Navigation

Skiplink navigation

البثّ الرقمي يكتسِـح أوروبا.. لكن العرب مُـرتابون منه

توفر التكنولوجيا الحديثة فرصة ثمينة لاكتساح الإذاعات الرقمية للمشهد الإعلامي في معظم الدول الغربية ما يُمهد للإرتقاء بالإذاعة إلى مرحلة جديدة تتميز بوظائف جديدة تختلف عما اعتاد عليه الجمهور في الإذاعات التناظرية (analogiques). Keystone

ما فتئت الإذاعات الرقمية تكتسِح النِّطاق الإعلامي في عدد مُتزايد من الدول، وخاصة في ألمانيا وبريطانيا والنرويج وسويسرا، بما يُنبئ عن قُرب أفول الإذاعة التقليدية (التناظرية analogiques).

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 نوفمبر 2014 - 18:00 يوليو,
رشيد خشانة - تونس

غير أن الخبراء يُشدِّدون على أن لا تكون تلك النقلة الحتْمية، مجرّد انتقال تِقني من دون تحقيق قيمة مُضافة، ترتقي بالإذاعة إلى مرحلة جديدة بوظائف تختلِف عن الوظائف المُعتادة في الإذاعات التناظرية.
ويتطلّع الخبراء إلى أن يكون البث الرقمي مُعتمَدا على وسائط متعدّدة، مثل راديو السيارة والجوّال والساعة وغيرها، مما يجعله مُتاحا لفئات مُختلفة من الجمهور المُستهدَف.

وإذا كان الصِّراع الإعلامي بين المُعسكريْن الكبيريْن في العالم أثناء حِقبة الحرب الباردة، صراع إذاعات (صوت أمريكا، إذاعة موسكو، صوت العرب، إذاعة براغ، ...)، فإنه بات اليوم صِراعُ قنوات فضائية (الحرة، روسيا اليوم، فرنسا 24، بي بي سي...)، وقد يتحوّل إلى صِراع من نوْع آخر بين محطّات الإذاعة الرقمية.

تجارب مُتباينة 

غير أن الخبير السويسري ماتياس كوانشون Mathias Coinchon قال لـ swissinfo.ch "إن الاذاعة الرقمية ليست أمرا جديدا، إذ انطلقت منذ تسعينيات القرن الماضي، أي قبل رقمنة التلفزيونات. لكن التجارب الأولى لم تحقّق نجاحا كبيرا، إذ انتقل الناس من الإذاعة التناظرية إلى الرقمية بعيوب كثيرة، منها محدودية نطاق التغطية وقلّة وسائل الإرسال وغَلاء أسعار اللّواقط، زيادة على انعِدام أية قيمة مضافة".

يحتاج الجمهور فقط إلى شريحة لالتِقاط برامج الإذاعة الرقمية. ولهذه الأسباب، "فشلت التجارب الأولى ومات نظام البث دي أي بي (DAB)"، بحسب كوانشون. غير أن البريطانيين قرّروا العودة إلى نقطة البداية في العام ألفين، وأعادوا إطلاق الرقمي.

وفي هذا السياق، ظهرت محطّات مناطقية على غِرار "بي بي سي آسيا"، وأخرى متخصّصة بالرياضة أو الموسيقى أو الشباب. وبشكلٍ مُـوازٍ، وضعت الدولة البريطانية حوافِز سمحت بتطوير الإذاعة الرقمية، منها التقليل من أسعار اللواقط وأجهِزة الاستقبال، التي أصبحت أسعارها تِجارية (99 جنيه للجهاز الواحد)، وازدهر في هذا الإطار راديو المطبخ، الذي يشتغل بجهاز استقبال صغير وغيْر مكلف.

