك، يُـنتظر أن توافِـق السلطات السويسرية مستقبلا، على تقديم المساعدة أيضا عندما تتمكّـن دولة ما من إقامة الدليل على أن دافِـع ضرائب من مواطنيها يُـقيم في الخارج، أغفل الإدلاء بتصريحات عن أحد مصادر دخله.

سويس انفو: بروفيسور بيرناسكوني، ما الذي يترتّـب بداية في المجال الضريبي عن القرار الذي أعلنت عنه الحكومة السويسرية؟

ماركو برناسكوني: لقد تعرّض السر المصرفي إلى إعادة صياغة جزئية. وفي المستقبل، سيكون أكثر شفافية مما هو عليه الآن، إذ لا شك في أن عدد حالات المخالفات الجبائية، التي يُـمكن تقديم مساعدة (قضائية) بشأنها إلى بلدان أخرى، أكبر بكثير من حالات التهرّب أو التحيُّـل الضريبي.

ونظرا لأن السلطات السويسرية تُـواصل استِـبعاد تقديم معلومات آلية حول الأموال المودعة في سويسرا، فمن المحتمل جدا أن تتقدّم الدول الأخرى بسلسلة أكبر بكثير من طلبات المساعدة، لذلك، فمن الناحية التنظيمية، لن يكون من السهل الردّ على جميع هذه الطلبات.

سويس انفو: من وجهة نظر سياسية، كيف يُـمكن تقييم هذا القرار؟

ماركو برناسكوني: من الناحية السياسية، يتعلّـق الأمر بالتأكيد، بقرار تاريخي، لا يُـمكن التكهّـن بعدُ بحجم تأثيره. هذا القرار يُـنشئ على سبيل المثال، مشكلة كُـبرى على المستوى السياسي الداخلي. فقد قالت الحكومة بوضوح إن المساعدة لا تعني إلا الأشخاص المقيمين في الخارج، أي أنها تصُـبّ في مصلحة السلطات الجبائية لبلدان أخرى.

في المقابل، لا مجال لتطبيق هذا القرار من طرف السلطات الجبائية السويسرية، التي تطلُـب الحصول على معلومات مصرفية خاصة بأشخاص يقيمون فوق الأراضي السويسرية، وهو ما يعني أن سويسرا ستُـقدِّم مساعدة جبائية أكبرَ إلى دول أجنبية، مقارنة بسلطاتها الضريبية، وهنا، يتعلّـق الأمر بمشكلة كبيرة، ستُـثار بالتأكيد في المستقبل.

سويس انفو: بخصوص العلاقات مع الخارج، ألا يأتي هذا التنازل متأخِّـرا، أي أنه لم يحصُـل إلا بعد ضغوط كبيرة من طرف دول أخرى؟

ماركو برناسكوني: من المحتمل أنه لم يُـؤخذ بعين الاعتبار، كما ينبغي في سويسرا، أن الدول المهمّـة يُـمكن أن تُـصدِر الأوامر، عندما تجِـد نفسها – مثلما هو الحال الآن – بصدد مواجهة وضعية، تتّـسم بحاجة كبيرة إلى الأموال، واليوم، طلبت الدول المهمّـة مزيدا من المعلومات من البلدان، التي لم تكُـن تقدِّم إلى حدّ الآن، إلا قدرا ضئيلا من المعلومات بشكل عام، وليس في المجال المصرفي فحسب.

اليوم، وجدت السلطات السويسرية نفسها، عمليا، مُـضطرّة للقبول بقرار دول أخرى، لأنه لم يعُـد بالإمكان العثور على حلٍّ آخر. هذا كان ممكنا قبل بضعة أعوام، لكنني أذكر بشيء من المرارة، أنه في عام 2005، عندما بدأ العمل بالاتفاقية المتعلِّـقة بجباية المدّخرات بين سويسرا والاتحاد الأوروبي، استمرّ المسؤولون السياسيون والمصرفيون في تِـكرار نفس العبارة: "السر المصرفي مُـحصّـن لعشرة أعوام، على الأقل"، حينها، كان من المُـفترض أن يتِـمّ التخفيف، إلى حدٍّ ما، من هذه الثقة.

سويس انفو: مع توسيع مجال تبادُل المعلومات، ليشمَـل حالات التهرّب الجبائي، هل يُـمكن الحديث عن نهاية السر المصرفي؟

ماركو برناسكوني: يُـنظِّـم السر المصرفي العلاقات التعاقدية بين المصارف وحرفائها. في هذا المجال، يظلّ (السر المصرفي) قائما بدون تغيير. اليوم، لا يوضع موضِـع التساؤل، إلا فيما يتعلّـق بالتعاون وتبادل المعلومات في حالة ارتكاب جريمة جبائية، وبذلك، تقوم سويسرا بخطوة إلى الأمام، حيث أنها تُـقدِّم مزيدا من التعاون فيما يتعلّـق بالجرائم الجبائية، بما في ذلك التهرّب، لكن السر المصرفي يظلّ على قيد الحياة.

السر المصرفي

يضمن السر المصرفي لحرفاء البنوك السويسرية، أن تظل المعلومات التي تخصّـهم محفوظة طي الكتمان وأن لا يتم تحويلها إلى أطراف خاصة أو إلى جهات إدارية.

سويس انفو: لكن، ما هو الفرق الذي سيظل قائما من الآن فصاعدا، بين المصارف السويسرية ومصارف البلدان الأخرى، مثل إيطاليا أو فرنسا؟

ماركو برناسكوني: ستستمرّ المصارف السويسرية في حماية السرية لجميع الحرفاء، الذين ليسو محلّ تتبّـعٍ بخصوص تهرّب أو تحيّـل جبائي. في المقابل، تُـقدِّم المصارف الإيطالية أو الفرنسية معلومات فيما يتعلّـق بالتثبّـت من المداخيل أيضا، أو لتمكين سلطات بلدان أخرى من تطبيق القانون الجبائي الخاص بها.

سويس انفو: هل سيكفي هذا التنازل لتمكين سويسرا من الإفلات من القائمة السوداء الشهيرة، التي ستتّـخذ مجموعة الـ 20 قرارا بشأنها في بداية أبريل؟

ماركو برناسكوني: لن نحصُـل على إجابة بهذا الخصوص، إلا يوم 2 أبريل القادم، لكنه من المحتمل أن تتمكّـن من الإفلات منها. فالبلدان التي وافقت الآن على توسيع مجال تبادل المعلومات، لتشمل أيضا حالات التهرّب الضريبي، يبدو أنها حصُـلت على تعهّـدات بعدم إدراجها على القائمة السوداء، وإلاّ، فإنه من غير المعقول، من الناحية السياسية، توسيع مجال التعاون لينتهي الأمر رغم ذلك، على القائمة السوداء.

سويس انفو: في المقابل، ما هو الانعكاس المُـحتمل لهذا القرار على الساحة المالية السويسرية؟

ماركو برناسكوني: حسب رأيي، سيتوقّـف الكثير على التأثير الإعلامي، الذي سيَـلي (هذا القرار) في الأيام القادمة. فإلى حدّ الآن، وبالرغم من سلسلة من التحويرات البسيطة، قُـدِّم السر المصرفي دائما على اعتبار أنه غير قابل للاختراق ومُـحصّـن، رغم أن الأمور لم تكن على هذه الشاكلة منذ عدة أعوام.

فمن الواضح أنه، إذا ما قامت الصحف الأوروبية بترويج وتضخيم خبر يُـفيد بأن رؤوس الأموال في سويسرا لم تعُـد تتمتّـع اليوم بأي أمان، فمن المحتمل عندها أن يحدُث نزيف من العسير تقييم نتائجه اليوم. أما العزاء، فيرتبِـط بالواقع المتمثِّـل في أن الساحات المالية الأخرى المنافسة، تجد نفسها في وضعية مماثلة، لذلك يُـفترض أنها لن تكسِـب منها أية فوائد.

أجرى الحديث أرماندو مومبيلّـي - سويس انفو

باختصار

يوم 2 أبريل القادم، ستنكبّ البلدان الثرية التي تتشكل منها مجموعة الـ 20، في اجتماع تعقده في لندن، على دراسة كيفية عمل وشفافية النظام المالي الدولي، على ضوء الأزمة الأخيرة، كما ستهتمّ بالجنان الضريبية.

يتعرّض السر المصرفي والممارسات المرتبطة بالتهرب الجبائي من طرف سويسرا والليختنشتاين والنمسا واللوكسمبورغ وبلجيكا، إلى الهجوم من طرف الولايات المتحدة وداخل الاتحاد الأوروبي.

هددت فرنسا بطلب إدراج سويسرا على قائمة سوداء لمجموعة الدول الـ 20، كما انتقدت اللوكسمبورغ، الذي يُـطبِّـق مع النمسا وبلجيكا (وهي ثلاث دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي)، السر المصرفي.

استعدادا لقمة لندن، اقترحت باريس وبرلين أيضا أن تُـلغِـي البلدان الأعضاء في مجموعة الـ 20 المعاهدات الثنائية مع البلدان "غير المتعاونة" في المجال الضريبي.

نهاية الإطار التوضيحي

السر المصرفي في العالم

يرتبِـط السرّ المصرفي بشكل وثيق بصورة سويسرا، وتزخَـر الكُـتب الأدبية والروايات وعالم السينما بأمثِـلة لشخصيات مشبوهة تودِع أموالها التي تحصّـلت عليها بأساليب قذِرة في الخزائن السويسرية المُـحصّـنة.

مع ذلك، لا يُـعتبر السر المصرفي خصوصية تنفرد بها سويسرا، حيث تتوفّـر بلدانٌ أخرى بمنظومات قانونية مُـشابهة، أكثر أو أقل صرامة، ممّـا هو مُـطبّـق في سويسرا.

منذ فترة، تتعرّض بلجيكا واللوكسبورغ والنمسا للاستهداف من طرف المفوضية الأوروبية، التي تريد حِـرمان الدول الأعضاء في الاتحاد من استِـخدام السر المصرفي، لرفضِ تقديم معلومات إلى بلدٍ آخر يُـطالب بها.

تعتبِـر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إمارتَـيْ موناكو وأندور "جنانا ضريبية غير متعاونة"، في المقابل، تتعاون إمارة الليختنشتاين مع بروكسل منذ يونيو 2008.

في بريطانيا والولايات المتحدة، يُـستخدم مفهوم السر المصرفي، لكن بشكلٍ محدود، في المقابل، يتوفّـر البلدان على مناطِـق أو أراضٍ تابعة لهما، مثل (جيرزي وجُـزر كايمان وجزيرة مان والباهاماس وغيرها...)، التي تتميّـز بقوانين أقلّ تشدّدا بكثير.

في آسيا، خطَـت سلطات سنغافورة مؤخرا خُـطوة أولى باتّـجاه الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، أما في حالة هونغ كونغ، فإن الصين لم تردّ بعدُ على نداءات الاتحاد الأوروبي، الداعية إلى شفافية أكبر.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×