تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تونس بعد ثورة يناير 2011 مصاعبُ جمّة تواجه الإنتقال من الإعلام الحكومي إلى الإعلام العمومي

رجل يضع كمامة على فمه احتجاجا على الرقابة

في تحرك احتجاجي نظم يوم 17 أكتوبر 2012 في العاصمة التونسية، صحفي يندد بما يعتبره رقابة مفروضة على الإعلام، وآخر بجانبه يرفع لافتة كتب عليها "حرية الصحافة أساس الديمقراطية".

(Keystone)

عندما انطلق البث التلفزيوني في تونس عام 1966 وجّه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة كلمة للتونسيين قال فيها إنه سعيد بهذا الحدث لأنه سيُتيح له الدخول إلى البيوت التونسية بلا حواجز. بهذا المعنى كان مفهوم الإعلام العمومي، وبخاصة ذي الوزن الثقيل، يقتصر على كونه أداة اتصالية، أي خطابا في اتجاه واحد، من القمة أي رأس السلطة، إلى الشعب أو الرأي العام. 

ما قاله بورقيبة عن الإعلام التلفزيوني كان أيضا الخصيصة الأبرز للإعلام الإذاعي العمومي، وكذلك لمؤسسات الصحافة العمومية، التي لم تعدُ كونها وسيلة تبليغ لرسائل الحاكم ومعرضا لنشاط مساعديه. في الواقع، لم تختلف تونس في ذلك عن باقي دول العالم الثالث في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أخضعت المؤسسات الإعلامية العمومية لقبضة الأحزاب الحاكمة، ولم يُسمح بإنشاء وسائل إعلام خاصة إلى أن اهتزت عروش وسقط حُكام مستبدون فظهرت صحف خاصة ثم محطات إذاعية أهلية، وأخيرا قنوات تلفزيونية خاصة.

بعد استقلالها عن فرنسا، لم تشذّ تونس عن الخط البياني لتحولات الإعلام في القارة السمراء بالأساس، إذ لم تظهر الصحف المستقلة الأولى إلا في أواخر سبعينات القرن الماضي، فيما تأخر بروز أول محطة إذاعية خاصة وأول قناة تلفزيونية خاصة حتى أواخر عهد الرئيس زين العابدين بن علي، الذي عصفت به انتفاضة شعبية في يناير 2011.

مشهد الإعلام العمومي

صنبور الإعلانات

منذ تسعينات القرن الماضي تم ربط إيرادات الإعلان في الصحف والاذاعات والتلفزيونات العمومية بجهة واحدة هي "وكالة (مؤسسة) الإتصال الخارجي"، التي أنشئت في الأصل من أجل تحسين صورة البلد في الخارج. وسرعان ما تحولت إلى أداة دعاية لرئيس النظام السابق وباتت تحتكر توزيع إعلانات الحكومة والمنشآت العمومية على وسائل الإعلام، فتمنحها لمن يقبل مدح النظام وتحجبها عمن يرفض أو لا يتحمس. وتُقدر حصة الصحيفة اليومية الواحدة من تلك الاعلانات بما بين 2 و5 ملايين دينار (*) في السنة. توزيع الإعلانات آل إلى نوع من الصنبور، الذي تتحكم فيه السلطات للتأثير في الخط التحريري لوسائل الإعلام وإخضاعها. كما استخدم مال الإعلانات وسيلة لشراء ضمائر صحفيين أجانب من أجل تأليف كتب ونشر مقالات تُشيد بـ"المعجزة التنموية التونسية".

أبصر الإعلام في تونس تغييرا جوهريا غير مسبوق في العالم العربي اعتبارا من انهيار النظام السابق، الذي أرسى منظومة فعالة على مدى أكثر من ستة عقود، استطاعت احتواء موجات التمرد وإسكات الأصوات المخالفة سواء داخل مؤسسات الدولة أو في حرم الجامعة وأوساط المثقفين. ومازال الإعلام العمومي يستأثر بقسم مهم من المشهد الإعلامي، على الرغم من الصعوبات الجمة التي تواجهه، فهي جميعا مؤسسات خاسرة ماليا، ما يضطر الدولة إلى ضخ مبالغ كبيرة لدعم موازناتها. ومن أقدم المؤسسات الإعلامية العمومية صحيفة "لابراس" اليومية الناطقة بالفرنسية وتوأمها العربي "الصحافة". وتراجع حجم مبيعات الأولى على امتداد السنوات حتى بلغ أقل من 17 ألف نسخة، فيما لم يتجاوز حجم مبيعات "الصحافة" 463 نسخة، ما جعلهما عبءًا على الدولة. كما تمت مصادرة صحف "دار الصباح" الثلاث في أعقاب انهيار النظام السابق، وهي "الصباح" و"لوتون" (الزمان) و"الصباح الأسبوعي"، لأن أحد أصهار بن علي كان اشترى 70 في المائة من رأس مال المؤسسة. وتشكل هذه الصحف بدورها عبءًا إضافيا تتحمله الدولة منذ سبع سنوات، ولذلك فهي تُخطط لبيعها في أقرب الأوقات.

نهاية الإطار التوضيحي

بالإضافة للصحف، تمتلك الدولة وكالة الأنباء الرسمية "وكالة تونس أفريقيا للأنباءرابط خارجي" (تأسست في 1961)، التي كانت الصحف قبل الثورة مُجبرة على الإلتزام ببرقياتها في تغطية الأحداث السياسية، إلا أنها تغيرت في السنوات الأخيرة، إذ بات الصحافيون هم الذين ينتخبون رئيس التحرير ويشاركون في اجتماعات هيئة التحرير. مع ذلك مازالت الدولة تساهم بنسبة 98.39 في المائة من رأس مال الوكالة التي تُشغل 304 موظفا بينهم 168 صحافيا فقط. 

ولاحظ الاعلامي كمال العبيدي رئيس الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال، التي أصدرت في 2012 تقريرا شاملا شخص الواقع الاعلامي في البلد، أن الوكالة استُخدمت بعد الثورة التونسية لانتداب عناصر كانت تقوم بالدعاية للنظام السابق وتهاجم معارضيه، وتم توظيفها في الوكالة رسميا. أما على الصعيد المالي فإن الدولة هي التي تُؤمن 80 في المئة من موارد الوكالة.

تسع إذاعات وقناتان

في المجال السمعي، تم إنشاء المحطات الإذاعية في عام 1938 من طرف فرنسا، البلد المستعمر. كذلك ظهرت المزيد من المحطات عقب استقلال البلاد في عام 1956. وفي الوقت الحاضر، تُدير الدولة في تونس 9 محطات إذاعية عمومية خمسٌ منها تبث من ولايات داخلية وأربعة من العاصمة، وهي الاذاعة الوطنيةرابط خارجي وإذاعة الشباب والاذاعة الثقافية، بالاضافة لخدمة إذاعية مُوجّهة للخارج تبث برامجها بالفرنسية والإيطالية والإنجليزية والألمانية. وبعد الثورة، تعزز الاعلام السمعي العمومي بمصادرة إذاعتين هما إذاعة "الزيتونة" التي كانت على ملك أحد أصهار الرئيس المخلوع، وإذاعة "شمس أف أم" التي أسستها إحدى بناته. 

بعد يناير 2011، كانت مهمة نقل الاعلام السمعي من إعلام حكومي إلى مرفق عمومي في مقدمة أهداف الأطراف المعنية بتطوير الاعلام بعد الثورة، كي لا يبقى مُكرسا لخدمة النظام الحاكم وقائده. وأتت المبادرات الأولى في هذا الإطار من الصحفيين أنفسهم، الذين رفضوا تسمية مديرين ممن تورطوا مع النظام السابق، ثم توسعت المبادرات لتشمل المطالبة باستقلالية أكثر خصوصا في أقسام الأخبار. وبلغت هذه الحركة أوجها مع شن قسم الأخبار في القناة الوطنية إضرابا استمر يوما كاملا، لم يتم خلاله بث أي نشرات إخبارية.  

قصور قانوني

إلى حدود ثورة 14 يناير 201، ظلت التشريعات التونسية تفتقر إلى نص واضح يضمن استقلال الإعلام السمعي والبصري العمومي عن السلطة بكافة مظاهرها ويحميه من الضغوط التي تمارس عليه، وخاصة من التوجيهات التي كان يتلقاها بالهاتف من المستشار الاعلامي لبن علي. 

في موفى عام 2011، تم سن المرسُومين 115رابط خارجي و 116رابط خارجياللذين نظما سير الإعلام المكتوب من جهة والسمعي والبصري من جهة ثانية. وأعدت الحكومة الحالية مشروع قانون لضبط أوضاع الاعلام الاذاعي والتلفزيوني، إلا أن إعلاميين وخبراء أكاديميين حذروا من كونه قد يُمهّد لإحكام قبضة السلطات من جديد على الاعلام.

نهاية الإطار التوضيحي

أما في مجال الإعلام التلفزيوني، فيتألف القطاع العام من قناتين هما "تونس 7" (اليوم الذي استحوذ فيه بن علي على الحكم) وقناة الشباب "تونس21" (القرن الحالي)، قبل تغيير الإسمين إلى "الوطنية الأولىرابط خارجي" و"الوطنية الثانيةرابط خارجي" بعد الثورة. وبالرغم من إنشاء هيئة تعديلية للإعلام السمعي البصري تُعرف باسم "هايكارابط خارجي" (HAICA) تتولى الاشراف على مراقبة القطاع وتسمية المسؤولين على رأس المحطات الإذاعية والتلفزية، ظلت الحكومة هي التي تُسمي وتعزل هؤلاء المسؤولين، وأحيانا من دون استشارة الهيئة أو حتى علمها. 

وتشكل مؤسسة التلفزيون بقناتيها العبء الأثقل على كاهل الدولة، إذ تشغل أكثر من 1300 عنصر بين منتجين ومحررين وفنيين وإداريين (بينهم 112 فقط يعملون في قسم الأخبار)، بينما لا يتطلب سير المرفق كل هذا العدد. وكان الرئيس الأسبق لمؤسسة التليفزيون مختار الرصاع صرّح في ورشة دراسية بأن "ثلثي المنتسبين للقناتين لا يعملون ويتقاضون رواتب". ويُعزى هذا الوضع إلى سيطرة المحسوبية والمحاباة في التوظيف والترقيات. والجدير بالذكر أن محاولات ظهرت بعد الثورة من أجل انتخاب طواقم التحرير إلا أن التجربة لم تصمد في الواقع، إذ تحولت  هيئات التحرير المنتخبة إلى مصدر انقسامات وتوتر بين زملاء المهنة.

كلفة باهظة جدا

يُسبب الإنفاق على المحطات الإذاعية العمومية تكاليف باهظة جدا لأنها عالة على الدولة، فالدولة هي التي تتكفل بدفع رواتب العاملين في تلك الاذاعات، والتي تُقدر بأكثر من 14 مليون دينار، فيما تُقدر قيمة إيرادات الضريبة على المشتركين في شبكة الكهرباء بنحو 13 مليون دينار، إضافة لإيرادات الإعلانات التي تبلغ حوالي 2 مليوني دينار, ومن المهم الإشارة إلى أن الرواتب تبتلع 76 في المئة من موازنات الاذاعات العمومية.

والأمرُ أعقد في التليفزيون العمومي، إذ تصل الموازنة السنوية للمؤسسة إلى 56 مليون دينار، وتأتي الايرادات أساسا من الاعلانات (14 مليون دينار) وبيع النشريات والبرامج (5 ملايين دينار)، والباقي تتكفل الدولة بتأمينه. وهي تجمع قسما منه بواسطة الرسوم التي توظفها على فواتير استهلاك الكهرباء، لكن هذه المبالغ لا تُحول مباشرة إلى موازنتي الاذاعة والتلفزيون، وإنما تودع في خزينة الدولة، ما يفتح الباب أمام احتمالات الفساد وسوء الادارة. أما من ناحية الشفافية فلم يحصل أن تم نشر كشوف بإيرادات الرسوم الموظفة على فواتير الكهرباء بعنوان دعم الاذاعة والتلفزيون العموميين، لا قبل الثورة ولا بعدها، ما يُعزز احتمالات الفساد. وتعاني حاليا مؤسستا الاذاعة والتلفزيون من صعوبات مالية جمة تثقل كاهليهما وتنعكس سلبا في نوعية المنتوج الاعلامي وحرفيته، وخاصة في ظل المنافسة القوية الآتية من القنوات والمحطات الاذاعية الخاصة.

قنوات ومحطات خاصة

انطلقت الإذاعات الخاصة في تونس منذ عهد بن علي، إلا أنها كانت تخضع لرقابة شديدة على المضامين، حتى أن السلطات حظرت عليها بث نشرات إخبارية. وكانت الاذاعات الخاصة الأولى قبل الثورة هي "موزاييك أف أم" و"شمس أف أم" و"إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم" و"إكسبرس أف أم" المتخصصة في الشأن الاقتصادي. وانتشرت في السنوات السبع الأخيرة المحطات الخاصة في مختلف الولايات، بالاضافة للعاصمة، ومازالت إيراداتها المالية بعيدة عن الشفافية. ويُعتقد أن لوبيات خفية تُغدق عليها مما يُعرف بـ"المال السياسي".

اما في القطاع البصري فظهرت قناتان قبل الثورة هما "حنبعل" (2004) و"نسمة تي في" (2009)، لكن الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال تلقت بعد الثورة 74 طلبا لإحداث محطات إذاعية خاصة و33 طلبا لإنشاء قنوات تلفزيونية على ما قال كمال العبيدي رئيس الهيئة، التي أنهت أعمالها في 2012، قبل أن توصي السلطات بمنح تراخيص البث لـ12 محطة إذاعية و5 قنوات تليفزيونية. واستطاعت اليوم كثير من القنوات والاذاعات الخاصة أن تغطي التراب التونسي، غير أن احترام قواعد المهنة والاستقلالية مازالا عملة نادرة. 

واعتبر الإعلامي كمال العبيدي أن العلاقة مع المواطن هي "لُبُ مفهوم المرفق الاعلامي العمومي، فمن المهم أن تعكس الاذاعة والتلفزيون تطلعات المواطن وآماله، وأن يُوفرا له فضاء للتعبير عن رأيه ومساءلة أصحاب القرار والمؤثرين في مختلف المجالات، كي يكون المدافع الأول عن استقلالية المؤسسات الإعلامية العمومية، متى آمن بدورها ورأى فيها صوتا له، فيساهم في التصدي لكل محاولة ترمي إلى الحد من هذه الإستقلالية من أي طرف كان، بما في ذلك الحكومات المتعاقبة".

(*) 10 فرنكات سويسرية تعادل حاليا 25 دينارا تونسيا. 

نبذة مقارنة عن وضع الإعلام العمومي في سويسرا 

تشغّل هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية 17 إذاعة، و7 قنوات تلفزيونية موزّعة على المناطق اللغوية الأربعة في البلاد، بالإضافة إلى موقع swissinfo.ch - إذاعة سويسرا العالمية سابقا- وهي خدمة إعلامية متعددة الوسائط مُوجّهة إلى الجمهور الدولي بعشر لغات.

تأسست هيئة الإذاعة والتلفزيون في عام 1931 كمؤسسة تم من خلالها دمج الإذاعات المحلية التي كانت قائمة تحت إدارة موحّدة. وإذا كانت قد اقتصرت في البداية على سويسرا الناطقة بالفرنسية، فإنها سرعان ما شملت وسائل إعلام أخرى من الكانتونات الناطقة بالألمانية ثم الإيطالية. أما العروض باللغة الرومانشية فقد انضمت إلى الهيئة في عام 1938، عقب الإعتراف بهذه اللغة كلغة رسمية في البلاد.

تبلغ رسوم سماع الراديو ومشاهدة التلفزيون، الذي تشرف على استخلاصها حتى الآن شركة "بيلاغ" 451.10 فرنكا سويسريا في السنة لكل أسرة. وفي عام 2015، وافق الناخبون في استفتاء عام كانت نتائجه متقاربة جدا على تعديل ينص على أنه يتعيّن على جميع المقيمين في سويسرا وعلى الشركات دفع هذه الرسوم، مع استثناءات قليلة جدا.

في الآونة الأخيرة، بدأت غرفتا البرلمان (مجلس النواب، ومجلس الشيوخ) في مناقشة الدور الذي يجب أن يلعبه الإعلام العمومي على المستوى الوطني. كما يستعد الناخبون للحسم يوم الأحد 4 مارس 2018 بشأن مبادرة شعبية تطالب بإلغاء تام لرسوم استقبال البث الإذاعي والتلفزيوني.

نهاية الإطار التوضيحي

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك