تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حوار جرئ مع سفير فلسطين لدى اليونسكو "قضينا 25 عاما ونحن نتفاوض من دون أن نتوصّل إلى نتيجة"

صورة فتاتان فلسطينيتان

فتاتان فلسطينيتان ملثّمتان خلال اشتباك مع قوات الأمن الإسرائيلية بالقرب من مستوطنة بيت إيل اليهودية شمال رام الله بالضفة الغربية يوم 11 مايو 2017. وكان ذلك عقب تحرّك لدعم المعتقلين الفلسطينيين داخل السجون الأسرائيلية.

(Keystone)

​​​​​​​خلال أيام قليلة، تمرّ الذكرى الخمسون على حرب 1967 بين إسرائيل والجيوش العربية الثلاث (مصر، الأردن، سوريا)، والتي كانت نتيجتها كما هو معلوم احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، وللضفّة الغربية، ولقطاع غزّة، في فلسطين، ولهضبة الجولان السورية.

 هذه الإنتصارات الإسرائيلية مهّدت الطريق في العقود اللاحقة لنشأة الكثير من المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وإلى طرد السكان الأصليين الفلسطينيين من أراضيهم ليتحوّلوا إلى نازحين ولاجئين. ومنذ ذلك الحين تضاعفت الجهود الدولية لإيجاد حل سلمي لهذا النزاع الذي أرهقت مضاعفاته كاهل الشعبيْن الفلسطيني والإسرائيلي، والذي يشكل اليوم أحد الأسباب الرئيسية لحالة عدم الإستقرار في المنطقة وربما في العالم ككل. فهل سينتظر المجتمع الدولي نصف قرن آخر لفرض احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة في فلسطين؟

 للحديث حول هذا الموضوع، إستضافت القناة الأولى للإذاعة والتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية في حوار إذاعي، يوم الخميس الأوّل من شهر يونيو 2017 إلياس صنبر، سفير فلسطين لدى اليونسكو، والمؤرّخ والكاتب في نفس الوقت، الذي كان هذا الأسبوع في زيارة إلى سويسرا في إطار فعاليات اللقاء السنوي للحوار بين الشرق والغرب الذي تستضيفيه مدينة سيير Sierre الواقعة غرب سويسرا. وإليكم أبرز ما جاء فيه:

 خلال أيام قليلة تمرّ الذكرى الخمسون على حرب الأيام الستة في عام 1967. كان عمرك آنذاك عشرين سنة. ما هي الذكريات الشخصية التي لا تزال تحتفظ بها من تلك الحرب؟

 إ. صنبر: من الحرب في حد ذاتها، القليل جدا الذي مازلت أذكره، خاصة وأن تلك الحرب لم تدم سوى أيام معدودة. لازلت أتذكّر فرض حظر التجوال، وتجنّب أي شكل من أشكال الإضاءة في الليْل، وتتالي بيانات النصر التي كانت تذيعها الإذاعات العربية، خاصة إذاعة مصر العربية. لكن اكتشاف الكارثة جاء بسرعة. إذن الذكرى التي أحتفظ بها ليست حالة يأس، بل شعور بالألم والقلق لأننا، ونحن في سنّ الشباب، كنا نتساءل عما يخبؤه لنا المستقبل. 

لكن هذا الوضع لم يدم طويلا لأن هذه الهزيمة تزامنت، وهذا ما لا ينتبه إليه الكثيرون، مع شيء آخر حدث في نفس الوقت: الحرب انتهت في شهر يونيو 1967، وفي مارس 1968، بدأت تنتشر أخبار معارك وقتال، في شكل حرب عصابات، يخوضها فدائيون فلسطينيون ضد القوات الإسرائيلية. وهذه المرة لم تكن المعارك تنتهي بالهزيمة أو الإنسحاب أمام آلة العدو. وبسرعة حدثت لدينا نقلة من حالة الحزن إلى حالة انبعاث الأمل. كانت تلك بداية اكتشاف وجود شيء سرّي منظّم يعتمل في الساحة الفلسطينية، والذي سيُعرف لاحقا تحت مسمى "منظمة التحرير الفلسطينية".

 هذا يعني أن الوضع الحالي وريث حرب 1967، واحتلال إسرائيل لأراضي هي أربعة أضعاف مساحتها الأصلية، وهي بداية تمدد المستعمرات،...إذن كلّ شيء انطلق مع حرب يونيو 1967؟

 إ.صنبر: في الحقيقة كل شيء انطلق مع حرب 1948 وظهور ما أصبح يسمّى مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وكما هو معلوم، يعدّ الشعب الفلسطيني اليوم 13 مليون نسمة، 60% منهم هم لاجئون، وللإسف هذا لا يُشار إليه بإستمرار. الفلسطينيون الذين لا يزالون يعيشون على أراضي فلسطين التاريخية (الجليل، والقدس، والضفة الغربية، وقطاع غزة) لا يمثلون الآن سوى 40% من الشعب الفلسطيني. إذن هناك مشكلة كبيرة. ما تحقق حتى الآن، وهو مكسب ثمين جدا، هو أنه لا أحد اليوم يشكك في وجود شعب فلسطيني، رغم الهزائم التي تكبّدناها، ورغم التضحيات التي بذلناها. وحتى لا ننسى، الجميع على كوكب الأرض كان يقول لنا: تتحدّثون عن شعب فلسطيني، هذا الشعب لا وجود له. اليوم لا أحد يجرؤ على قول ذلك. وأنا الآن أحدّثك بصفي سفير فلسطين لدى اليونسكو، وفلسطين، دولة كاملة العضوية في هذه المنظمة. هذا من ناحية.

 أما من ناحية أخرى، فهناك خيبة أمل كبيرة: أنا كنت من المشاركين في الإعداد لمفاوضات مدريد، ثم لاحقا، وطيلة سنوات، ضمن الفريق الفلسطيني المفاوض في واشنطن. والعالم اليوم لا يدرك، أو يتناسى، أننا قضينا 25 عاما ونحن نتفاوض من دون أن نتوصّل إلى نتيجة. الجميع يتحّدث الآن عن خمسين سنة من الحرب، ونحن نتحدّث عن ربع قرن من التفاوض الذي يبدو في نهاية المطاف عملية غير مجدية، ولم تؤدّ إلاّ إلى المآزق المتكررة، والسبب: من جهة محتل ليس مستعدا لتقديم أي تنازل، وهذا محزن، ولكن أمر كلاسيكي ومتوقّع،...

 كنتم تعلمون ذلك منذ البداية؟

 إ. صنبر: نعم هذا صحيح، لكن عند بدء المفاوضات في مدريد، كنا نتصوّر أنه كان بالإمكان التوصّل إلى نوع من المخرج من هذه اللعنة الأبدية. المشكلة التي واجهنا هو أن الشركاء الخارجين لم يضعوا القواعد الواجب الإلتزام بها، ولم يمارسوا ضغوطا كافية على جميع الأطراف المشاركة في عملية التفاوض من أجل التوصّل إلى حل.

 بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية؟

 إ. صنبر: الولايات المتحدة لم تكن مجرّد طرف في عملية التفاوض. أمريكا قررت بمفردها أن تكون الوحيدة، ومنعت الأطراف الأخرى من أن تقدّم أي مساعدة. على الورق، لدينا الأمم المتحدة، والإتحاد الأوروبي، وروسيا. ولكن، في الواقع، ومنذ 25 سنة لم تكن حول طاولة المفاوضات سوى الولايات المتحدة، ومنعها تدخّل الآخرين كان بدعوى أن إسرائيل لا تقبل بذلك. وكل المبادرات التي تقدّمت بها أطراف أخرى، بما في ذلك سويسرا، من خلال مبادرة جنيف، تمت عرقلتها وإعاقتها. وهناك قاعدة لدى الولايات المتحدة: عندما هي لا تفعل شيئا، لا تترك غيرها يفعل شيئا.

 لكن إدارة باراك أوباما لم تقترب من هذا الملف. ما يعني أنه ترك المجال لغيره. أليس هذا مخالف لما تقول؟

 إ. صنبر: باراك أوباما، بالنسبة لقضية الشرق الأوسط، كان أسوأ رئيس عرفته الولايات المتحدة على الإطلاق، وحتى جورج بوش، وما يُقال عنه، كان أفضل منه. أعتقد أنه عندما وصل إلى البيت الأبيض نصحه مساعدوه بأن الشرق الأوسط مستنقع لا يجب أن تقترب منه لأن رماله متحرّكة. وبالفعل قضى أوباما ولايتيْه، من دون أن يفعل شيئا.

 لو أعدنا التاريخ إلى الوراء، هل كان انخراط أوباما في جهود السلام سيغيّر شيئا؟

 إ. صنبر: بالتأكيد لو بذل جهودا لكانت هناك نتيجة. في نهاية ولايته الثانية، وبالتحديد قبل أيام قليلة من ذلك، ألقى جون كيري وزير خارجيته، خطابا امتدّ ساعة ونصف، عدّد خلاله كل ما كان يجب فعله ولم يفعله، وبالعودة إلى ذلك الخطاب، كل القضايا المطروحة كانت حلولها متوفّرة.

 ما أريد قوله هو أن الكثيرين في هذا العالم يأملون في تحقيق السلام، ولكن القليل جدا من الشركاء الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، يفعلون شيئا من أجل أن يصبح هذا السلام حقيقة ملموسة. في الوقت الحاضر، الولايات المتحدة متعايشة مع الوضع، لأنّها ترى أنه لا يشكل خطرا. وإذا ما ظل طرفا النزاع مثل الملاكميْن داخل الحلبة، فالوضع تحت السيطرة. ما يحدث الآن، يُمنح الفلسطينيون إعانات حتى لا يموتون جوعا، ويٌوفّر لهم المجتمع الدولي أموالا لصرف أجور آلاف الموظفين، وهكذا يُترك الحبل على الغارب.

 إن ما عقّد الأمر هو الإعتقاد بأن الزمن كفيل بتصفية القضية، لكن في الواقع، الزمن يعقّد المشاكل ولا يحلّها. والذين لا يفعلون أي شيء من أجل السلام سيجدون اليوم فيما يحدث في العالم العربي مبررا آخر لتأجيل حل النزاع التاريخي في المنطقة لأنهم مشغولون بالإنفجارات الحادثة في العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن.

 ولكن من لديه مفتاح الحل برأيكم اليوم؟ ترامب مثلا؟

إ. صنبر: سيكون من المجدي لو اتسعت مائدة المفاوضات إلى شركاء جدد. بعد 25 عاما من المفاوضات، أصبح لدينا تصوّر واضح ودقيق للحلول الممكنة لكل القضايا المطروحة، بما في ذلك التي يقال إنها مستعصية عن الحل. جميع الأطراف اليوم تعرف ما الذي يجب القيام به، لكنها لا تقوم به. ومن هذه الحلول: القدس عاصمة لدولتيْن، ومدينة مفتوحة، والإعتراف بحق عودة اللاجئين، ثم التفاوض بعد الإقرار بذلك الحق في كيفية تنفيذه وتنزيله في الواقع، مثلا هل يعودون إلى قراهم الاصلية، أم يعوّض لهم، أم يعودون إلى بلدهم وليس إلى قراهم، او أن يقع نوعا من التجميع العائلي؟

 ما هو مطلوب اليوم، هو القول إلى دولة إسرائيل التي تتمتّع حتى الآن بحصانة تدعو للملل والضجر، أن الوقت قد حان للإمتثال لقواعد القانون الدولي، وأن نضعها امام تناقضاتها فهي من جهة تقول إنها تريد السلام، ولكنها تشجّع من جهة أخرى المستعمرات، وتفتك أراضي الآخرين، وتطبّق قواعد تمييزية. يجب القول لإسرائيل بأن كل ذلك قد انتهى. وأنه من الآن فصاعدا عليها أن تكون دولة مثل أي دولة أخرى.

 هل مازال ممكنا إقامة دولة فلسطينية جديرة بهذا الإسم عندما نرى الإنقسامات التي تشق السلطات الفلسطينية؟

 إ. صنبر: لا توجد دولة في العالم ليس فيها معارضة، وأقلية وأغلبية، وأن يكون كل الفلسطينيين على رأي واحد، هي المشكلة وليس العكس. ولحسن الحظ أن هناك تنوعا وتعددا داخل الأراضي الفلسطينية. لكن أقول لك أيْن تكمن المشكلة: كلما اقتربنا من الشعب الفلسطيني بكل تلويناته وتنوعاته، إلاّ وأراد البعض استعمال هذا التنوّع كمبرّر وعذرا لتأجيل تحقيق السلام. السلام لا يقتضي أن تكون مكوّنات كل طرف في النزاع على رأي واحد، وإلاّ لماذا لا يُقال هذا على الإسرائيليين. هل هم يشكلون هوية واحدة متماثلة؟ ما علاقة خطاب المتديّنين الأرثودوكس مثلا ببقية المجتمع الإسرائيلي؟

 ما نفهمه من مسألة الجدل حول نقل السفارة الامريكية إلى القدس (أحد وعود ترامب الانتخابية)، وهذه مسألة جوهرية بالنسبة لإسرائيل، نرى أن ترامب مؤخّرا قد تراجع عن وعده لأنه رأى أن الثمن سيكون باهظا لو فعل ذلك. ما نفهمه من هذا هو وجود طرف واحد يمسك بكل الخيوط في الشرق الأوسط، وهذا الطرف هو واشنطن، وليس تل أبيب. 

(هذا النص في الأصل حوار إذاعي أجرته القناة الاولى للإذاعة والتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية مع إلياس صنبر، سفير فلسطين لدى اليونسكو يوم أوّل يونيو 2017)



(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×