شركات صناعة الأدوية السويسرية و"قراصنة كورونا"

سجلت نوفارتيس زيادة في محاولات القرصنة عبر استخدام رسائل الكترونية وهمية وعمليات احتيال للوصول إلى حواسيب موظفيها وسرقة بياناتهم. © Keystone / Georgios Kefalas

بالتزامن مع السباق الدولي المحموم حاليا للتوصّل إلى لقاح فعال ضد كوفيد- 19، ينفّذ قراصنة الإنترنت عمليات تجسس من أجل معرفة مدى التقدّم الذي أحرزته بعض البلدان في مجال البحوث الطبية. فإلى أي حد تعتبر شركات صناعة الأدوية السويسرية العملاقة محصّنة ضد هذه التهديدات؟

ألكسيس رابين

يوجد ارتباط وثيق بين القرصنة الإلكترونية وعالم الفيروسات، ولكن نوع جديد منها، لايزال يحتفظ بحد أدنى من السرية. وفي الوقت الذي ينشغل العلماء في جميع أنحاء العالم بالبحث عن لقاح أو علاج لكوفيد-19، ينخرط القراصنة في سباق محموم من أجل الوصول إلى أسرار صناعة الأدوية. وإذا أخذنا بعض المؤشرات في الاعتبار، نجد أن هؤلاء القراصنة ربما يعملون لصالح بعض القوى الأجنبية.

منذ عدة أسابيع، تسارعت الاتهامات: في منتصف شهر مايو، اتهمت الولايات المتحدة الصين باستهداف معاهد البحوث الأمريكية المنخرطة في البحث عن لقاح لكوفيد-19 عبر التجسس الإلكتروني. كما شجبت المملكة المتحدة محاولات القرصنة التي استهدفتها من الخارج، دون ذكر بلدان بعينها. ووُجهت أصابع الاتهام صراحة إلى إيران كجهة مسؤولة على هجمات إلكترونية تعرضت لها منظمة الصحة العالمية في أبريل الماضي، بينما تظل روسيا على قائمة البلدان التي توجه إليها أصابع الاتهام.

ولخص البيان الصحفي الذي أصدره الشهر الماضي مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) في الولايات المتحدة الموقف كالتالي: "نلاحظ كيف أن هذه الأطراف تسعى إلى التعرّف ثم الحصول بطريقة غير مشروعة على البيانات المتعلقة باللقاحات والعلاجات والفحوصات، التي تعود بالنظر إلى الشبكات والأفراد المشاركين في البحث عن دواء لفيروس كورونا".

سباق اللقاحات والجغرافيا السياسية

إذا كانت القرصنة الإلكترونية قد تصاعدت بشكل كبير في جميع أنحاء العالم منذ بداية انتشار الوباء، فإن الحديث هنا لا يتعلق بجرائم محدودة النطاق بل بما له علاقة بالسباق الدولي للحصول على لقاح لهذا الفيروس الخطير، وهو الأمر الذي تحوّل إلى موضوع سياسي حساس، وفي هذا السياق يبدو هذا التجسس الإلكتروني الطبي، كعنصر رئيسي وفعال في السباق نحو الفوز بالحل والظفر بالريادة. ويتذكّر الجميع كيف حاولت إدارة ترامب التفاوض من أجل التفرّد باستغلال لقاح محتمل طوّرته شركة ألمانية.   

وعلى الرغم من أن عمليات السطو على الملكية الفكرية لهذه الجهة أو تلك غالبا ما تظل محاطة بقدر كبير من السرية. إلا أننا هذه المرة نعرف بدقة الكيانات التي تستهدفها محاولات التجسس الإلكتروني: Gilead، عملاق صناعة الادوية في الولايات المتحدة الأمريكية، (يمتلك فرعا في سويسرا) وجامعة أوكسفورد ومؤخرا شركة باير Bayer الألمانية. كذلك كشف جهاز المخابرات الكندية في أواخر شهر مايو أن شركة أدوية كندية، لم يكشف عن اسمها، تعرضت إلى هجوم سيبراني.

ماذا عن صناعة الأدوية السويسرية؟

تشارك العديد من المؤسسات السويسرية كما هو معلوم في البحث عن لقاح مضاد لفيروس كوفيد-19، ترى إلى أي حد هذه الصناعة آمنة؟ حتى الآن لا يبدو وجود تهديد ملموس. وتقول ناتالي ميتس المتحدثة باسم شركة روش المتخصصة في صناعة الأدوية: "لم نسجّل زيادة في الهجمات السيبرانية. لكن هذه الهجمات مستمرّة وتتطوّر نوعيا مع الوقت. ويعمل الكثير من موظفي تكنولوجيا المعلومات لدينا من أجل تطوير أنظمة أكثر أمانا". وتنتج الشركة التي يوجد مقرها في بازل على وجه الخصوص دواء أكتيميرا (الاسم العلمي: توسيليزوماب) وهو دواء قادر على علاج الالتهاب الرئوي الحاد المرتبط بـ كوفيد-19.

الوضع تقريبا نفسه بالنسبة لقسم المناعة التابع للمستشفى الجامعي في برن. حيث يعمل البروفسور مارتن باخمان من أجل تطوير لقاح ضد فيروس كورونا المستجد. وعلى الرغم من أن هذا القسم يتعاون مع جامعة أوكسفورد البريطانية، وهي إحدى المؤسسات التي كانت ضحية هجوم إلكتروني مؤخرا، فإن فريق البروفسور باخمان يؤكد عدم التعرّض إلى أي شيء غير طبيعي حتى الآن. ولم ترغب شركة جونسون آند جونسون، (الأمريكية)، والتي توجد لها فروع في العديد من الكانتونات السويسرية، وتسعى هي الأخرى لتطوير لقاح ضد كوفيد-19، في التطرّق إلى قضية التجسس السيبراني.

أما بالنسبة لنوفارتيس، يقول ساتوشي سوجيموتو، مسؤول الاتصال بهذه الشركة التي يوجد مقرها الرئيسي ببازل، شمال غرب سويسرا: "لاحظنا زيادة في محاولات اختراق الحواسيب وجمع البيانات في علاقة بالفيروس". وتتضمّن هذه العملية استخدام رسائل إلكترونية احتيالية بغرض الدخول في علاقة بمستخدم من أجل الوصول إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به. ويشير هذا المسؤول إلى أن "الأمر لا يخص نوفارتيس فقط بل يشمل الكثير من الشركات الأخرى". ووفق ما أشارت إليه السلطات الفدرالية مؤخرا، يستغلّ المتسللون المخاوف المحيطة بكوفيد-19 حاليا من أجل إصطياد مستخدمي الانترنت وإيقاعهم في الشباك.

نهج سويسري وقائي

تقوم الكنفدرالية بما يجب من أجل مواجهة هذه التهديدات. ويقول باسكال لاميا، مدير مركز تسجيل وتحليل أمن المعلومات (MELANI): "يتواصل المركز الوطني للأمن السيبراني بشكل منتظم مع الجامعات والمؤسسات البحثية، ولا علاقة لذلك بأزمة كوفيد- 19".

ويضيف لاميا: "تتلقى هذه المؤسسات، وكذلك مشغلو البنيات التحتية الحيوية الأخرى في سويسرا، بانتظام معلومات حول الوضع السائد في علاقة بالتهديدات السيبرانية". وأشار على وجه الخصوص إلى نشر مركز تسجيل وتحليل أمن المعلومات "توصيات بشأن العمل عن بعد خلال أزمة وباء كوفيد-19".

وتظل مكافحة التجسس السيبراني الأجنبي في المجاليْن الصناعي والعلمي والوقاية منه، رغم ذلك، من اختصاص جهاز المخابرات السويسرية(SRC) . ويذكر باسكال لاميا في هذا الصدد برنامج Prophylax للوقاية، "الذي ينفذه جهاز المخابرات منذ عدة سنوات بالتعاون مع الشركات والمدارس السويسرية العليا"  التي يمكن أن تكون مستهدفة لسرقة البيانات الحساسة". وفي كتيّب، نُشر في عام 2019، كجزء من البرنامج الوقائي، حذّر جهاز المخابرات السويسرية هذه المؤسسات من مخاطر التجسس السيبراني.

وفي حين أن البحث عن لقاح مضاد لكوفيد-19 قد يستمر لأشهر عديدة قادمة، فإن وكالات الأمن القومي في الولايات المتحدة وفي بريطانيا وكندا، من بين أجهزة أخرى، أخذت زمام المبادرة: فهي تتعاون الآن بشكل مباشر مع المختبرات العلمية لحمايتها من القراصنة الأجانب. ولكن لا يبدو أن شيئا من هذا القبيل يحدث في سويسرا: فنوفارتيس وقسم المناعة بالمستشفى الجامعي ببرن، كلاهما يؤكّد أنه لم يتلق أي اتصال من السلطات الفدرالية بشأن هذا الموضوع حتى الآن.

مشاركة