تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مستثمرون جدد في الأفق البنوك الأجنبية في سويسرا تحزم أمتعتها

(Mark Henley)

تَعرَّض القطاع المصرفي الأجنبي في سويسرا خلال الأعوام الأخيرة إلى موجة من صفقات الإستحواذ والإندماج المصرفي أو حتى إنهاء الخدمات والخروج من البلاد. ومع رحيل هؤلاء، تُرشح التنبُّـؤات حلول لاعبين رئيسيين من الصين والبرازيل محلّهم.

إنخفض عدد المصارف المَملوكة لجهات أجنبية في سويسرا من ذروة بلغت 162 مصرفاً في عام 2009 إلى 121 في نهاية شهر مايو 2014. ومن المُرَجَّح أن يَحزم كل من بنك لويدز Lloyds (أكبر بنك تجزئة بريطاني) ومصرف أي بي أن أمرو ABN Amro الهولندي ومجموعة سانتاندر Santander المصرفية الإسبانية ومجموعة آي أن جي ING (الهولندية المتعددة الجنسيات للخدمات المصرفية والمالية)، حقائبهم في المستقبل المنظور.

وشَهِد هذا التوجه إستمراراً في شهر يوليو الماضي، مع إعلان مجموعة الخدمات المصرفية السويسرية الخاصة يوليوس بيرJulius Baer عن شراء الأصول المصرفية الخاصة بِبَنك لويمي رابط خارجيLeumi الإسرائيلي، وانتقال عملاء فرع لويمي السويسري إليها، وتصريح بنك إسبيريتو سانتو Espirito Santo البرتغالي الخاص عن إستبدال أعضاء من الأسرة المالكة للبنك في مجلس الإدارة. فضلاً عن ذلك، تبحث مجموعة ستاندارد تشارترد Standard Chartered للخدمات المصرفية والمالية البريطانية المتعدّدة الجنسيات عن مشترٍ لعملياتها السويسرية.

ولا يأخذ الرقم الذي يؤشر الإنخفاض الحاصل في البنوك الأجنبية في سويسرا بعين الإعتبار العديد من عمليات التشغيل في الخارج التي باشرت في تقليص حجم أنشطتها السويسرية، مثل بنك أتش أس بي سي HSBC (البنك الأجنبي الخاص الأكبر في سويسرا من حيث الأصول المُدارة)، الذي قام ببيع 10 مليارات فرنك سويسري (11 مليار دولار) من الأصول المُدارة للحرفاء الأثرياء إلى مجموعة أل جي تي غروب LGT Group المُتخصّصة بإدارة الأصول والثروات المَملوكة من قِبَل مؤسسة أمير ليختنشتاين.

وتأمل جمعية البنوك الأجنبية في سويسرا (AFBS) بأن تملأ بنوك البرازيل والصين وسنغافورة بعض الثغرات الناجمة عن خروج اللاّعبين الأجانب من الولايات المتحدة وأوروبا، مع ظهور المؤشرات الأولى التي تَدعم هذا التوقع.

وفي شهر أبريل الماضي، وافقت مجموعة صفرا البرازيلية، التي إستحوذت على بنك ساراسين السويسري من مجموعة رابوبنك الهولندية في عام 2011، على صفقة تقضي بتوليها العمليات المصرفية لمؤسسة مورغان ستانلي الأمريكية العملاقة في مقراتها السويسرية. وتلا ذلك في شهر يوليو المنصرم، إعلان شركة بي تي جي باكتوال BTG Pactual البرازيلية المتعدّدة الجنسيات للخدمات المصرفية، ومقرها في البرازيل أيضاً، الاستحواذ على العمليات المصرفية الخاصة لبنك بي أس آي BSI الإيطالي (التابع لشركة جنرالي).

وفي هذا السياق، يقول مارتين ماورر، الأمين العام لجمعية المصارف الأجنبية في سويسرا (AFBS) "تتردد إلينا شائعات أيضاً حول تخطيط البنوك الصينية والسنغافورية للمجيء إلى هنا". ويضيف "وصلَت بعض البنوك العاملة في الاقتصادات الناشئة الآن إلى الحجم الذي يمكنها من التوسع في أسواق جديدة. وتُعتَبر سويسرا مركزاً جذاباً للراغبين بتنويع عملياتهم باتجاه الخدمات المصرفية الخاصة".

الشكوك ما زالت قائمة

وبهذا الصدد، تعزّزت التكهُّنات التي تتوقّع قدوم البنوك الصينية إلى الكنفدرالية، جرّاء توقيع البنك المركزي الصيني والبنك الوطني السويسري لإتفاقية لتبادل "الرنمينبي" بقيمة 150 مليار يوان/21 مليار فرنك سويسري (24.4 مليار دولار أمريكي) في 21 يوليو الماضي. وسوف تتمثل الخطوة التالية لطموحات سويسرا في أن تصبح مركزاً تجارياً لتداول للرنمينبي، بإنشاء بنك صيني على التراب السويسري.

على صعيد آخر، يتوقع مارتن شيلينغ، مدير الخدمات المالية في الفرع السويسري لشركة برايس ووتر هاوس كوبرزرابط خارجي PricewaterhouseCoopers العالمية الرائدة في تقديم الخدمات المِهنية، ظهور المزيد من الضحايا في صفوف المؤسسات المالية الأجنبية في الكنفدرالية. وحَسب شيلينغ، سارت عملية إدماج البنوك الأجنبية في سويسرا بوتيرة أسرع من تلك التي لوحظت مع اللاعبين المحليين.

"كان الحديث كله يدور حول موجة كبيرة من الإندماجات في القطاع المصرفي السويسريرابط خارجي، ولكن هذا لم يكن الحال في الواقع"، كما أخبر شيلينغ swissinfo.ch، مُضيفاً "حدث التقلّص الأكبر إلى حدٍّ بعيد من قِبل البنوك الأجنبية، وهو اندماج جاء مُحقِّقاً للتوقّعات. قد تكون هناك المزيد من الصفقات [عمليات الدّمج أو الاستحواذ] في الأسابيع والشهور والأعوام القادمة".

البنوك المدعومة عربياً

خالَف العدد المتواضع من البنوك المدعومة عربياً في سويسرا مَنحى البنوك الأجنبية في حَلّ أعمالها أو تقليص حجم عملياتها السويسرية.

ومن أصل الفروع السويسرية العشرة (10) للمجموعات المصرفية العربية الناشطة إبان إندلاع الأزمة المالية في عام 2008، لم يُغلَق سوى بنك فيصل الخاص، المدعوم من البحرين في جنيف بعد أربعة أعوام، إثر غزوة سيّئة الحظ في سوق عقارات الولايات المتحدة وأوروبا الشرقية، فشل بعدها بالوفاء بالحدّ الأدنى من متطلّبات رأس المال التي تشترطها الجهات التنظيمية السويسرية.

وفي الواقع، كان بنك فالكون Falcon Private Bank للخدمات المصرفية الخاصة، المملوك من أبوظبي في جنيف، مشغولاً بالتوسّع من خلال استِحواذه على الأصول من بنك هيبّو سويس Hyposwiss المتخصّص في إدارة الثروات الخاصة، وشرائه للعمليات الأوروبية لبنك كلاريدان ليو ClaridenLeu من مصرف كريدي سويس.

ولم تتاثر البنوك السويسرية المدعومة عربياً - التي تركز بصورة رئيسية على إدارة الثروات - بفضائح التهرّب الضريبي، التي أثرت على بعض البنوك مباشرة، أو تشكِّل مصدراً للقلق عند آخرين، وفقا لنصري مُلحمة، مستشار البنك العربي في سويسرا.

"العملاء العرب ليسوا هنا لتجنّب الضرائب، وعادة ما تكون المعدّلات الضريبة مُنخفِضة جدا أو معدومة في دولهم"، كما قال الرئيس التنفيذي السابق للبنك العربي في جنيف لـ swissinfo.ch.

"إنهم يأتون [بأموالهم] في المقام الأول، بغية الإستفادة من الاستقرار السياسي في سويسرا. إذا كنت تبحث عن ملاذ آمن لأصولك خلال فترات تتصف بعدم اليقين، فسوف تبقى سويسرا الوجهة المفضلة".

بالإضافة إلى ذلك، مثلت مدينة جنيف مقصداً تقليدياً مفضلاً للأثرياء العرب، مع لغتها الفرنسية، وما تتمتع به من مستوى معيشي عال، وأهميتها المتنامية كمركز دولي لتجارة السلع. وكان هذا التوجه قد بدأ إبان سبعينيات القرن الماضي، مع تدفّق النفط من الشرق الأوسط وافتقار المنطقة إلى نظام مصرفي مُتقدّم.

نهاية الإطار التوضيحي

في الأثناء، تجد كل من البنوك الأجنبية والمحلية في سويسرا نفسها محاصَرة من ثلاث جهات: تداعيات الأزمة المالية وما تَرَتَّب عنها من ضائقة إقتصادية، أضعفت الأسواق والرغبة في المخاطرة لدى العملاء، والحملة العالمية ضد التهرّب الضريبي التي خلقت سيْلاً من المشاكل القانونية وتكلفة تطبيق القوانين واللوائح التنظيمية الجديدة بالشكل الذي يُقلل من مخاطرها على الإقتصاد.

المصاعب الخارجية

ويبدو أن البنوك الأجنبية في سويسرا قد تأثرت بشكل خاص من هذه الظروف السلبية. وقد دفع البعض منها ببساطة ثمن استخدام السرية المصرفية لتوفير "خزنة" بعيدة عن الوطن في سويسرا للأصول غيْر المُعلن عنها، بُغيَـة التهرب الضريبي.

وكان فرع بنك لويمي الإسرائيلي في زيورخ، واحداً من نحو 14 بنكاً وُضِعَوا رهْن تحقيق جنائي صارِم من قِبل وزارة العدل الأمريكية، بتهمة مساعدة المتهرِّبين من الضرائب.

وإضطرت بنوك أخرى إلى اللجوء للبيع، نتيجة ظروف التداول السلبية التي أبادت الأرباح. ويبدو أن بنك إسبيريتو سانتو Espirito Santo (ثالث أكبر بنوك البرتغال) وجد نفسه محاصَراً بين نتائج التداول السيِّئة من جهة، واعتقال مؤسّس البنك ورئيسه السابق ريكاردو إسبريتو سانتو سيلفا سالغادو في البرتغال، في إطار التحقيق في التهرب الضريبي وتبييض الأموال من الجهة الأخرى.

ولكن، ووفق مارتن شيلينغ، يعود السبب الرئيسي في خروج أو تقليص الكثير من البنوك الأجنبية لحجمها في الكنفدرالية، إلى عدم تمثيل عملياتها في سويسرا، إلّا لجزء مُتخصّص صغير من مُجمل العمليات التجارية للمجموعة المصرفية.

"مع تنامي الضغوط التنظيمية والاقتصادية، قرّرت بعض المجموعات المصرفية الدولية التخلّص من أجزاء من عملياتها، لم تُعتَبَر أساسية في محافظها"، كما أخبر شيلينغ swissinfo.ch.

مشهد متغير

وقد أجبرت الأزمة المالية العالمية جميع البنوك على خَفض نفقاتها وإعادة تقييم استراتيجياتها. ومع مواجهة الأرباح المُنخفِضة (والخسائر الكبيرة في الغالب) ومَطالب المُنَظمين بِتَحسين السيطرة على المخاطر من خلال توفير احتياطيات أكبر لرأس المال، وَجدت العديد من الشركات المتعدّدة الجنسيات نفسها مُلزَمة بالتوقّف عن تشغيل أجزاءٍ واسعة من أعمالها، بسبب عدم تحقيقها للإيرادات الكافية التي تُبَرِّر استمرارها.

وبالإضافة إلى المخاطر القانونية والأضرار المُحتمَلة بالسُّمعة، نتيجة تحقيقات التهرّب الضريبي، اعتبر بعض المسؤولين التنفيذيين أن فروعهم المصرفية الصغيرة في سويسرا، أصبحت تشكل بذخاً فاخراً يستحيل استمراره. مع ذلك، يشعر مارتن ماورر بالثقة من إستقرار قطاع البنوك الأجنبية في سويسرا في نهاية المطاف وازدهارها ثانية في المستقبل.

"قد يدفعكم النَظَر إلى إتجاه الإندماج الحاصل على مدى العامين الماضيين، إلى استنتاج انعدام وجود أي بنوك أجنبية في سويسرا في غضون خمسة أعوام، ولكن الأمر ببساطة لن يكون كذلك"، كما أخبر swissinfo.ch . "بالتأكيد سيكون عدد البنوك الأجنبية أقل مما كانت عليه في الماضي، ولكنها ستكون أكبر ومن مناطق جغرافية مختلفة".


وصلات

×