Navigation

عـامٌ من الـتّـبـاعـُــد

محتويات خارجية

في العام المقبل، سوف يصبح "التباعد" موضوعاً اقتصادياً عالمياً رئيسياً، يجري تطبيقه على الإتجاهات الاقتصادية والسياسات والأداء.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 ديسمبر 2014 - 11:00 يوليو,
محمد العريان

ومع تقدم العام، سيصبح التوفيق بين الاختلافات الناتجة عن هذا التباعد، أمراً متزايد الصعوبة، وهو ما من شأنه أن يجعل صنّاع السياسات أمام اختيار واضح: فإما أن يتغلّبوا على العقبات التي أعاقت حتى الآن العمل الفعّال، أو يُجازِفوا بالسماح بزعزعة استقرار اقتصادات بلدانهم.

إن الاقتصاد العالمي المتعدّد السرعات، ستهيمن عليه أربع مجموعات من الدول. المجموعة الأولى بقيادة الولايات المتحدة ستشهد تحسّناً مستمراً في الأداء الاقتصادي وستصبح أسواق العمل لديها أقوى، وسيكون خلق الوظائف في بلدان هذه المجموعة مصحوباً بتعافي الأجور. كما سيكون توزيع فوائد النمو الإقتصادي أقل تفاوتاً عما كان عليه في السنوات القليلة الماضية، ولو أنه سيظل غير متناسب لصالح أولئك الذين هُم أفضل حالاً بالفعل. 

محمد العريان، كبير المستشارين الإقتصاديين في شركة "أليانز" Allianz وعضو اللجنة التنفيذية الدولية لها، وعيّنه الرئيس أوباما على رأس "مجلس الرئيس للتنمية العالمية" الذي شكّله في عام 2012. شغل سابقا منصب الرئيس التنفيذي والشريك الرئيس التنفيذي للإستثمار في شركة بيمكو. يُعتبر محمد العريان خبيرا في مجال المال والإقتصاد، وأدرجته مجلة "فورين أفيرز" ضمن المائة الأوائل من المفكرين في العالم في سنوات 2009 و2010 و2011 و 2012. نال كتابه "عندما تتصادم الأسواق" لقب "كتاب العام" من طرف فاينانشيال تايمز / غولدمان ساكس للكتاب واعتبرته مجلة الإيكونوميست أفضل كتاب لعام 2008.

End of insertion

وستستقر بلدان المجموعة الثانية بقيادة الصين عند معدّلات نمو أقل من متوسط المعدّلات التاريخية الأخيرة، في حين تستمر في النضوج بنيويا. وستعيد توجيه نماذج النمو لديها تدريجياً، لكي تصبح أكثر استدامة ــ وهو الجهد الذي ستؤثر عليه نوبات عَرَضية من عدم الاستقرار في الأسواق المالية العالمية، ولكنها لن تخرّبه أو تخرجه عن مساره. وستعمل هذه البلدان على تعميق الأسواق الداخلية، وتحسين الأطُر التنظيمية وتمكين القِطاع الخاص، وتوسيع نطاق الإدارة الاقتصادية القائمة على السوق.

وستناضل المجموعة الثالثة بقيادة أوروبا، مع تسبب الركود الاقتصادي المستمر، في تغذية السّخط الاجتماعي والسياسي في بعض البلدان وتعقيد القرارات السياسية الإقليمية. كما سيعمل النمو الهزيل والقوى الانكماشية وجيوب المديونية المفرطة، على إعاقة الاستثمار وإمالة ميزان المخاطر إلى الجانب السلبي. وفي الاقتصادات الأكثر تعثرا، ستظل البطالة، وخاصة بين الشباب، مرتفعة ومستمرّة إلى حدّ باعث على الإنزعاج الشديد.

أما المجموعة الأخيرة، فستضم بلدان "البطاقة المجهولة"، والتي يخلف حجمها ومدى ارتباطها عواقب جهازية مهمّة. وتُعَد روسيا المثال الأكثر بروزاً لبلدان هذه المجموعة. ففي مواجهة الركود الاقتصادي المتزايد العُمق وانهيار العملة وهروب رأس المال والنقص الناجم عن انكماش الواردات، سيكون لزاماً على الرئيس فلاديمير بوتين أن يتّخذ القرار بتغيير نهجه في التعامل مع أوكرانيا والعودة إلى الإنخراط مع الغرب، للسماح برفع العقوبات وبناء اقتصاد أكثر استدامة وتنوعا.

وإلا فإن البديل يتلخّص في محاولة تشتيت السخط الشعبي في الداخل، من خلال توسيع تدخّل روسيا في أوكرانيا. وسيؤدي هذا النهج في الأرجُح إلى جولة جديدة من العقوبات والعقوبات المضادة ودفع روسيا إلى ركود أكثر عُمقا ــ بل وربما يشعل شرارة عدم الإستقرار السياسي أو المزيد من خوض المجازفات في السياسة الخارجية ــ في حين يتسبّب في تفاقم المشاكل الإقتصادية في أوروبا.

وتُعَد البرازيل بطاقة أخرى مجهولة. فقد أشارت الرئيسة ديلما روسيف، بعد أن اتعظت من اقترابها من خسارة الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، إلى استعدادها لتحسين إدارة الاقتصاد الكُلي، بما في ذلك، من خلال مقاومة العودة إلى النزعة الدولانية، والتي تتضاءل فوائدها المحتملة الآن بالمقارنة بأضرارها الجانبية وعواقبها غير المقصودة. وإذا صَدَقَ هذا، فإن البرازيل ستنضم إلى المكسيك في دعم استقرار أمريكا اللاتينية في عام 2015 ومساعدة المنطقة في التغلّب على التأثيرات الهدّامة للإقتصاد الفنزويلي، الذي سيتأثر بشدّة بفعل انخفاض أسعار النفط.

تستضيف swissinfo.ch من الآن فصاعدا بعض المُساهمات الخارجية المختارة. وسوف ننشر بانتظام نصوصا مختارة لخبراء، وصانعي قرار، ومراقبين متميّزين، لتقديم وجهات نظر تتسم بالعمق والطرافة حول سويسرا أو بعض القضايا المثيرة ذات العلاقة بهذا البلد. ويبقى الهدف في نهاية المطاف تفعيل الحوار ومزيد إثراء النقاش.

End of insertion

وسيُـساهم هذا الأداء الاقتصادي المتعدّد السرعات، في إبراز دور العمل المصرفي المركزي المتعدّد المسارات، مع اشتداد الضغوط، طلباً لسياسات نقدية متباينة، وخاصة في الاقتصادات المتقدّمة ذات الأهمية الجهازية. ومن المرجح أن يبدأ البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، الذي أوقف بالفعل مشترياته الضخمة من الأصول الطويلة الأجل، في زيادة أسعار الفائدة في الربع الثالث من عام 2015.

وعلى النقيض من هذا، سيبدأ البنك المركزي الأوروبي نسخته الخاصة من التيسير الكمّي، فيقدم في الربع الأول من العام، مجموعة من التدابير الجديدة لتوسيع ميزانيته العمومية. وسيحافظ بنك اليابان على نهج المدى الأقصى في التعامل مع التحفيز النقدي.

بطبيعة الحال، لا يوجد حدّ نظري للتباعد والإختلاف. والمشكلة هي أن تحوّلات أسعار الصّرف، تشكِّل الآن الآلية الوحيدة للتسوية، وقد أصبحت الفجْوة بين تقييمات أسواق معيَّنة وأسسها الإقتصادية، ضخمة إلى الحد الذي يجعل الأسعار عُرضة لنوبات من التقلب.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الجمع بين الاقتصاد الأكثر قوة والسياسة النقدية التيسيرية، من شأنه أن يفرض ضغوطاً إضافية تدفع سعر صرف الدولار إلى الإرتفاع ــ والذي ارتفع بشكل كبير بالفعل ــ في مقابل كلا من اليورو والين. ولأن قِلة من البلدان الأخرى قد تكون على استعداد للسماح لعملاتها بالإرتفاع، فإن ميل قيمة الدولار إلى الارتفاع سيظل قوياً وعريض القاعدة، ومن المحتمل أن يُشعل شرارة معارضة سياسية داخلية.

علاوة على ذلك، ومع تزايد الصعوبات التي تواجهها أسواق العملة في أداء دورها التوفيقي المنتظم، فقد تنشأ الاحتكاكات بين البلدان، وهذا من شأنه أن يعكِّر صفْو الهدوء غيْر المعتاد الذي كان يبث الطمأنينة في أسواق الأسهُم مؤخرا.

ومن حسن الحظ، هناك سبُل لضمان أن التفاوتات في عام 2015 لن تؤدّي إلى اضطرابات اقتصادية ومالية. والواقع، أن أغلب الحكومات ــ وخاصة في أوروبا واليابان والولايات المتحدة ــ لديها الأدوات التي تحتاج إليها لنزْع فتيل التوترات المتصاعدة وإطلاق العِنان لإمكانات اقتصاداتها الإنتاجية في هذه العملية.

إن تجنّب الإحتمالات التخريبية لهذا التباعُد، ليست مسألة تصميم سياسات؛ فهناك بالفعل اتفاق واسع، وإن لم يكُن عالميا، بين خبراء الإقتصاد حول التدابير المطلوبة على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية، بل هو في الواقع مسألة تنفيذ ــ والقيام بهذا على النحو السليم يتطلّب قَدراً كبيراً ومتواصلاً من الإرادة السياسية.

إن الضغوط المفروضة على صنّاع السياسات لمعالجة المخاطر المترتِّبة على التباعُد، سوف تتزايد في العام المقبل. ولاشك أن عواقب التقاعس عن العمل الآن، ستمتد لسنوات إلى ما بعد عام 2015.

(سبق أن نُشر هذا المقال في موقع: بروجيكت سينديكيترابط خارجي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة