تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

سـلاح "المُعتدلين" ضد محور موسكو - طهران؟ "تراجع أسعار النفط قد يضغط على خُطط التوسّع في الدول الخليجية"

أدى الإنخفاض المستمر لأسعار النفط في الأسواق العالمية إلى تراجع أو توقف العديد من المشروعات في مجال التنقيب عن النفط بسبب ارتفاع التكلفة (في الصورة: حقل "فالهال" التابع لشركة بريتيش بيتروليوم في بحر الشمال الذي قرر المشرفون عليه في شهر يناير 2015 الإستغناء عن حوالي 300 من العاملين فيه). 

(swissinfo.ch)

كان من نتائج أزمة النفط التي يُرجّح أن تستمر إلى النصف الثاني من العام الجاري، حصول تقارب غير مسبُوق بين قطر و..فنزويلا! فالأخيرة هي أحد ثلاثة منتجين، إلى جانب روسيا وإيران، تضرروا بشكل بالغ من انهيار الأسعار في الأسواق العالمية. وتؤيد الجزائر مطالبة الدول الثلاث بتصحيح الخلل الموجود في سوق النفط عن طريق خفض الإنتاج لكي ترتفع الأسعار وتزيد إيرادات الدول المنتجة، لكن الجهود التي بذلوها لإقناع أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفطرابط خارجي (أوبك)، وخاصة السعودية، بخفض الإنتاج باءت بالفشل. 

وكان أهم مطلب في الرسالة التي حملها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى المسؤولين القطريين خلال زيارته الأخيرة "التاريخية" للدوحة، دعم خفض إنتاج أوبك باعتبار البلدين عضوين في هذه المنظمة. كما ساندت إيران ومازالت دعوات فنزويلا لخفض إنتاج "أوبك". إلا أن القطريين ردوا بأنهم لا يستطيعون فعل شيء كثير على هذا الصعيد، بالنظر لضآلة إنتاج بلدهم من النفط، فقطر في الأساس مُصدر رئيسي للغاز الطبيعي (لا يتجاوز المنتوج القطري من النفط 900 ألف برميل يوميا).

في المقابل، أكد الجانبان أن الدوحة تدرس تمويل مشروعات ضخمة في فنزويلا. أكثر من ذلك، كشف مادورو أثناء الزيارة أن بلاده تضع اللمسات الأخيرة على اتفاقات للحصول على تمويلات بمليارات الدولارات من بنوك قطرية، فيما أشارت مصادر قطرية إلى احتمال استثمار الدوحة في بناء مصفاة للنفط في فنزويلا في غضون عامين، إلى جانب مشاريع في العقارات والطاقة والسياحة. ويُعد الوضع الصعب لفنزويلا، التي تعتمد على النفط لتأمين 96 في المائة من إيراداتها بالعملة الصعبة، نموذجا للمصاعب التي باتت تواجهها البلدان المماثلة جراء انخفاض أسعار النفط. وهوت الأسعار بنحو ستين في المائة منذ يونيو 2014، إذ يحوم سعر خام برنت الآن حول خمسين دولارا للبرميل بعدما كان سعره نحو تسعين دولارا، وسط توقعات بتراجع الطلب على إنتاج "أوبك" في العام الجاري إلى أدنى مستوياته في عشر سنوات، وذلك لأسباب منها قرار منظمة "أوبك" في نوفمبر الماضي عدم خفض الإنتاج للمحافظة على حصتها السوقية في مواجهة الموردين المنافسين. وفي هذا السياق توقعت تقارير نشرتها المنظمة على موقعها على الانترنت، أن تكون الولايات المتحدة أكبر مساهم في زيادة المعروض من خارج "أوبك" وبفارق كبير، كما توقعت أيضا أن يكون هناك فائض قدره 1.42 مليون برميل يوميا في المعروض خلال العام الجاري.

إيران وروسيا

هذا التهاوي ضرب اقتصاد إيران في الصميم، إذ وضع ضغوطا كبيرة على المالية العامة الإيرانية، التي كانت تعاني أصلا من العقوبات الإقتصادية الغربية بسبب برنامجها النووي. ولذلك قررت طهران تخفيض سعر النفط الذي تُحسب على أساسه موازنتها المقبلة من اثنين وسبعين دولارا للبرميل إلى أربعين دولارا فقط. أما روسيا فتراجعت صادراتها من الغاز لأوروبا وتركيا من 161 مليار متر مكعب في 2013 إلى 147 مليار فقط في العام المنقضي. وحذر وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف من تراجع العائدات بأكثر من 45 مليار دولار هذا العام، إذا ما ظل متوسط سعر النفط عند 50 دولارا للبرميل. وهناك احتمال كبير لمراجعة التصنيف الإئتماني لروسيا نحو فئة "عالي المخاطر"، فيما ستطلب الحكومة من البرلمان خفض جميع أشكال الإنفاق عشرة بالمائة باستثناء الإنفاق الدفاعي، الذي يحظى بالأولوية لدى الرئيس بوتين.

وعلى رغم أن لموسكو مصادر أخرى، مثل الذهب وبيع الأسلحة، فإن إيراداتها من النفط والغاز الطبيعي تقارب 70 في المائة من دخلها الإجمالي. ولذا فقد لحقت بها أضرار كبيرة نتيجة تهاوي أسعار النفط، وهو ما رأى فيه البعض "عقابا لها" على مواقفها المتشددة في أزمتي أوكرانيا وسوريا. والأرجح أن الولايات المتحدة والدول المحافظة في منظمة "أوبك"، أي دول الخليج، مُصرة على هذا العقاب الإقتصادي، حيث ذهب موسى نعيم، الباحث في مركز كارنيغي إلى أن قرارات الرئيس الروسي بوتين عزلت بلاده وأضرت باقتصادها الهش. وأوضح نعيم لـ swissinfo.ch أن "الإنخفاض في أسعار النفط وهروب رؤوس الأموال الضخمة من روسيا، والعقوبات الإقتصادية تحد كلها من خيارات بوتين، ولكن الخطر هو أن تؤدي به هذه الأوضاع إلى اختيار معارك في الخارج لتحويل الأنظار عن مشاكل روسيا الداخلية"، على حد قوله. 

الأرجح هو أن السعودية، التي تعتبر أكبر مصدر للنفط في العالم، تستفيد سياسيا من المصاعب التي تعانيها غريمتاها روسيا وطهران وإن كانت هي أيضا تتعرض لمصاعب نتيجة تهاوي أسعار الخام. ولذا نراها تحث الأعضاء الآخرين في "أوبك" على مكافحة نمو المعروض المتأتي من المصادر المنافسة، مثل النفط الصخري الأمريكي الذي ينال من حصة "أوبك" في السوق، لكنه يحتاج إلى سعر مرتفع نسبيا حتى يصبح ذا جدوى اقتصادية. ويصنع هذا الفارق في كلفة الإنتاج التباين الواضح بين نوعين من البلدان المنتجة، ففيما يوجد احتياطي النفط الروسي والإيراني على مسافات عميقة، ما يُضاعف من سعر الكلفة، يوجد النفط الخليجي والعراقي على مسافة قريبة من سطح الأرض ما يجعل سعر البرميل أقل ارتفاعا، واستطرادا يسمح لهذا الصنف الثاني من المنتجين بتحمل موجة تهاوي الأسعار، حتى وإن طال أمدها لبضعة أشهر. ويذهب خصوم دول "الإعتدال"، وخاصة منها السعودية، إلى القول بأن هذا المعسكر يستخدم سلاح خفض الأسعار لإضعاف إيران التي يُخشى من تنامي دورها الاقليمي وكذلك ضد موسكو الحليف الرئيسي للنظام السوري.

تقليص مُرتقب في برامج الرعاية الإجتماعية

لا يستبعد الخبراء أن تواجه بعض الدول الخليجية وخاصة الكويت وعُمان موجة من السخط الشعبي في الفترة المقبلة بسبب تقليص برامج الرعاية الإجتماعية جراء أزمة تراجع أسعار النفط. وبعدما قدمت تلك الدول برامج رعاية سخية طيلة عقود من الزمن للمحافظة على الاستقرار الإجتماعي، فستجد نفسها مُجبرة في الفترة المقبلة على مُراجعة تلك البرامج مع هبوط أسعار النفط الذي يشكل ضغطا قويا على المالية العامة للدولة.

وعلى سبيل المثال، رجّح درويش البلوشي، وزير الشؤون المالية العُماني في تصريحات أدلى بها أخيرا أن "تبدأ حكومته خفض الدعم في العام الجاري"، وتوقّع أن "يكون تزامن هبوط الأسعار مع الإستعداد لخفض الدعم، عنصرا يساعد على تقبل الناس للفكرة"، حسب رأيه.

نهاية الإطار التوضيحي

انضباط مالي

هل يعني هذا أن اقتصادات الدول الخليجية لن تتأثر كثيرا جراء تلك الموجة؟ الثابت بحسب ما قال لـ swissinfo.ch الخبير المالي سيتارامان، الرئيس التنفيذي لبنك الدوحةرابط خارجي، هو أن دول مجلس التعاون الخليجي "مُطالبة بتعزيز الإنضباط المالي وتكريس التوازن في موازناتها العامة مع تراجع أسعار النفط". وحذر من أن "تراجع أسعار النفط قد يضغط على خطط التوسع في دول مجلس التعاون ويفرض عليها التقليل من النفقات". وقد تجلى هذا التقليص من النفقات العامة في كثرة تداول عبارة "الترشيد" على ألسنة غالبية المسؤولين الخليجيين هذه الأيام لدى الحديث عن موازنات 2015. وفي الكويت، أحد المنتجين الكبار للنفط، تقرر تأجيل رفع الدعم عن البنزين والكهرباء والماء، خوفا من اندلاع احتجاجات اجتماعية، لكن الحكومة أصرت في المقابل على رفعه عن مادتي الديزل والكيروزين، وهو القرار الذي أكد وزير النفط الكويتي علي العمير أن "لا رجعة عنه". بعد أن رفعت الحكومة سعر لتر الكيروزين من 55 فلسا إلى 170 فلسا للتر الواحد اعتبارا من مطلع العام الجاري، الأمر الذي جعل بعض الشركات ترفع أسعار العديد من السلع الغذائية ومواد البناء، إلى حد أن بعض المخابز التابعة لجمعيات تعاونية أقفلت أبوابها. 

وفي قطر قال فهمي الغصين الرئيس التنفيذي لشركة "أموال"، التي تدير أصولا كبيرة في تركيا والخليج، لـ swissinfo.ch: "إن أرباح الشركات القطرية لن تتأثر بتراجع أسعار النفط في المدى القريب، باستثناء أرباح تلك المتضررة مباشرة مثل البتروكيميائيات والخدمات النفطية"، لكنه أكد في الوقت نفسه أن انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 50 دولارا للبرميل قد يتسبب في عجز صغير للموازنة القطرية في العام المالي المقبل. وهذا ما أكدته التوقعات بأن موازنة مؤسسة قطر بتروليوم ستتراجع بنسبة 12 في المائة في العام الجاري بسبب تداعيات تهاوي أسعار الخام. مع ذلك شدد الغصين على أن تراجع أسعار النفط "لا يعني أن الحكومة القطرية ستقوم بتقليص الإنفاق على المشاريع التي تندرج في إطار استضافة مباريات كأس العالم لكرة القدم، وغيرها من المشاريع المرتبطة بهذا الحدث". وعزا الخبير سيتارامان محدودية تأثر القطريين بتقلبات أسعار النفط إلى أن "القائمين على التخطيط وضعوا سعرا تقديريا منخفضا للنفط في حدود 65 دولارا للبرميل لدى إعداد الموازنة".

إضعاف "أوبك"

حذرت دراسة أعدتها جامعة هارفارد بإشراف البروفسور موغيري منذ عام 2012 من تخمة النفط الحالية وتوقعت نتائجها سلفا. ولم تُكذب الدراسة فقط نظرية وشوك نضوب النفط، بل أثبتت أيضا أن المنتوج العالمي، الذي كان يبلغ آنذاك 93 مليون برميل يوميا، سيرتفع إلى 110 بحلول سنة 2020. وبسبب زيادة إنتاج أمريكا من النفط الصخري وارتفاع الإنتاج التقليدي في كل من العراق وروسيا والقارة الإفريقية، فمن المتوقع أن تهبط الأسعار مجددا ويشهد العالم مستقبلا طفرة أخرى. وبما أن نسبة كبيرة من النفط ستأتي من الولايات المتحدة ودول أخرى خارج أعضاء "أوبك"، فالأرجح أن هذه المنظمة ستفقد السيطرة على الأسعار في المستقبل المنظور.

نهاية الإطار التوضيحي

وعلى عكس النرويج التي تتوقع تراجع استثماراتها في النفط والغاز بنسبة 15 في المائة إذا ما بقيت أسعار الخام دون مستوى 60 دولارا للبرميل، فإن العراق وهو أحد الأعضاء الرئيسيين في منظمة "أوبك"، سيرفع صادراته من خام البصرة في شهر فبراير المقبل إلى 3.3 ملايين برميل يوميا، بعدما كان رفعها في ديسمبر 2014 إلى نحو ثلاثة ملايين، وكان ذلك أعلى مستوى يُحققه منذ عام 1980. وستساهم زيادة الصادرات العراقية، وكذلك الليبية إذا ما استقرت الأوضاع الداخلية هناك، في الترفيع من حجم النفط المعروض في الأسواق العالمية.

"منعطف تاريخي"

إلى أين تتجه هذه الأزمة، وهل يُتوقع لها حل في النصف الثاني من العام مثلما يُردد بعض المتفائلين؟ على الرغم من أن وكالة الطاقة الدولية رابط خارجيقالت في تقريرها الأخير أنه لا أحد "يعلم الحد الأدنى الذي ستصل إليه السوق" وأن "تعافي الأسعار قد لا يكون وشيكا"، إلا أنها أكدت في تقريرها الشهري نفسه أن "أسعار النفط قد تواصل انخفاضها وأن تعافيها قد يستغرق بعض الوقت". لكن الخبراء يتوقعون أن يتوقف الاتجاه النزولي في النصف الثاني من العام الحالي مع تباطؤ نمو المعروض من أمريكا الشمالية بسبب الكلفة المرتفعة لاستخراج النفط الخام هناك. وفي هذا السياق، أشار التقرير الصادر عن وكالة الطاقة الدولية إلى أن "استعادة توازن السوق لا تتحقق بالعودة إلى الوضع السابق، فمن الواضح أن السوق تمر بمنعطف تاريخي". وأضاف التقرير الشهري أنه "ربما يكون هناك ضوء في نهاية النفق أمام المنتجين على صعيد الأسعار، لكن السنوات القليلة القادمة قد تكون فترة إعادة حسابات لسوق وصناعة اضطرتا على مدار تاريخهما البالغ 150 عاماً إلى تجديد نفسهما من حين إلى آخر".

Neuer Inhalt

Horizontal Line


swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك