تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تهرّب ضريبي كريدي سويس يتجنّب السيناريو الأسوأ في الولايات المتحدة

تثير التسوية التي توصل إليها كريدي سويس في الولايات المتحدة أسئلة حرجة للمدير التنفيذي برادي دوغان (في الصورة) ورئيس مجلس الإدارة أورس روهنر اللذين تعرضا لضغوط من ساسة سويسريين للإستقالة.

تثير التسوية التي توصل إليها كريدي سويس في الولايات المتحدة أسئلة حرجة للمدير التنفيذي برادي دوغان (في الصورة) ورئيس مجلس الإدارة أورس روهنر اللذين تعرضا لضغوط من ساسة سويسريين للإستقالة.

(Reuters)

أثار الإعلان عن الإتفاق الذي تم التوصل إليه بين مصرف كريدي سويس ووزارة العدل الأمريكية لوضع حد للتحقيق المفتوح ضد المصرف ردود فعل اتسمت عموما بالإرتياح في سويسرا. وفيما سيتعين على ثاني أكبر مصرف سويسري تسديد غرامة مالية بقيمة 2،8 مليار دولار إلا أنه سيتمكن من الإحتفاظ برخصة النشاط داخل الأراضي الأمريكية.

بالفعل، تم فرض عقوبة مالية على كريدي سويس تقدر قيمتها بحوالي 2.5 مليار فرنك سويسري إثر إقراره بالمسؤولية في تهمة جنائية تتعلق بمساعدة رعايا أمريكيين في عمليات تهرب ضريبي. فقد اعترف المصرف أمام محكمة أمريكية في ولاية فيرجينيا بأنه أسس شركات صورية لتمكين العملاء من تهريب أصول بطريقة غير مشروعة بعيدا عن رقابة مصلحة الإيرادات الداخلية (IRS). وفي يوم الإثنين 19 مايو 2014، وافق كريدي سويس على دفع مبلغ 1.8 مليار دولار للسلطات الفدرالية، و 715 مليون دولار لمصلحة مراقبة البنوك في ولاية نيويورك، و 100 مليون دولار للخزينة الفدرالية.

وكان المصرف قد سدّد في وقت سابق غرامة بقيمة 196 مليون دولار لمصلحة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية. وهو ما يعني أن قيمة الغرامة الإجمالية التي فرضت على المصرف بلغت 2.8 مليار دولار(2.5 مليار فرنك سويسري).

وقالت الحكومة السويسرية في بيان لها أنها "ترحب بكون العملية سمحت بالتوصل إلى تسوية تضع حدا لخلاف طال أمده بين وزارة العدل الأمريكية ومصرف كريدي سويس". وأضافت الحكومة أن "ما هو مهم بالخصوص، في هذا الحل، هو عدم سحب رخصة القيام بنشاط (فوق التراب الأمريكي)، وعدم اللجوء إلى استخدام قوانين الطوارئ".

في المقابل، يرى مراقبون أن وصمة العار التي لحقت سمعة كريدي سويس، من أنه جنى أرباحا من نشاطات إجرامية، قد يُلحق ضررا أكثر على المدى البعيد مما ألحقته الغرامة المالية. فعلى سبيل المثال، تخضع بعض صناديق التقاعد مثلا إلى قوانين تحظر عليها التعامل مع أشخاص أو مؤسسات صدرت في حقهم أحكام إدانة.   

وكان عدد من السياسيين السويسريين قد اتصلوا بقيادة مصرف كريدي سويس، أي المدير التنفيذي العام برادي دوغان، والرئيس أورس روهنر. في المقابل، انتقد آخرون، من بينهم الجمعية السويسرية لموظفي المصارف، بشدة ما صرح به دوغان أمام لجنة تابعة للكونغرس الأمريكي في جلسة عُقدت في شهر فبراير 2014، من أن الخطأ يعود إلى تصرف عدد من الموظفين غير المنضبطين الذين تصرفوا تحت رقابة الإدارة.

وفي بيان صدر للرد على شهادة الإعتراف بالذنب، قال دوغان: "إننا نأسف أسفا شديدا للطريقة التي تم التصرف بها والتي أدت الى هذه التسوية". وأضاف أن "تسوية هذه القضية يُعتبر خطوة هامة بالنسبة لنا. فلم نلاحظ أي تأثير مهم على نشاطاتنا، وهذا نتيجة الإهتمام الكبير للجمهور بهذه القضية طوال الأسابيع الماضية".

تصريحات بيركنفيلد

برادلي بيركنفيلد، الموظف السابق في كريدي سويس، والذي تحول الى مُخبر، كان لديه رد فعل مزدوج أثناء صدور الحكم، وبعد أن قدم شهادة ضد مُشغله السابق في عام 2007.

وقال في تصريحات لـ swissinfo.ch: "من ناحية، من المريح رؤية إثبات التهمة ضد مصرف كريدي سويس لكونه ارتكب جريمة تهرب ضريبي عابر للحدود. ومن ناحية أخرى إنه لمن المؤسف رؤية أن وزارة العدل الأمريكية تباطأت طوال سبع سنوات قبل الوصول الى ما وصلت إليه اليوم".

وأضاف بيركنفيلد "في ربيع العام 2007، لم أعمل فقط على قرع جرس الإنذار بخصوص مصرف يو بي إس وحده بل أيضا بالنسبة لمصرف كريدي سويس. فقد كان المصرفان معا يقومان بهذه النشاطات التجارية غير المشروعة. ونظرا لاعتيادي على العمل لفائدة المصرفيْن كنت على علم ودراية بما يحدث".

في عام 2009، تم الحكم على بيركنفيلد بالسجن لمدة 40 شهرا بتهمة التغافل عن إشعار السلطات بكامل تفاصيل النشاطات التي كان يقوم بها، ولكنه تحصل على مبلغ 100 مليون دولار من طرف مصلحة الإيرادات الداخلية (IRS) مقابل شهادته التي أدت إلى المتابعة القضائية ضد مصرف يو بي إس في نفس العام.

واليوم، يُبدي بيركنفيلد بعض الإنتقاد لأن وزارة العدل الأمريكية لم تقدر كما ينبغي الدور الذي قام به لتقديم مصرفيْ يو بي أس وكريدي سويس إلى المحاكمة. وقال لـ swissinfo.ch: "إن الإقرار بذلك علانية أمر مُقلق بالنسبة لهم".

وفي تصريحات لـ swissinfo.ch، أشار سكوت ميشال، المحامي الأمريكي المتخصص في الضرائب إلى أن العقوبة المفروضة على كريدي سويس أقوى بكثير من العقوبة التي سُلطت على مصرف يو بي أس في عام 2009 ولنفس الخطأ. فقد تمكن مصرف يو بي أس من "الإفلات" بغرامة قدرت بـ 780 مليون دولار، وبموجب إجراءات أقل ضررا تم التفاوض بشأنها مع وزارة العدل الأمريكية.

وفي هذا الصدد، قال سكوت ميشال: "إن لجوء وزارة العدل الأمريكية إلى توجيه تهمة إلى مصرف له نشاطات عالمية بدل اتباع نهج التوصل إلى اتفاق بخصوص متابعة مؤجلة التنفيذ، لأمر يعكس خطورة تقييم النشاط الذي تم القيام به في سرية. وإن المرور عبر توجيه الإتهام ليعتبر بدون شك حدثا أكثر خطورة".

من جهته، يرى بيكيت كانتلي، وهو مستشار قانوني وأستاذ في قانون الضرائب في معهد جون مارشال للقانون في أطلنطا: "إن الغرامة المفروضة ذهبت إلى أبعد مدى يستطيع المُدّعون العامون الذهاب إليه، ولكن بدون تعريض مصرف كريدي سويس للإنهيار أو تهديد مناصب شغل موظفيه العاملين في وول ستريت".

وقال في حديث مع swissinfo.ch: "يبدو أن وزارة العدل الأمريكية، ومصرف كريدي سويس قد صاغا التسوية بشكل يسمح لوزارة العدل الأمريكية بالحصول على الإنتصار الذي ترغب فيه، مع منع مصرف كريدي سويس من الإستمرار في نشاطات قد توصله الى مستوى يُعرضه للخطر كمؤسسة مالية يُمكن أن يؤدي إفلاسها إلى حدوث كارثة اقتصادية كبرى".

غرامة استثنائية وتفاصيل إجرائية

يوم الإثنين 19 ماي 2014، أعلن النائب العام الأمريكي إريك هولدر أن كريدي سويس أصبح أكبر مصرف يُقرّ بالذنب في دعوى جنائية بالولايات المتحدة في 20 عاما، وسيُسدّد غرامة بقيمة 2.5 مليار دولار لمساعدته أمريكيين على التهرب من الضرائب.

في المقابل، نجا المصرف السويسري العملاق من عواقب أسوأ كانت ستؤثر على أنشطته إذ احتفظ شاغلو مناصب إدارية عليا فيه بمناصبهم، كما أعلنت هيئة رقابية في نيويورك أنها لن تلغي رخصة عمل المصرف في الولايات المتحدة.

قال ممثلو إدعاء أمريكيون إن ثاني أكبر مصرف سويسري ساعد عملاء على خداع السلطات الضريبية في الولايات المتحدة بإخفاء أصول في حسابات مصرفية سرية بالمخالفة للقانون ولفترات امتدت لعقود، وأضافوا أن "بعضها يرجع لأكثر من 100 عام".

خلال مؤتمر صحفي عُقد في واشنطن يوم الإثنين 19 مايو 2014، قال هولدر: "تُظهر هذه القضية أنه لا مؤسسة مالية فوق القانون مهما كان حجمها أو انتشارها عالميا."

من المنتظر الآن أن يُسدّد كريدي سويس الغرامة لوزارة العدل ومصلحة الضرائب ومجلس الإحتياطي الإتحادي (البنك المركزي الأمريكي) وهيئة الرقابة المصرفية في نيويورك وإدارة الخدمات المالية هناك. وسبق أن سدّد بالفعل مبلغا لا يقل عن 200 مليون دولار للجنة الأوراق المالية والبورصات.

في بيان صدر بالمناسبة، قال برادي دوغان الرئيس التنفيذي لكريدي سويس: "نأسف بشدة للممارسات الخاطئة السابقة التي قادت لهذه التسوية. لم نلحظ أي تأثير فعلي على أنشطتنا نتيجة تسليط الضوء على القضية في الأسابيع الأخيرة".

نهاية الإطار التوضيحي

انهيار السر المصرفي

في سياق متصل، بدأ السر المصرفي السويسري في انتهاج طريق وعرة بعد إفلاس مصرف يو بي أس في عام 2009. فبعد بضعة أسابيع من ذلك، طلبت وزارة الخارجية الأمريكية قائمة بأسماء 52 ألفا من عملاء أكبر سويسري لاقتفاء أثر الأشخاص المحتمل ارتكابهم لجرائم. وقد تدخلت الحكومة السويسرية حينها لتخفيض العدد في هذه القائمة الى 4500 زبون فقط ، لكن على الرغم من صغر هذا العدد، بدا وأن السر المصرفي تعرض فعلا للضرر.

في ألأثناء، شرعت بعض البنوك السويسرية الصغيرة، وبدون أن يُرعبها ما حصل لمصرف يو بي أس، في استمالة عُملاء مصرف يو بي أس مقدمة لهم بعض الضمانات نابعة من احتمال عدم التعرض لعقوبات واشنطن نظرا لعدم توفرها على تواجد فعلي فوق الأراضي الأمريكية.

لكن هذا السراب سرعان ما انهار. إذ اضطر أعرق مصرف سويسري وهو بنك " فيغلين" في شهر يناير 2012 على الإقدام على تفكيك نشاطاته والتفويت في عملياته غير الأمريكية بعد اتهامه بارتكاب جريمة التهرب الضريبي. وبعد انقضاء عام واحد، تم حل المصرف بعد أن سُلّطت عليه غرامة مالية بـ 74 مليون دولار. وفي عام 2013، أعلن مصرف "فراي" أنه يعتزم إيقاف نشاطاته تحت ضغوط التحقيقات الأمريكية.

من جهة أخرى، تم وضع حوالي عشرة بنوك سويسرية تحت طائلة التحقيق الجنائي بما في ذلك مصرف كريدي سويس، واثنين من أكبر البنوك الخاصة في الكنفدرالية: "يوليوس بير" و "بيكتيت".

الحد من الأضرار

بعد الشعور بالمخاطر المحدقة بسبب هذه التطورات، سارعت الحكومة السويسرية إلى اتخاذ جملة من الإجراءات الدبلوماسية للحد من الأضرار.

وبالفعل، أسفرت عدة جولات من المفاوضات مع السلطات الأمريكية عن التوصل إلى اتفاق يسمح لجميع المصارف السويسرية بالتفاوض مع السلطات الأمريكية من أجل تسوية أوضاعها مقابل الحصول على حصانة من التعرض لملاحقات قضائية.

تبعا لذلك، قرر أكثر من 200 مصرف سويسري الإستفادة من هذا الإتفاق الذي تم التوصل إليه بين برن وواشنطن في شهر أغسطس 2013، والذي يُجبر تلك البنوك على إرسال أطنان من الوثائق المتعلقة بنشاطاتها التجارية مع الولايات المتحدة (ولكن بدون تقديم أسماء الزبائن) إلى مصلحة الإيرادات الداخلية الأمريكية، عبر القنوات الرسمية للحكومة الفدرالية السويسرية.

في المقابل، لا يُمكن للمصارف التي كانت واقعة تحت طائلة التحقيق الجنائي (من الفئة الأولى) لا يمكنها الاستفادة من هذا الإجراء. وفي هذا السياق، يُحذر الأستاذ كانتلي المصارف التي تتوقع أن تعلق بها تهمة جنائية، أن تطلع جيدا على المسؤولية الجنائية التي اضطر مصرف كريدي سويس للإعتراف بها.

وفي تصريحات إلى swissinfo.ch قال كانتلي: "هذه النتيجة ستحدد سقفا جديدا بالنسبة لكافة البنوك التي لم تتوصل بعد إلى تسوية. ومع الأسف الشديد، سيزيد ذلك في تعميق الشعور الخاطئ السائد لدى عموم الناس من أن كافة المعاملات التي يقوم بها دافعُو الضرائب الأمريكيون مع المصارف السويسرية هي نشاطات خارجة عن القانون".

دعوات إلى ضبط النفس... وأخرى للإستقالة

في أعقاب إدانة مصرف كريدي سويس في الولايات المتحدة، دعا رودي نوزر، عضو الحزب الليبرالي الراديكالي (يمين) ورئيس لجنة الإقتصاد في مجلس النواب السويسري إلى ممارسة أكبر قدر من ضبط النفس على المستوى السياسي. وجاء في تغريدة نشرها صباح الثلاثاء 20 مايو على حسابه في تويتر: "لقد قام كريدي سويس بحل مشاكله بدون دعم الدولة، يتعين على السياسيين احترام هذا. يجب عليهم الإبقاء على التحفظ في تعليقاتهم".  

من جهته، سارع كريستوف داربولي، رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي (وسط يمين) إلى التعليق عبر حسابه الشخصي على تويتر حيث استنتج أن القضاء الأمريكي لم يشترط الإطاحة ببعض الرؤوس في كريدي سويس. وكتب: "من الأفضل نهاية ممزوجة بألم من آلام بلا نهاية"، في إشارة حسبما يبدو إلى الغرامة المالية الضخمة (2.8 مليار دولار) التي سيتعيّن على المصرف دفعها.

على يسار الخارطة السياسية، طالب الحزب الإشتراكي باستقالة المشرفين على تسيير وإدارة ثاني أكبر مصرف سويسري، وصرح رئيسه كريستيان لوفرا إلى أنه "من غير المفهوم أن تتأخر استقالة المسيّرين حتى الآن".

وبالإضافة إلى استقالة كبار المدراء، يرى

الإشتراكيون أنه "من غير المقبول" أن يتمكن المصرف من التمتع بخصم جبائي بقيمة الغرامة التي تناهز 2.5 مليار فرنك.

نهاية الإطار التوضيحي

اتفاق الإفلات من المتابعة القضائية مع الولايات المتحدة

وفقا للإتفاق المالي المُبرم بين الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا في شهر أغسطس 2013، يُمكن تصنيف المصارف السويسرية إلى ثلاث فئات:

الفئة 1: هي عشرات المصارف التي تخضع أصلا للتحقيق للإشتباه في قيامها بعمليات تهرب ضريبي. وتشمل هذه الفئة يو بي أس، كريدي سويس، يوليوس بير، بيكتيت، ومصرفي كانتوني زيورخ وبازل. وليس بإمكان هذا الصنف من المصارف الإستفادة من الإتفاق الخاص بعدم المتابعة القضائية.

الفئة 2: هي المصارف التي تقوم أو يُشتبه في قيامها بعمليات تهرب ضريبي في الولايات المتحدة. ولكي تمحي هذه المؤسسات المالية تلك التهمة عنها، وتتجنب الخضوع إلى ملاحقة قضائية، يتوجّب عليها تحمل دفع غرامة مالية كبرى.

الفئة 3: هي البنوك التي لديها عملاء أمريكيون، ولكنها تعتقد بأن هؤلاء الزبائن أوفوا بتعهداتهم تجاه مصلحة الضرائب الأمريكية.

يُمكن للفئتين 2 و 3 التقدم بطلب للإستفادة من الإتفاق المبرم بين برن وواشنطن في عام 2013، وتبعا لذلك، تمنح فترة إمهال تستمر 120 يوما لكي تقدم المعلومات المطلوبة إلى السلطات الأمريكية.

الفئة 4: هي فئة البنوك التي لا تتعامل كثيرا مع الزبائن الأجانب أو التي لا يتجاوز فيها عدد المتعاملين غير المحليين 2%.

ويتعيّن على هذه الفئة الأخيرة أن توقّع على الإتفاق في الفترة الفاصلة ما بين 1 يوليو و31 اكتوبر 2014. كما تُمنح مهلة بـ 120 يوما كي تقدم أدلة على انتمائها فعلا إلى هذه الفئة.

نهاية الإطار التوضيحي


(نقله من الإنجليزية وعالجه: محمد شريف), swissinfo.ch


وصلات

×