تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

صناعة الأدوية بين سويسرا والهند اتفاق حُـرّ قد يتسبّب في تجرُّع عَلقم مُــرّ

(Keystone)

لا زال الغموض يلف مصير المحادثات الجارية منذ فترة بين سويسرا والهند في مجال الملكية الفكرية. ويبدو أن الخلافات التي لا زالت قائمة بين البلدين حول هذا الملف الشائك من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تعطل المفاوضات بشأن إبرام اتفاقية للتبادل التجاري الحر بين برن ونيودلهي.

في الواقع، انطلقت المحادثات بين الهند والبلدان الأعضاء في الرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر "إيفتا" [التي تضم كلا من سويسرا، والنرويج، وأيسلندا، وإمارة ليختنشتاين] منذ عام 2007. وفي شهر يناير الماضي، عبّر وزير الإقتصاد السويسري يوهان شنايدر-أمّان عن تفاؤله باقتراب البلدين من التوصل إلى اتفاق بعد سنوات طويلة من المفاوضات.

رغم ذلك، أعلنت كتابة الدولة السويسرية للشؤون الإقتصادية يوم الأحد 23 فبراير الجاري أن سويسرا قد أُعلمت من من طرف الجانب الهندي أنه من غير المتوقع ابرام الإتفاق في الأسبوع الأخير من شهر فبراير ذلك أنه ابتداء من بداية شهر مارس سيتم تحديد موعد لإجراء الإنتخابات التشريعية الهندية، ما يعني أن الحكومة الحالية لن تكون لديها السلطة الكافية لاتخاذ قرار على هذا القدر من الأهمية.

وفيما ينتظر الآن أن تتواصل المفاوضات على مستوى تقني، يجدر التذكير بأن من أبرز نقاط التجاذب في المحادثات حتى الآن تمثل في الضغط المسلط على الهند كي تُقر حماية أكبر لبراءات الإختراع وهي مسألة قد تُسهّل التوصل إلى اتفاق بين الجانبين أو تُؤدي إلى انهياره.    

تجدر الإشارة إلى أن شركات صناعة الأدوية السويسرية حريصة على توقيع اتفاق مع الهند بشروط مُرضية وإيجابية لها. في الأثناء، يتحدث مراقبون عن ممارسة الشركات السويسرية لضغوط مكثفة على الطرف الهندي في الآونة الأخيرة. وفي تصريحات لـ swissinfo.ch، قال توماس براونشفايغ، الذي يشرف على شؤون السياسة التجارية في منظمة "إعلان برن" غير الحكومية: "لقد طلبت [الشركات السويسرية] من الحكومة بذل المزيد من الجهود لتأمين مصالحها مشيرة إلى أن قطاع الصيدلة يوفر عددا كبيرا من فرص العمل في الكنفدرالية".

المطالب السويسرية

هناك مطلبان مُحددان تقدّم بهما قطاع صناعة الأدوية في سويسرا، لكن نيودلهي لازالت تقاومهما.

المطلب الأول يدعو إلى تعديل التشريعات الهندية المعارضة لتمديد الحماية لبراءات الإختراع المعروفة بـممارسة "evergreening"، المتمثلة في تسجيل المجموعات الصيدلانية لبراءات اختراع لمنتوج يحمل تعديلا طفيفا بهدف الإحتفاظ بالحق الإستئثاري (أو الإحتكاري) في الإستغلال لعقود إضافية. 

هذه النقطة الخلافية كانت في صميم القضية المرفوعة ضد شركة "نوفارتيس" في الهند، حيث رفضت المحكمة العليا الهندية في أبريل 2013 منح الشركة السويسرية براءة اختراع لنسخة جديدة من دواء "Glivec" المضاد للسرطان.

أما المطلب الثاني فيتعلق بمسعى كبريات شركات الأدوية السويسرية الخاص باعتماد شرط ما يسمى بـاحتكار البيانات الذي يقوض تسجيل النسخ النسيجة، حتى للأدوية الواقعة خارج براءات الاختراع. وهذا من شأنه أن يجبر شركات صناعة الأدوية النسيجة على تكرار التجارب السريرية، وأن يعزز من الاحتكارات التي يمكن أن تُبقي الأسعار مرتفعة.

الجانب الهندي رفض حتى الآن هذين المطلبين بما أنهما يتجاوزان ما تم القبول به في سياق مفاوضات متعددة الأطراف ضمن منظمة التجارة العالمية في إطار الإتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية "تريبس" (TRIPS).

اتفاقية "تريبس"

فيما يخص المنتجات الصيدلانية، تحدد اتفاقية "تريبس" معايير دنيا عالمية لحماية وتطبيق حقوق الملكية الفكرية، بما في ذلك براءات الإختراع. ومع ذلك، فإنها تمنح أيضا للبلدان قدرا من الحرية لتعديل اللوائح بهدف ضمان الوصول إلى الأدوية بأسعار معقولة.

مارسيل سينهاوزر، من جمعية "scienceindustries" التي تمثل الصناعة الكيماوية والصيدلانية والبيوتكنولوجية في سويسرا، قال في حديثه إلى swissinfo.ch: "رغم توقيعها على اتفاقية "تريبس"، تنتهك الهند التزاماتها الدولية".

واستطرد قائلا: "وما هو أكثر إزعاجا ويتناقض أيضا مع روح التجارة الحرة هو رفض الهند الاعتراف بأن استيراد منتوج ما يعتمد أيضا على قواعد براءة الإختراع. وبدلا من تسهيل وتشجيع التجارة، تفرض الهند على الشركات الأجنبية التوافق مع الإنتاج المحلي".

وكما هو معلوم، يُعتبر فقدان براءات الإختراع تهديدا مدمرا من الناحية المالية لهذه الصناعة.

ضغوط واشنطن

قطاع صناعة الأدوية السويسري ليس الجانب الوحيد الذي يصلب موقفه إزاء ما يُعتبر سياسات هندية تقييدية في مجال الملكية الفكرية. ففي الولايات المتحدة، تبذل غرفة التجارة الأمريكية جهودا حثيثة كي تمارس واشنطن ضغوطا كبيرة على الهند في هذا الصدد. وفي أوائل شهر فبراير 2014، دعت الغرفة السلطات الحكومية إلى تغيير تصنيف الولايات المتحدة للهند، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى فرض عقوبات تجارية عليها.

بعض النشطاء ينتابهم شعور بأن الضغط على الهند قد يهدد الإمدادات من الأدوية الجنيسة بأسعار معقولة.
وتقول لينا منغاني، المسؤولة عن حملة الوصول إلى الأدوية في منظمة "أطباء بلا حدود" في الهند: "لا ينبغي أن يفرضوا من خلال اتفاقية التجارة الحرة قواعد أكثر صرامة من "تريبس" في مجال الملكية الفكرية لأن هذا من شأنه أن يقوض قدرة الهند على توفير الأدوية الجنيسة بأسعار معقولة لفائدة المشاريع الطبية لـ "أطباء بلا حدود" والبلدان النامية".

والسؤال الآن: هل ستستفيد الهند من الاتفاقية مع رابطة التجارة الحرة الأوروبية؟ يعتقد عدد من الخبراء، ومن ضمنهم براونشفايغ وبعض المفاوضين السابقين الذين تحدثوا إلى swissinfo.ch شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أن المكسب الرئيسي الوحيد للهند هو ربما زيادة فرص الوصول إلى سوق الشغل السويسرية للعمالة الهندية الماهرة. ولكن هذا قد لا يكون سهلا.

المخاوف السويسرية من الهجرة

على الرغم من المفاوضات الصعبة مع الطرف الهندي، تظل الهجرة موضوعا سياسيا حساسا في سويسرا. ومع أن القوانين المنظمة للهجرة وتلك الخاصة بتصاريح الشغل للعمال المؤقتين قضيتان مختلفتان، إلا أن الهواجس الإجتماعية والإقتصادية والسياسية تلقي بظلالها على هذه المفاوضات، مثلما بدا ذلك واضحا من تصويت أغلبية بسيطة من السويسريين يوم 9 فبراير 2014 على مبادرة لحزب الشعب (يمين شعبوي) تدعو إلى الحد من "الهجرة المكثفة" من أوروبا، واعتماد نظام الحصص لكبح جماحها.

سوبارنا كارماكار من مؤسسة بوغيل البحثية الأوروبية التي تتخذ من بروكسل مقرا لها، قالت في تصريحات أدلت بها إلى swissinfo.ch قبل التصويت بأسابيع: "المفاوضون هم كائنات سياسية، وهم يقومون بشكل روتيني بالتهويل من حجم المخاوف الداخلية أو التقليل من شأنها. والهجرة ليست سوى إحدى الأمثلة على ذلك".

وتابعت ضمن السياق نفسه: "إن حركة الأشخاص ضمن اتفاقية التجارة الحرة ليست هي نفسها التي تطبق في مجال الهجرة. فشروط حركة مُوفري الخدمات الواردة في الإتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (الغات) تختلف في مضمونها عن تلك التي يتحدث عنها السياسيون". فتبعا للدائرة السياسية التي تتواجد فيها البلدان، يميل رجال السياسة إلى عدم التمييز بوضوح بين خط الهجرة الرفيع (سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة) وحركة الأشخاص المؤقتة التي يتم التفاوض بشأنها في إطار اتفاقيات التجارة الحرة.

كارماكار أوضحت أيضا أن تنقل الأشخاص في إطار الإتفاقيات التجارية تخص العمال ذوي المهارات العالية (وأحيانا ذوي المهارات المتوسطة) والذين يوظفون عموما لسد ثغرة في البلد المتلقي. ويُسمح لهم بالعمل على أساس مؤقت (عادة لمدة ثلاثة أعوام إلى خمسة كأقصى تقدير)، يجب إعادة التفاوض بعدها بشأن شروط الدخول.

وفي الوقت الحاضر، تحدد سويسرا الحصص لرعايا البلدان غير الأعضاء في الإتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر. وتبعا لتصويت 9 فبراير الجاري، سيتعين عليها وضع نظام لاعتماد الحصص لجميع الأجانب. وعادة ما تؤخذ بعين الإعتبار في عملية تحديد النسبة الحاجة للأيدي العاملة، وحجم النمو الإقتصادي، والطلب من قبل القطاعات الصناعية المعنية. 

وطبقا لتصريحات أدلت بها شخصية قريبة من المفاوضات إلى أسبوعية "سونتاغس تسايتونغ" (الصادرة يوم 23 فبراير 2014 بالألمانية في زيورخ)، فقد دفعت نتيجة التصويت الهند إلى سحب بعض التنازلات التي قدمتها بشأن عدد المختصين الهنود في مجال تكنولوجيا الإتصالات المؤهّلين للحصول على رخص عمل سويسرية.

في الأثناء، يقول مفاوضون سابقون إنه نظرا لصغر حجم الإقتصاد السويسري نسبيا، فإن أي اتفاق بشأن تصاريح الشغل لليد العاملة الهندية الماهرة لن تكون سوى قطرة في محيط، أخذا بعين الإعتبار الأعداد الهائلة المتاحة من المتخصصين الهنود.

أول قطاع تصديري في سويسرا

تمثل شركات صناعة المنتجات الكيماوية والصيدلانية والتكنولوجيا الحيوية السويسرية نسبة 40% من مجموع صادرات البلاد، ما يجعلها أول قطاع تصديري في الكنفدرالية.

في عام 2012، بلغ عدد موظفي القطاع 65000 عاملا، وهو يعتبر أحد أكبر موفر للوظائف في القطاع الصناعي، حسب جمعية "SCIENCESINDUSTRIES".

في عام 2013، ارتفع إجمالي الصادرات في هذه القطاعات الثلاثة بنسبة 2,5%.

في نفس العام، انخفضت الصادرات إلى الهند بنسبة 23,8%  لتصل إلى 700 مليون فرنك. ما يضع الهند في المرتبة 21، وهو ما يمثل 0,86% من مجموع الصادرات السويسرية من هذه القطاعات.

تقدر شركة أبحاث السوق "ديلويت" أن مبيعات السلع الصيدلانية المنتجة في الهند ستزيد بـ 14%  لترتفع إلى مبلغ 27 مليار دولار في عام 2016، بعدما كانت في حدود 23,6 مليار دولار في عام 2013.

نهاية الإطار التوضيحي

تنازلات

هناك أيضا مخاوف من أن أي اتفاق جديد يُتيح للأجانب إمكانية أكبر للوصول إلى سوق العمل السويسرية يعني أن برن سوف تضطر إلى توسيع نطاق معايير مماثلة في اتفاقيات التجارة الحرة مع أطراف أخرى. وحتى الآن، تفاوضت الكنفدرالية حول أزيد من 30 اتفاقية من هذا القبيل.

كارماكار ترفض هذه المخاوف، قائلة: "بمجرد تقديم التنازلات على الصعيد الثنائي، لا يعني ذلك أن نطاقها سيتسع تلقائيا ليشمل باقي الشركاء في اتفاقية التجارة الحرة. سينبغي التفاوض حول أيّ تنازل بشكل منفصل مع كل شريك. وغالبا ما يتم التفاوض بشأن العديد من الإتفاقيات في ضوء تنازلات جديدة، بالتوازي مع تطور التجارة الثنائية، ويحدث هذا في معظم الأحيان أيضا على مستوى الرسوم الجمركية".

وهناك تصور متزايد بين الخبراء الذين تحدثت إليه swissinfo.ch بأن الهند ليست في عجلة من أمرها لإبرام الصفقة، ولا للإستسلام لأي نوع من الضغوط. فباستطاعة الهند إسماع صوتها في محافل متعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية.

عموما، تحلت الهند بالحذر في تنفيذ سياستها التجارية، ويعتقد البعض أنها كانت محقة في ذلك. وفي هذا السياق، أكد جون-بيير ليمان، الأستاذ الفخري في علوم الإقتصاد السياسي الدولي بالمعهد الدولي للتنمية الإدارية في لوزان IMD" أن "لدى الهند دور قوي ومؤثر في صنع السياسات التجارية العالمية".

  

وقال ليمان لـ swissinfo.ch: "رغم أنه يتعيّن على الهند الدفاع عن مصالحها الوطنية، فإنه ينبغي عليها أيضا أن تعترف بوجود نقطة تتلاقى فيها المصالح الوطنية بالمصالح العالمية. وستأوي الهند قريبا أكبر ساكنة في العالم، كما أن لديها بعد أكبر عدد من الشباب في العالم، لذلك فإن السياسية الصحية بطبيعة الحال تشكل أولية في غاية الأهمية بالنسبة للحكومة الهندية". وأضاف ليمان أن الأمر متروك للبلدان المتقدمة مثل سويسرا لـ "تعزيز السياسات التجارية التي هي مواتية للتنمية والتقارب".

المفاوضات مع "إيفتا"

انطلقت المحادثات الهادفة إلى إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والدول الأعضاء في الرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر "إيفتا" في عام 2007.

تقدم دول ايفتا للهند 13 مليون من العملاء، في مقابل الوصول إلى سوق متنامية يزيد حجمها بـ 100 مرة تقريبا.

بلغ حجم التجارة الثنائية بين الهند وبلدان "إيفتا" 34,48  مليار دولار في عامي 2012- 2013 ، مقابل 37,5 مليار دولار عامي 2011-2012.

اتخذت النرويج، عضو رابطة التجارة الحرة الأوروبية، نهجا مختلفا عن سويسرا، في مجال حقوق الملكية الفكرية.

في عام 2009، قالت كاتبة الدولة للتجارة والصناعة آنذاك، ريكي ليند، إن النرويج ليس لديها سياسة لإجبار البلدان النامية على قبول اتفاق من شأنه أن يقلل القدرة على المناورة السياسية في مجال الملكية الفكرية، والذهاب أبعد من التزاماتها المتعددة الأطراف.

في رد إلكتروني على أسئلة swissinfo.ch، قال كبير المفاوضين النرويجيين في إيفتا، إريك أندرياس أوندرلاند: "عادة ما تضع إيفتا شروطا بشأن حقوق الملكية الفكرية في اتفاقات التجارة الحرة، ولكن مستوى الطموح يختلف. وسنكون على استعداد لإغلاق المفاوضات مع الهند بغض النظر عن نتائج مفاوضاتها مع أيسلندا وليختنشتاين وسويسرا حول حقوق الملكية الفكرية".

نهاية الإطار التوضيحي

"إيفتا" قبل الاتحاد الأوروبي؟

في عام 2007، انطلقت المفاوضات بين الهند والاتحاد الأوروبي أيضا لإبرام اتفاقية للتبادل التجاري الحر، إلا أنه من المرجح أن يتم التوقيع على الإتفاق مع الرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر "إيفتا" أولا.

وقالت سوبارنا كارماكار من معهد بروغيل في بروكسل: "أعتقد أن الهند تتبع النهج الصحيح في التفاوض مع إيفتا حول اتفاق التجارة الحرة قبل اتفاقية التجارة الحرة مع الإتحاد الأوروبي، فالتعامل مع مجموعة من أربع دول أسهل بكثير من التعامل مع مجموعة من 28 بلدا. فمن المنطقي معرفة كيف يشتغل اتفاق يُبرم مع شريك صغير قبل تمديد قائمة التنازلات لتشمل شريكا أكبر بكثير".

نهاية الإطار التوضيحي


(ترجمته من الإنجليزية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×