تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بعد إنهاء "ميرك – سيرونو" لأنشطتها في جنيف البيوتكنولوجيا السويسرية تمرّ بمرحلة مضطربة وعصيبة

بقلم


في الوقت الحالي، تُصنّف الصناعة السويسرية لعلوم الحياة ضمن العشر الأوائل على المستوى العالمي.

في الوقت الحالي، تُصنّف الصناعة السويسرية لعلوم الحياة ضمن العشر الأوائل على المستوى العالمي.

(Keystone)

مثّل قرار شركة ميرك - سيرونو بغلق فرعها بجنيف صدمة لمنطقة غرب سويسرا بأكملها. ولكن هذا القرار قد يؤدّي، إذا نظر إليه من منظور أوسع، إلى ظهور مؤسسات جديدة في هذا القطاع الحيوي والفتيّ.

وكانت شركة سيرونو أعلنت في شهر أبريل 2012 أنها سوف تضع حدا لأنشطتها في جنيف، حيث تشغّل 1250 عاملا، وتمثّل هذه الخطوة أكبر عملية من نوعها شهدتها هذه المدينة، بل اعتبرها اتحاد النقابات السويسرية بمثابة "الزلزال". وقوبلت هذه الخطوة باستنكار شديد، خصوصا وأنها تأتي ست سنوات فقط بعد اشتراء شركة ميرك التي يوجد مقرّها الرئيسي في دارميشتاد (ألمانيا) لشركة سيرونو، حاملة لواء صناعة البيوتكنولوجيا السويسرية بثمن بلغ آنذاك 16 مليار فرنك.

وقال دومينيكو ألكساكيس، المدير التنفيذي لجمعية البيوتكنولوجيا السويسرية في حديث إلى swissinfo.ch: "كانت سيرونو بمثابة حامل اللواء في هذا الجزء من البلاد، وبمثابة الحاضنة للشركات التي هي أصغر منها، وبعد اتخاذ هذه الخطوة، سوف يختفي سفير العلامة التجارية لهذه الصناعة الحيوية في منطقة بحيرة جنيف". وأضاف: "إنه مؤشّر على وضع هذه الصناعة، وتحذير ايضا للسلطات لكي تقدّم الدعم اللازم لهذا القطاع".

توفّر المؤسسات النشطة في البيوتكنولوجيا والتي تحيط مقارها ببحيرة ليمان (الممتدة من لوزان إلى جنيف) من كل جانب كل ما هو لازم لاستيعاب هذه الصدمة. ووفقا لبينوا دوبيوس، رئيس شركة بيوآلب، فإن واحدة من أربع شركات سويسرية نشطة في مجال الترويج لهذه الصناعة، تتواجد في هذه المنطقة أي ما يقارب من 300 شركة (بما في ذلك الشركات المورّدة أو المقدّمة لخدمات).

وبالنسبة لدوبيوس، الذي يعمل في منشأة صناعية استثمارية تسمى "Eclosion"، فإن إنهاء سيرونو لأعمالها في جنيف، قرار خطير، لكنه أيضا قد يفسح المجال لظهور شركات جديدة.

ليست نهاية المطاف

تصنّف البيوتكنولوجيا السويسرية حاليا ضمن المراتب العشر الأولى بين نظيراتها في العالم، وهي من أهمّ دعائم الإقتصاد السويسري إلى جانب الشركات متعددة الجنسيات، والشركات الصغرى والمتوسطة التي تتميّز بالحيوية والنشاط، وقد بلغت إيرادات هذا القطاع 8.7 مليار فرنك سنة 2011. وتنشط في سويسرا إجمالا 249 شركة، تعمل ثلاثة أرباعها في مجال البيوتكنولوجيا، والبقية متعاونة معها، ويوظّف هذا القطاع 19.000 يد عاملة.

ويعدّ وجود الشركات الكبرى المصنّعة للعقاقير والادوية مثل شركات روش، ونوفارتيس، وميرك، حيويّا ومهمّا جدا بالنسبة لهذا القطاع وللجامعات نظرا لكونها هي التي توفّر للعاملين فيهما فرص إبرام عقود خارجية للبحوث وإجراء التجارب.

وأوضح دوبيوس في حديث إلى swissinfo.ch أنه في المقابل تعتمد شركات الأدوية الكبرى على البحوث التي تجريها نظيراتها في البيوتكنولوجيا لتجديد قوائم منتجاتها: حوالي أربع من خمس منتجات لدى الشركات الكبرى المصنّعة للأدوية تمّ تطويرها في الأساس من طرف شركات صغرى او معاهد بحوث.

وقالت شركة ميرك التي توظّف 40.000 موظفا في العالم أن خفضها لعدد عمالها في جنيف بنسبة 500 وظيفة وترحيلها ل750 وظيفة اخرى خارج سويسرا هو جزء من برنامج يهدف إلى خفض التكاليف، والحد من عدم الفعالية، وتبسيط العملية الإنتاجية من أجل تأمين مستقبل مشرق للشركة الأم. ومع تباطؤ النمو الإقتصادي، وأزمة الديون بمنطقة اليورو، واستمرار ارتفاع قيمة الفرنك السويسري، فإن الخطوة التي أقبلت عليها ميرك تبدو منطقية من وجهة النظر التجارية، وفقا لكل من ألكساكيس ودوبيوس. 

وليست شركة ميرك وحدها التي تواجه مشكلات من هذا القبيل، فقد اضطرت العام الماضي العديد من الشركات السويسرية من داخل قطاعات مختلفة، بما في ذلك نوفارتيس (صناعة الأدوية)، وشايندلر (صناعة المعدّات)، وكريدي سويس (الصيرفة) إلى الإعلان عن خفض عدد موظفيها، مما زاد في تفاقم البطالة في جنيف.

كذلك تواجه شركات صناعة الأدوية ضغوطا مستمرة مسلّطة عليها من الحكومات وشركات التأمين، ومنظمي الأسواق من أجل خفض أسعار الأدوية، يحدث هذا في الوقت الذي يتطلّب تسويق منتوج جديد المزيد من البحوث، ومن الوقت، والجهود، والأموال.

بارقة أمل

أشار يورغ زوركر، المسؤول الكبير بشركة Ernst & Young، العاملة بأوروبا، والشرق الأوسط، والهند، وإفريقيا والمتخصصة في البيوتكنولوجيا، في حديث إلى swissinfo.ch بأن اغلاق ميرك لسورينو بجنيف سوف يفسح المجال لأصحاب الخبرة والتجربة في الشركات الاخرى، ويتيح لها فرصا جديدة، تماما مثلما حدث عندما بيعت سورينو إلى ميرك.

ويشاطر ألكساكيس، نفس الرأي الذي أشار إليه زوركر، ويضيف: "نسبيا أعتقد أن الأمور سوف تعود إلى وضعها الطبيعي على مستوى التشغيل، سواء على المدى القصير او المدى المتوسط".

وتعد Ferring الشركة السويدية العاملة في قطاع البيوتكنولوجيا، والتي يوجد مقرها بسانت –براي (منطقة تتوسط المسافة بين لوزان وجنيف)، الثانية من حيث القدرة التشغيلية حيث يبلغ عدد موظفيها حاليا 650 عامل، تليها  Debiopharm التي توظّف 300 شخص، وثم تليهاUCB  البلجيكية التي تنوي استثمار 250 مليون يورو بمنطقة Bulle (كانتون فريبورغ)، حيث تنوي انشاء مصنع تبلغ قدرته التشغيلية في مرحلة اولى 140 عامل.

كذلك يبدو ان الجمعيات النشطة في هذا القطاع قد تلقت تشجيعا بشأن إعلان شركة ميرك تخصيصها 30 مليون يورو لمساعدة العاملين على اغتنام الفرص، واستئناف نشاطهم. ويقول ألكساكيس: "إنها بارقة أمل، هناك معرفة جيّدة بالمجال تمثل أساسا صلبا، وتتوفّر مبالغ مالية مهمّة تصلح كرأس مال استثماري، ولاهناك طلب كاف على الإنتاج  في المنطقة مستقبلا".

غير أن اتحاد النقابات السويسرية (Unia) الذي يمثّل جزءً مهمّا من العمال في سيرونو، لا يبدو مقتنعا بما فيه الكفاية بان الثلاثين مليون يورو سوف يتم استثمارها في المنطقة المحاذية لبحيرة جنيف. وطبقا لآنا روبين، الناطقة بإسم النقابة، احتمال ظهور شركات جديدة تملأ الفراغ الذي تركته شركة ميرك يحتاج إلى وقت طويل. أما الشركات التي كانت تزوّد شركة سيرونو بمنتجاتها سوف تجبر على تعديل خططها.

وقالت روبين في حديث إلى swissinfo.ch: "بالطبع بإمكان شركات جديدة ان تنشأ، ولكنها سوف تحتاج إلى زمن طويل لكي يستقرّ وضعها. هذا ميدان، النجاح فيه يحتاج إلى الكثير من الوقت، بما في ذلك ميدان البحوث المتصل به".

الشركات حديثة النشأة

ومثلما تحتضن هذه المنطقة الواقعة في الجنوب الغربي لسويسرا حزاما من الشركات الصغرى الناشئة مثل AC Immune و Novimmune  و GenKyoTex، توجد فيها أيضا العديد من الشركات الدولية الكبرى مثل Shire، وCelgene، وBaxter. ولا يتوقّع زوركر أن يؤثّر غلق سيرونو بجنيف سلبا على جهود جمع التبرّعات والتمويل لإنشاء مؤسسات ومعاهد بحوث واعدة، وفي كل الأحوال سوف يستمرّ أصحاب رؤوس الاموال في دعم كل الأفكار المبتكرة.

ويضيف زوركر: "ظلت الشركات الصغرى تحرص على إبقاء الإنفاق تحت السيطرة لبعض الوقت، نظرا لصعوبة الحصول على التمويل، خاصة بالنسبة للشركات المبتدئة، وحديثة الإنطلاق". ويتطلّع المستثمرون إلى المشروعات المتقدمة المرفقة بمعطيات سريرية مقنعة، وسجلّ حافل، وخبرة كافية في مجال الإدارة والتصرّف.

واضطرت في النصف الثاني من العام الماضي العديد من الشركات من بينها  Cytos و Santhera  و Mondobiotechإلى إعلان شروعها في اجراء إعادة هيكلة، وفي نفس الوقت أخبرت شركة Actelion المستثمرين يوم 8 مايو 2012 أنها عازمة على اتخاذ التدابير الضرورية للحد من الإنفاق.

العوامل المساعدة

يقول ألكساكيس إنه بإمكان الشركات أن تشتغل في الخارج بتكاليف أقلّ من تلك التي تحتاجها في سويسرا، وهو ما يتطلّب من سويسرا في المقابل ان "توجد أفضليات لا تتوفّر في اماكن اخرى منها القدرة على الإبتكار، والتقدّم في البحوث، وجودة العمليات الإنتاجية".

وقد شجّعت سويسرا البحث العلمي من خلال الصندوق الوطني للبحث العلمي (يوفّر تمويل سنوي للبحوث العلمية الجادة بقيمة 760 مليون فرنك)، وأيضا اللجنة الوطنية للتكنولوجيا والابتكار، فضلا عن المعهديْن الفدراليْين للتقنية والعلوم التطبيقية بكل من زيورخ ولوزان. ومما يدعم قطاع البيوتكنولوجيا في سويسرا ويساعد على تطويره كذلك المستوى الجيّد للتعليم العالي، والاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، فضلا عن ارتفاع مستوى المعيشة.

ويختتم زوركر بالقول: "ستظل سويسرا موقعا جيّدا للبحث والإبتكار وذلك بسبب المستوى العالي لنظام التعليم، والنظام المالي، والدعم السخيّ الذي يقدمه الصندوق الوطني للبحث العلمي، وبقية المتدخّلين في هذا الميدان".

البيوتكنولوجيا السويسرية في أرقام

الشركات: 249 (237 في 2011)

الموظفون والعمال: 19.197 (19.180 في 2011)

اجمالي الرأسمال المستثمر: 458 مليون فرنك

الإيرادات: 8.696 مليون فرنك

نفقات البحث والتطوير: 2.068 مليون فرنك

الخسائر: 350 مليون فرنك.

(المصدر: تقرير 2012 حول البيوتكنولوجيا السويسرية).

نهاية الإطار التوضيحي

شركة سيرونو

اشترت شركة ميرك شركة سيرونو من عائلة  بيرتاريللي Bertarelli في عام 2006، بمبلغ وصل على 16 مليار فرنك. وبلغت إيراد سيرونو العام الماضي 5.6 مليار فرنك، وهو ما يوازي 60% من اجمالي أرقام مبيعات الشركة الأم، ولكن نتيجتها التشغيلية شهدت تراجعا بنسبة 46% لتبلغ 304 مليون يورو.

أرجعت أسباب هذا التراجع إلى طبيعة عمل فرعها بكورسياي، وإلى إعادة تقييم بعض المشروعات التي كانت مبرمجة، وقرارها بالتخلّي على دواء مرض التصلّب المتعدد بعد أن قررت الإدارة الأمريكية للاغذية والأدوية عدم السماح ببيعه في الولايات المتحدة بسبب ما راج من تأثيرات سلبية محتملة على متناوليه.

كدّست سيرونو ثروتها مبكّرا بفضل عقار يسمى Rebif والذي يتم تداوله في السوق منذ 17 عاما، وتعتمد الشركة في إيراداتها على هذا العقار وعلى عقار آخر يسمى Erbitux.

أصبحت سيرونو إسما مألوفا بالنسبة للكثيرين في سويسرا على إثر فوز إرنيستو بيرتاريلّي، المالك السابق للشركة، بكأس أمريكا في مسابقات نيوزيلاند رفقة فريق ألينغي في عام 2003.

أعلنت شركة ميرك أنها تريد ان تدّخر 300 مليون يورو كل سنة إلى موفى 2014، غير أن تحقيق ذلك قد يكلّفها 600 مليون يورو.

نهاية الإطار التوضيحي


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×