Navigation

ما الذي يتعلّمه السويسريون من الفنلنديين لمحاكمة جرائم الحرب في ليبيريا؟

شهدت الحربان الأهليتان اللتان كانت ليبيريا مسرحا لها ارتكاب جرائم خطيرة من جميع الأطراف المشاركة فيها. ومع أنه لم تُعقد حتى الآن أي محاكمات تتعلق بجرائم الحرب المرتكبة في هذا البلد الافريقي إلا أن دولا أوروبية بما في ذلك سويسرا تجري محاكمات لبعض الأفراد وفقا لمقتضيات مبدإ الولاية القضائية العالمية. Keystone / Nic Bothma

بعد مرور أكثر من خمس سنوات على اعتقاله، يُحاكم زعيم سابق لفصيل من المتمردين الليبيريين في سويسرا بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وعلى الرغم من اعتبار المحاكمة إنجازاً تاريخياً، فقد تمّت في فنلندا إجراءات مماثلة بوتيرة أسرع بكثير. فما الذي قامت به المحكمة الفنلندية بشكل مختلف؟ وهل كان من الممكن أن يكون النهج السويسري بشأن المحاكمة أكثر كفاءة؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 مارس 2021 - 11:00 يوليو,

في تسعينيات القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين، كان للحروب الأهلية المتداخلة تداخلاً وثيقاً في كل من ليبيريا وسيراليون المجاورة في غرب افريقيا، أثر تدميري على هذه المنطقة. لقد خلّفت هذه الحروب مئات الآلاف من القتلى، وملايين المشردين، وتميزت بارتكاب فظائع شملت عمليات بتر أعضاء المدنيين والتمثيل بهم، والاغتصاب الممنهج، وأكل لحوم البشر، واختطاف الأطفال لتجنيدهم في الحروب.

في ظل غياب العدالة الوطنية لضحايا جرائم الحرب الأهلية في ليبيريا، قامت المنظمات غير الحكومية بمساعدة هؤلاء الضحايا وذويهم على رفع قضاياهم وتقديمها إلى العدالة في بلدان أخرى - بما في ذلك سويسرا وفرنسا وفنلندا وبلجيكا - وذلك بموجب مبدأ "الولاية القضائية العالمية" (انظر الإطار أدناه).

تم الدفع بهذه القضايا إلى القضاءيْن السويسري والفنلندي من قبل منظمة غير حكومية سويسرية تتخذ من جنيف مقراً لها، وهي "سيفيتاس ماكسيمارابط خارجي"، بمؤازرة شريكتها الليبيرية، منظمة "مشروع العدالة والبحث العالمي". فبعد انقضاء ما يقرب من عشرين عاماً على ارتكاب جرائم حرب وجرائم مزعومة ضد الإنسانية، يخضع أليو كوسياه، وهو زعيم سابق لمجموعة من المتمردين الليبيريين للمحاكمة في سويسرا. وفي الوقت نفسه، يُحاكم جبريل ماساكوي، قائد متمردي الجبهة الثورية المتحدة السيراليونية السابقة في فنلندا.

يقول آلان فيرنر، مدير "سيفيتاس ماكسيما"، إن كلتا المحاكمتين تاريخيتان، وينبغي تهنئة المحكمتين على عزمهما المضي قدماً فيهما، لا سيما وسط الجائحة الناجمة عن فيروس كورونا، مع اتخاذ جميع اجراءات السلامة المفروضة. "حتى اليوم، وبعد ما يقرب من عشرين عاماً من نهاية الحرب الأهلية، لم تُجرَ أي محاكمات لجرائم الحرب للجناة الليبيريين المزعومين في ليبيريا أو في أي مكان آخر. إنها المرة الأولى". ويضيف قائلاً: "أعتقد أن ذلك له أهميته بالنسبة لليبيريا ولشبه الإقليم بأكمله".

حدث تاريخي في سويسرا

المحاكمة هي أيضاً الأولى من نوعها بالنسبة لسويسرا؛ إذ ستكون هذه المرة الأولى التي تحكم فيها محكمة سويسرية غير عسكرية في جريمة دولية. أما كوسياه المحتجز في سويسرا منذ شهر نوفمبر 2014، فهو متهم بارتكاب جرائم عديدة مختلفة، بما فيها قتل مدنيين والمعاملة التعسفية للمدنيين وعمليات الاغتصاب وتجنيد الأطفال أثناء الحرب الأهلية الأولى في ليبيريا من 1989 إلى 1996.

في الواقع، كان من المقرر أساساً أن تبدأ هذه المحاكمة في شهر أبريل 2020، ولكن تم تأجيلها بسبب جائحة كوفيد - 19. وبعد أن انطلقت أخيراً في شهر ديسمبر من العام المنصرم، تم العمل بها على مرحلتين. وحالياً تتم الاجراءات المتعلقة بأهم هاتين المرحلتين، مع إفادات من حوالي خمسة عشر ضحية وشاهد تم نقلهم جواً من ليبيريا إلى سويسرا.

في الوقت نفسه، بدأت محاكمة مماثلة في فنلندارابط خارجي، حيث اُتّهم ماساكوي بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيريا بين عامي 1999 و2003. آنذاك، كانت لبعض قادة الجبهة المتحدة الثورية في سيراليون علاقات وثيقة مع الحكومة الليبيرية التي كانت بقيادة تشارلز تيلور، (وهو مجرم حرب مدان لارتكابه جرائم في سيراليون). وتم اعتقال ماساكوي في فنلندا في مارس 2020، على إثر تحقيقات تتعلق بجرائمه كانت قد أجريت منذ عام 2018.

لم تكتسب هذه القضية المعقدة المتعلقة بالولاية القضائية العالمية أهميتها فقط بسبب الفترة القياسية لتقديمها إلى المحاكمة، ولكن أيضاً لأن ممثلي المحكمة الفنلندية قاموا بالسفر إلى ليبيريا، لزيارة المواقع والحصول على الأدلة؛ مما يُعتبر نهجاً مبتكراً. ولا يزال ممثلو المحكمة اليوم متواجدين على الميدان يتابعون تحقيقاتهم، وسيتوجّهون لاحقاً إلى سيراليون للاستماع إلى الضحايا والشهود.

ما هي الولاية القضائية العالمية؟

تسمح الولاية القضائية العالمية للدول بمقاضاة غير مواطنيها على الجرائم الدولية المرتكبة في أيّ مكان من العالم (الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب). وتُعتبر هذه الجرائم من أخطر الجرائم التي لا تسقط بمرور الزمن.

تُعتبر هذه القضايا ومثيلاتها معقدة وقد تتطلب تحقيقات في أماكن بعيدة يصعب الوصول إليها. ولكن وفقاً لأحدث تقرير سنوي بشأن الولاية القضائية العالميةرابط خارجي أصدرته منظمة "ترايل إنترناشونال" السويسرية غير الحكومية، فإن مثل هذه القضايا آخذة في الازدياد حول العالم. في أوروبا، يستخدم عدد من الدول بشكل متزايد مبدأ الولاية القضائية العالمية، لمقاضاة الجرائم الدولية، خاصةً عند تعذّر وجود عدالة وطنية للنظر فيها في الدولة المعنية. هذا هو الحال لا سيّما في سوريا، وأيضاً في ليبيريا.

أدرجت سويسرا مبدأ الولاية القضائية العالمية في تشريعاتها الوطنية في عام 2011. ولدى مكتب المدعي العام الفدرالي، المسؤول عن التحقيق في هذه القضايا، العديد من القضايا الجارية، لكن الليبيري أليو كوسياه، الذي تم اعتقاله في سويسرا في نوفمبر 2014، هو أول من قُدّم للمحاكمة. كما تحتجز سويسرا وزير الداخلية الغامبي السابق عثمان سونكو، الذي تم اعتقاله في نوفمبر 2017، بينما يحقق مكتب المدعي العام الفدرالي في مزاعم ضده بالقيام بعمليات تعذيب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

تقول المنظمات غير الحكومية إن سويسرا بحاجة إلى تسريع وتيرة المحاكمات المتعلّقة بتلك القضايا. ويشاع أن مكتب المدعي العام الفدرالي يُعاني من نقص الموارد للقيام بالتحقيقات في جرائم الحرب، لا سيما بالمقارنة مع دول مثل فرنسا وألمانيا، اللتين أنشأتا أيضاً وحدة مشتركة للعمل معاً في بعض القضايا.

End of insertion

الاتجاه السويسري المحافظ

تجري المحاكمتان في نفس الوقت، مما يفتح المجال لإمكانية المقارنة بينهما. ويقول تييري كروفيلييه، محرر موقع justiceinfo.netرابط خارجي التابع لـ"مؤسسة هيرونديلرابط خارجي" وهي منظمة سويسرية غير حكومية (من أجل الشفافية، لكاتبة هذه المقالة أيضاً إسهامات في هذا الموقع)، إنه من السابق لأوانه مقارنة نتائج المحاكمات، لكنه يضيف أن مراحل التي سبقت إجراء المحاكمتين سلطت الضوء على "نهجيْن مختلفيْن في العمل والوتيرة".

لقد استغرق عمل الفنلنديين حوالي عامين ونصف منذ بدء التحقيقات، قبل تقديم القضية إلى المحاكمة بعد عام واحد فقط من اعتقال ماساكوي، في حين استغرق عمل السويسريين في قضية كوسياه فترة زمنية أطول. علاوة على ذلك، سافر المحققون الفنلنديون إلى ليبيريا عدة مرات، الأمر الذي لم يقم به المحققون السويسريون على الإطلاق. كما تعقد المحكمة الفنلندية الآن جزءاً مهماً من إجراءات المحاكمة في ليبيريا. ويقول كروفيلييه، الموجود حالياً في ليبيريا لمتابعة سير المحكمة الفنلندية: "هذا يضع السويسريين في موقف مخجل بعض الشيء أو على الأقل، يثير تساؤلات جدية حول حالات التأخير في الاجراءات وادعائهم عدم تمكنهم من التحقيق في ليبيريا".

وبعد طرح هذه التساؤلات على مكتب المدعي العام الفدرالي، الذي يتولى التحقيق والمقاضاة، كان الجواب: "نظراً لاختلاف الأطر والأنظمة القانونية، فإننا نحجم عن المقارنات مع الدول الأخرى. بشكل عام، يتابع مكتب المدعي العام عن كثب التطورات في القانون الجنائي الدولي على مستوى الدول وعلى مستوى المحاكم الدولية".   

النموذج الفنلندي؟

في السياق، يقول كروفيلييه إن إجراءات السويسريين لا تتصف وحدها بالبطء؛ فلدى البلجيكيين أيضاً قضية تتعلق بجرائم الحرب في ليبيريا، ورغم مرور ما يقرب من سبع سنوات على فتح التحقيق، لم يتم الشروع بالمحاكمة بعدرابط خارجي. فقط الفرنسيون، الذين يحققون مع ليبيري تم اعتقاله في عام 2018رابط خارجي، أجروا أيضاً تحقيقاتهم على الأرض مثل الفنلنديين.

من جهته، يقول فيرنر، الذي يُتابع سير المحاكمة في المحكمة السويسرية، "لكل بلد منهجه"، لكنه يوافق على أن العملية الفنلندية "متطورة"، وأنها "نموذج للوتيرة السريعة والكفاءة". كما يعتبر أن الذهاب إلى الميدان يسمح بإلمام أفضل بحيثيات القضية.

"لقد كان هذا هو النهج الفنلندي منذ البداية"، وفقاً لكروفيلييه. لقد سمح للمحكمة بالتعرف على المواقع المتعلّقة بالقضية وظروف المعيشة المحلية. في أسبوعهم الأول في ليبيريا، قام المحققون الفنلنديون بزيارة مواقع الجريمة المزعومة في أقصى شمال ليبيريا، بالقرب من الحدود مع سيراليون. على الرغم من اختفاء الأدلة التي خلّفتها الحرب، إلا أنهم يعتبرون أن هذه التجربة ساعدتهم على فهم القضايا التي يحققون بشأنها بشكل أفضل، لا سيما عندما قاموا بالاستماع إلى حوالي خمسين شاهداً في العاصمة الليبيرية مونروفيا.

أثر المحاكمات في ليبيريا

في غضون ذلك، تواصل المحكمة الجنائية الفدرالية في مدينة بيلينزونا، عاصمة كانتون تيتشينو جنوب سويسرا  جلسات الاستماع لنحو خمسة عشر من الضحايا والشهود الليبيريين. ولكن ما هو أثر هذه المحاكمات في ليبيريا؟

بين عاميْ 2005 و2010 كانت هناك في البلد لجنة للحقيقة والمصالحة، أوصت بإنشاء محكمة جرائم حرب وطنية. ومع استمرار وجود أشخاص في السلطة، يُزعم أنهم مرتبطون بالفظائع التي ارتكبت خلال الحروب الأهلية، فإن إنشاء هذه المحكمة لم يتحقق أبداً، فلا تزال للموضوع حساسيته من الناحية السياسية. يقول كروفيلييه: "ورغم ذلك فإن النقاش حول هذه القضايا اكتسب المزيد من الزخم في العامين الماضيين"، ويُمكن القول أن "هذه المحاكمات الأوروبية أضفت معنى جديداً على النقاش"، على حد قوله.

يوافق فيرنر على ذلك. ويقول: "أعتقد أن هذه المحاكمات أعادت طرح قضية كيفية تعامل ليبيريا مع جرائم الحروب الأهلية ومسألة الإفلات من العقاب على الطاولة"، مشيرا إلى أن "الشهود الليبيريين الستة الذين أدلوا بشهاداتهم في سويسرا مؤخرا صرّحوا جميعاً للقضاة السويسريين بأنهم أدلوا بشهاداتهم لأنهم توّاقون إلىتحقيق العدالة".

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.