العالم العربي ما زال بعيدا عن الرّقمي

في ندوة عِلمية أقامها أخيرا اتّحاد إذاعات الدول العربية، الذي يتخذ من تونس مقرا له، تم استعراض مراحل التطوّر التكنولوجي للبث الإذاعي في الدول العربية والنقلة التي حدثت من بثّ الموجات القصيرة (إف إم) إلى تقنية الـدي أي بي (DAB) ودي أي بي بلاس (DAB+)، وصولا إلى الفُرص الجديدة المُتاحة اليوم، بما فيها الإذاعة الرقمية. وشاركت في الندوة وفود من مؤسسات الإذاعة في كافة الدول العربية تقريبا، استمعت إلى عروض من خبراء عرب وأوروبيين، وخاصة من اتحاد الإذاعة الأوروبي  EBU

وتركزت الأعمال على مدى يومين على معرفة الفرص الكبيرة المتاحة لاعتماد البث الرقمي في المنطقة العربية. وكانت اللجنة الهندسية للاتحاد، حثّت في ندوة مماثلة أقامتها العام الماضي، الهيئات العربية الأعضاء على المشاركة الفعّالة في مؤتمرات التنسيق مع هيئة مؤتمر تنسيق الموجات العالية HFCC (High Frequency Co-ordination Conference ) بُغية الحصول على أكبر حماية ممكنة من التداخلات الضارة على التردّدات العربية المستخدمة في هذا المجال.

كما اشتمل مؤتمر العام الماضي على حلقة دراسية حول البث الإذاعي الرقمي الأرضي (DRM) خُصِّصت للتعرّف على خصائص التجربة الألمانية في مجال الإذاعة الرقمية على الموجات القصيرة.

End of insertion

على خطى بريطانيا

بعد بريطانيا، سلكت دول أخرى هذا السبيل، في مقدمتها الدانمارك والنرويج وسويسرا، إذ اتبعت الإستراتيجية نفسها. وهُنا تذكَّـر كوانشون أنه عمل في إذاعة سويسرا في سنوات الألفين، وأن السويسريين حاولوا آنذاك اقتفاء أثَـر البريطانيين، لكن من دون ضمان قيمة مُضافة في عملية إدخال الإذاعة الرقمية، خاصة أن شبكة إف إم FM، كانت مُشبعة بالكامل في تلك الفترة. هكذا تغير الإتّجاه وصار صاحب الدور التعديلي (Regulator)، يُشجّع الإذاعات الخاصة، مما اعتُبر خطرا على مستقبل القنوات العمومية. 

ورأى كوانشون أن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في هذا المضمار، هو: ما دوْر الخواص في تطوير الإذاعة الرقمية؟ مُشيرا إلى أن المحطات الخاصة في فرنسا مثلا، تعاني من عرْقلة محطّات عمومية مثل TF1 التي استماتت في مواجهة الخواص، بدافع الخوف ومن أجل المحافظة على هيْمنتِها على القطاع.

وعلى هذا الأساس، لم تلبث السلطات أن منحت تنازُلات لأصحاب بعض الإذاعات الصغيرة في المدن الكبرى، مثل نيس ومرسيليا وباريس، والتي تبُثّ في دائرة لا تتجاوز حيّا أو شارعا. أما في سويسرا، فصارت كلّ المحطات رقمية، وخاصة تلك المُنبثِقة عن هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية. وفي جنيف وحدها، هناك الآن 14 إذاعة، بما فيها إذاعة للشباب وأخرى للطلاّب إلخ...، وطبعا هذه الإذاعات لا تملك أجهِزة بثّ قوية مثل الإذاعات التقليدية، كما أن الحصول على مِنصّات بثّ مناسِبة، أمر باهظ الثمن، مما جعل تلك الإذاعات تبُثّ على نطاق ضيِّق.

وقد تتعمّم ظاهرة البث الرقمي على بلدان أخرى بحسب كوانشون، الذي أشار إلى أن بولندا دخلت مؤخرا إلى هذا النادي، لكن في نطاق القطاع العام فقط، لأن الخواص ما زالوا يرفضون هذه النقلة. أما في إيطاليا فحدث العكس، أي أن الخواص فقط هُـم الذين أقبلوا على استخدام هذه التقنية. غير أن مجموعة "الراي" RAI العمومية لديها إستراتيجية لنشر البثّ الرقمي، لكن النطاق غيْر كافٍ بسبب تضاريس البلاد وكثرة الجِبال والأنفاق فيها.

وأفاد كوانشون أن الإذاعات الخاصة، هي التي أطلقت هذا المسار في أستراليا، وقد طلبت مُهلة زمنية لتعميم بثّها الرقمي، وتمّ الإتفاق مع السلطات على سقْف زمني بخمس سنوات، لأن العملية تتطلّب تدبير استثمارات ثقيلة.

نمو سريع للبث الرقمي

أظهرت إحصاءات وزِّعت في نفس الندوة التي أقامها اتحاد إذاعات الدول العربية أخيرا في تونس، النمو السريع لنفاذ البث الرقمي في عدد من البلدان الأوروبية فعلى سبيل المثال، زادت نسبة المستمعين لهذا النوع من الإذاعات في النرويج من 31% في 2012 إلى 40% في السنة الماضية. وخلال نفس الفترة، تنامت النسبة في بريطانيا من 48 إلى 52 %. أما في الدانمارك، فزادت النسبة من 15 إلى 17%.

End of insertion

الجيل الرقمي الثاني

على رغم حداثة تقنية البث الرقمي، فإنه تطوّر سريعا بشكل جعلنا نصِل إلى الجيل الثاني، الذي هو أكثر تطوّرا وأفضل جوْدة من الجيل الأول، إذ بات مُمكنا سَماع الإذاعة بعدّة صِيغ، بما في ذلك على جِهاز الجوال.
وفي هذا السياق، قال كوانشون إن عدد الذين يستمِعون إلى إذاعة بي بي سي صباحا في بريطانيا، يُعد بالملايين، وهو ما يُفسِّر الإقبال على شِراء شرائح الإلتِقاط ووضعها في أي شيء، حتى في مِكواة الثياب لسماع برامجهم المُفضلة لدى استيقاظهم في الصباح.

ومن ميزات الجيل الثاني أيضا، أنك تستطيع استعمال الهاتف الذّكي للعودة إلى بداية البرنامج إذا فاتتك، كما يُمكنك الحصول فوْرا على جميع المعلومات المتّصلة بالموضوع، إن كان أدبيا أم عِلميا وبضيوف البرنامج ومعديه ومقدميه. وأكّد كوانشون أن فِرق الخبراء يعملون حاليا على توسيع هذه الإمكانات، مع الحذر من مخاطر انتِهاك حُرمة الحياة الخاصة، للإطلاع على معلومات شخصية.

ومن المحاذير أيضا، أنك إذا ما انتقلت من محطة إلى محطة، يمكن لأصحاب المحطة الثانية أن يكشِفوا هوية الزبون الجديد ويطّلعون على معلومات كثيرة عنه.

أكثر من ذلك، صارت بعض الإذاعات الرقمية تضع فيديوهات، وهذا ما أثار جدلا كبيرا لأن هذا الأمر يُحوّل الإذاعة إلى تليفزيون غير جيّد، فالمستمع يكون مشغولا بقيادة سيارته أو مُنهمِكا في عمله، ولا يستطيع أن يشاهد الفيديوهات، لأنها تشتِّت انتباهه.

في السياق، شدّد كوانشون على أن تنويع أدوات الاستقبال، ليس مشكلا تكنولوجيا، وإنما هو مشكل اقتصادي، إذ أنه يتوقّف على تصنيع سيارات مجهَّـزة بوسائل الإستقبال الملائمة، أي إقناع الصانعين بتوفير الشرائح اللازمة لالتقاط البث الرقمي. وأشار إلى أن شركة "أبل" Apple مثلا، رفضت تفعيل شريحة موجودة في الجوّالات تُتيح استِقبال الإذاعات الرقمية.

قُصارى القول، أن الهُـوّة التكنولوجية بين العالم العربي والعالم الصناعي، ما زالت عميقة على صعيد اختِراع وسائل بثّ متطوِّرة أو على الأقل توطينها في البيئة العربية، خصوصا أن هناك بلدانا عربية محدودة الإمكانات، لا تتيح لها موارِدها اقتناء البِنية الأساسية اللاّزمة لاعتماد الجيل الأول أو الثاني من منصّات البثّ الجديدة، كما أن غالبية السكّان لا يملِكون ثمَن شرائِح الإلتقاط الخاصة بالبث الرقمي.  

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة