هل حقا السويسريون عمال مجتهدون؟

الأخلاق البروتستانتية؟ تشتهر ثقافة العمل السويسرية بالجديةو المثابرة. Keystone / Mint Images

يشتهر السويسريون بكونهم شعب مجتهد، يحترم المواعيد، ويحرص على الدقة والإتقان في العمل. ولكن هل تصمد هذه الصورة أمام الاختبار في الواقع؟ نظرها إلى البيانات المتوفّرة وقارناها مع بلدان أخرى.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 يوليو 2020 - 11:00 يوليو,

مقارنة مع بلدان أخرى، السويسريون يعملون أقل

جمع باحثون من جامعة غرونينغن في هولندا بيانات توضّح عدد ساعات العمل لكل موظّف عبر البلدان والقارات. ووفقا للمقارنات الدولية التي قاموا بها، يبدو واضحا أن السويسريين يعملون أقلّ من غيرهم.

محتويات خارجية

هنا، لا تخرج سويسرا عن الاتجاه العالمي: كلما ارتفع مستوى الدخل، لكما انخفض وقت العمل. هذا، بصرف النظر عن بعض الاستثناءات الواضحة – في سنغافورة وهونغ كونغ، على سبيل المثال، حيث ورغم متوسط الدخل المرتفع، فإن ساعات العمل تشبه الصين إلى حد بعيد.

وتبرز في هذه المقارنة كذلك الولايات المتحدة: على الرغم من الاختلاف الطفيف في مستوى الدخل بين البلديْن، يعمل الموظفون الأمريكيون في المتوسط أكثر بكثير من الموظفين السويسريين.

 ويعود سبب هذه الظاهرة في الأغلب الأعم إلى كون الموظفين في سويسرا يتمتعون بإجازات مضمونة بموجب عقود قانونية – فهناك على الأقل أربعة أسابيع مدفوعة الأجر منصوص عليها في عقود العمل، وهذا ليس هو الحال في الولايات المتحدة.

ومع ذلك، لا يرغب السويسريون في تعزيز هذا الامتياز والمضي به إلى أكثر من أربعة أسابيع. ولقد أصيبت وسائل الأعلام الدولية بالدهشة حينما رفض السويسريون مقترح "ستة أسابيع للجميع" في استفتاء عام في عام 2012.

من خلال المقارنة الأوروبية، السويسريون بدوام كامل يقضون فترة أطول في العمل

ونظرا لكون الأرقام السنوية تعتمد على مستويات الدخل والشروط القانونية للإجازات مدفوعة الأجر، فإن الخطوة المنطقية التالية هي مقارنة سويسرا بالدول المماثلة لها على هذا المستوى- ونعني البلدان الأوروبية.

غير أن الصورة في النهاية تتوقّف إلى حد كبير على أشكال وطرق القياس المستخدمة.

أوّلا، يمكننا إلقاء نظرة على رسم بياني يوضّح متوسّط ساعات العمل الأسبوعية للموظفين بدوام كامل عبر مختلف الدول الأوروبية. وتعرض الاحصائيات أسبوع عمل "عادي" ولا تتوقّف على عدد أيام الإجازات مدفوعة الأجر في كل دولة.

محتويات خارجية

وخلافا للصورة التي تتضح من خلال المقارنة الدولية، نرى هذه المرة سويسرا - مع معدل 42 ساعة و24 دقيقة عمل في الأسبوع- بوضوح في أعلى القائمة. الرسم يظهر فقط عددا محدودا من البلدان التي تعمل ما يضاهي 40 ساعة في الأسبوع هي أيسلندا ورومانيا وبريطانيا ومالطا ولكسمبورغ. حتى الألمان- الذين لا يشتهرون بالكسل- يعملون أقل بكثير من جيرانهم في جنوب جبال الألب.

وعلى الرغم من أن الثروة المتراكمة على مدى العقود الماضية أدت إلى نمو الطلب على وقت الفراغ في سويسرا، فإن انخفاض ساعات العمل في الكنفدرالية كان أقل منه في بلدان أخرى مشابهة.

ويشرح جان إيجبرت ستورم، أستاذ الاقتصاد في المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ ورئيس معهدُ دراسات الأوضاع الاقتصادية (KOF) قائلا: "الثقافة السويسرية هي ثقافة عمل، ومن وجهة نظر معينة، لاتزال تتميز بالنفعية والبراغماتية إلى حد بعيد. ويُنظر إلى العمل الشاق على أنه معيار الجودة العالية".

الكثيرون (النساء على وجه الخصوص) يعملون بدوام جزئي

لكن الاحصائيات العالمية لا تأخذ في الاعتبار فقط العاملين بدوام جزئي، بل تشمل جميع العمال. وعندما ننظر إلى الوضع الأوروبي، العمل بدوام كامل وبدوام جزئي، خلص إلى شيء أقرب إلى ما ظهر في الرسم الأوّل.

محتويات خارجية

وبمجرد إدراج العاملين بدوام جزئي، تنخفض ساعات العمل الأسبوعية الفعلية في سويسرا إلى 35 ساعة و36 دقيقة- مما يجعلها ضمن الفئة الدنيا من البلدان الأوروبية.

ما سبب ذلك؟ هل أن معظم العمال السويسريين يشعرون أن أسبوع العمل الذي يمتد 42 ساعة هو أطول مما ينبغي؟ ألا يشتهرون بأنهم عمال مجتهدون؟

في الواقع، وبالمقارنة على المستوى الأوروبي، نجد في سويسرا، نسبة كبيرة من العمال يعملون وفق دوام جزئي. ولكن هناك أيضا فجوة واضحة بين الجنسيْن: معظم النساء يعملن بدوام جزئي.

وبالنسبة للبروفسور ستورم هذه أيضا تعكس إحدى الخاصيات الثقافية: "تتبع سويسرا نمطا تقليديا للغاية في المجال المهني، حيث يعمل الرجال بدوام كامل، أما النساء، وعلى الرغم من أنهن يعملن أكثر من ذي قبل، فإنهن يعملن في الغالب بدوام جزئي".

الكثيرون ناشطون، إن لم يتمتّع كلهم بمقابل 

ولكن حتى عندما يتم تضمين العمل بدوام جزئي في الصورة ككل، فإن فئة من هؤلاء تظل مفقودة في الإحصائيات، عندما يؤخذ هؤلاء في الاعتبار، تعود سويسرا فجأة إلى رأس القائمة مرة أخرى.

محتويات خارجية

وفي المتوسّط، يعمل كل شخص في سويسرا يزيد عمره على 15 عاما حوالي 23 ساعة و12 دقيقة- وهي عملية حسابية تشمل أيضا العاطلين عن العمل وربات البيوت والرجال المتفرّغين لأسرهم، وأولئك الذين يقومون بعمل غير مدفوع الأجر. من هذا المنظور، الدولة الوحيدة التي تعمل باجتهاد يتجاوز سويسرا هي أيسلندا.

ويعتقد المكتب الفدرالي للإحصاء أنه بسبب ارتفاع معدّل التوظيف في سويسرا، لا يوجد الكثير من الأشخاص الذين لا يعملون على الإطلاق. ويقول ستورم ما يشبه ذلك: "إن الأداء العالي لسويسرا في هذه الإحصاءات يستند إلى حقيقة أن معدّل المشاركة مرتفع جدا. ففي سويسرا، يعمل الكثير من الناس".

ومع التحوّلات الديمغرافية التي تلوح في الأفق، سيكون من المهم أيضا أن تعمل الفئات العمرية التي بمقدورها العمل. ولا يتعلّق الامر هنا بسويسرا فقط. في جميع أنحاء أوروبا، والعديد من البلدان في العالم، يتقدم السكان في العمر، ويتزايد الضغط على أنظمة الرعاية الاجتماعية.

مشاركة