Navigation

بْروهَيلفَيتْسيا: منصّة انطلاق يثِبُ منها الفن السويسري إلى العالم

نيكول لويلييه، فنانة من سانتياغو دي تشيلي تستخدم طريقة متداخلة وعابرة للمناهج التقليدية. في العام 2019 كانت ضيفة على برنامج الإقامة "سِيمَيترا". تظهر في الصورة وهي تختبر جهازها للقياس عن بُعد. Sands Fish

بتكليفٍ من الحكومة الفدرالية، تروّج المؤسسة الثقافية بروهيلفيتسيا الإنتاج الفني والثقافي السويسري في أنحاء العالم. ولكن كيف يجري ذلك؟ swissinfo.ch تصطحبكم إلى مكاتب المؤسسة في الخارج، كالقاهرة وباريس والعاصمة التشيليّة سانتياغو وموسكو.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 أبريل 2021 - 11:00 يوليو,
ديبورا كيلر

في العام 2018 توجهت مجموعةٌ من الكاتبات والكتاب السويسريين للقيام برحلة قراءة عبر روسيا. في ذات العام أطلقت المنظمة الأوروبية للبحوث النووية في جنيف (سيرن CERN) والمرصد الدولي للتلسكوب الراديوي (ALMA) في شمال تشيلي، برامج إقامة.

يُسمّى المشروع "سِيمَيترا" ويُمكّن الفنانين من سويسرا والتشيلي من إجراء بحوث فنية في كلتا المؤسستين. وفي العام 2019 غدا الفنان المسرحي ميلو راو، المتحدر من كانتون برن والناجح دوليًّا، ضيفًا على المهرجان الدولي السادس للمسرح في ساو باولو.

مرصد ALMA في تشيلي، حيث مكان برنامج الإقامة "سِيمَيترا". zvg

وهكذا يُشار من قبل كثيرين في العالم إلى ثلاثة مشاريع دعمتها المؤسسة الثقافية السويسرية بروهيلفيتسيا. بالنسبة للأجانب، ربما يدل الاسم بقوة على جوهر التقاليد السويسرية. وهذا ليس خطأً بالمطلق، فبروهيلفيتسيا تأسّست في العام 1939رابط خارجي كنوعٍ من "الدفاع الثقافي" في مواجهة التهديدات الفاشية وتهديدات الحرب العالمية الثانية.

أول مكتب خارجي في القاهرة

منذ ذلك الحين تُروّج بروهيلفيتسيا بتكليفٍ من الحكومة الفدرالية "الفن والثقافة السويسرية برؤيةٍ تقوم على التنوع والجودة العالية". ومنذ العام 1949 احتوى ذلك، إلى جانب النشاطات الترويجية داخل البلاد، مهمة نشر الثقافة السويسرية في الخارج، وذلك عندما تحولت المنظمة من مجموعة عمل إلى مؤسسة مستقلة عامة.

وعلى مر السنين كان يجري باستمرار بناء حضور مؤسّساتي في أرجاء المعمورة. في العام 1985 افتَتَحت بروهيلفيتسيا مع المركز الثقافي السويسري الشهير اليوم في باريسرابط خارجي دارها الخاصة بالمسرح والمعارض؛ ومع مراكز أُخَر، كالمعهد السويسري في نيويوركرابط خارجي الذي تأسس في العام 1986، هنالك عقود تفويض أو اتفاقيات خدمة.

في العام 1988 أقيم في القاهرة أول مكتب اتصال خارجي، أي أول فرع لمقر المؤسسة الرئيسي في زيورخ، يرعى المشاريع الثقافية السويسرية في الإقليم من خلال فريقٍ مترابط ومقيمٍ هناك. حاليًّا توجد مكاتب أخرى في جوهانسبرغ ونيودلهي وشانغهاي وموسكو. وفي بداية هذا العام، أي في منتصف الوباء، بدأ مكتب خارجي "لامركزي" يضم ستة موظفين في أربع مدن كبرى في أمريكا الجنوبية بالعمل.

إقامات، وتشبيك علاقات، ودعم مالي  

إن العمل الذي تنجزه بروهيلفيتسيا من خلال نشاطاتها القائمة على شبكاتها وفروعها الخارجية يقوم في النهاية على مبدأ العرض والطلب، فهي "ليست وكالة ترويج دعائي؛ لذا فإنها تحتاج دائمًا إلى اهتمام من جهة ثانية؛ أي من طرف منظمة أو مؤسسة تريد أن تستضيف الفنانين السويسريين"، يقول مدير بروهيلفيتسيا فيليب بِشوف، ويضيف: "بعد افتتاح فرعٍ خارجي غالبًا ما يرتفع عدد الطلبات المقدمة إلى بروهيلفيتسيا، وذلك ما يشير إلى أن التبادل المباشَر به للتو فاعلٌ".

تورد الأرقام دليلاً آخرَ على ما تتمتع به الأعمال الفنية السويسرية من طلبٍ في الخارج: من مجموع النفقات البالغة 42.4 مليون فرنك في العام 2019 ذهب ما نسبته 41.2% في الإنفاق على نشاطاتٍ داخل البلاد، بينما أُنفق ما نسبته 58.8%، أي 21.8 مليون فرنك، على مشاريعَ في الخارج.

بالطبع من الصعب قياس المدى الذي تنشأ فيه علاقات مستديمة في مثل هكذا نشاطاتٍ في الخارج، فالأمر يتعلق أيضًا بالاهتمامات المحدَّدة للمؤسسات والأشخاص المشاركين. التبادل المستمر ليس هدفًا دائمًا. لكنْ على سبيل المثال فإن (Arsenic)رابط خارجي، دار الرقص والمسرح في لوزان، و(Nave)رابط خارجي المركز الثقافي في العاصمة التشيلية سانتياغو، الذي هو مركزٌ تجريبي، يُشرفان بمساعدة بروهيلفيتسيا، ومنذ فترة طويلة، على برامج إقامة، وأحيانًا على إنتاج مشترك وعلى تبادلٍ معرفي.

في عام 2019، عرضت الفنانة أُورسُولا بيمان (في الوسط) في موكو (كولومبيا) مشروعها الذي أنجزته مع جماعات السكان الأصليين. zvg

الفنانة أُورسُولا بيمان التي تشارك في إنشاء جامعة هندية للسكان الأصليينرابط خارجي في منطقة الأمازون الكولومبية وتلقى أعمالها المصورة بالفيديو اهتمامًا كبيراً، حيث تتناول الشؤون البيئية والاقتصادية والاجتماعية؛ تؤكد قبل كل شيء على أهمية الدعم المالي الذي تقدمه بروهيلفيتسيا ويمكّنها من عرض العديد من أعمالها المصورة في أرجاء العالم، وذلك بالإضافة إلى القيام بإنتاجات جديدة. لكنّ علاقات المنظمة بالنسبة لـ "بيمان" أمر ثانوي: "لأنني أجري بحوثًا في هذا المجال منذ ثلاثين عامًا وأعرف كيف أبني شبكة علاقات ملائمة".

أما الفنانة سارينا شايدْأَيغّر فهي مثال بارز على التبادل الدائم؛ فبعد إقامتها في المشغل الفني (Flora  ars+naturaرابط خارجي) في بوغوتا الكولومبية في العام 2018، أقامت علاقات تعاون مع العديد من الفنانين في أمريكا الجنوبية.

سلسلة الأعمال الفنية "نحن أجسامٌ مائية" (Nosotrxs, Cuerpos de Agua)رابط خارجي أنتجتها شايدْأَيغّر مع الأرجنتينية خيمينا كروتشيري وستُقدَّم في خريف هذا العام في لندن وزيورخ، ثم يجرى عرضها أيضًا في معرض كلينغنتال في بازل ومتحف الهجرة في العاصمة الأرجنتينية بويْنُس أيْرِس.

سارينا شايدْأَيغّر وخيمينا كروتشيري، "نحن أجسامٌ مائية"، 2019. هنا تركيب فني ثابت للأداء معروض في رواق (أو غاليري) "رافن رو"، لندن. Katarzyna Perlak

تقول شايدْأَيغّر بأن"الجوانب المهمة في التعاون مع بروهيلفيتسيا هي الدعم المستمر للمشاريع، وبالطبع الاتصالات وشبكة العلاقات وتلاقي مختلف الفنّانين والفنّانات من أجل الحوار".

ظروف صعبة وحرية فنية

لكنَّ "محاولات الاقتران" هذه ليست كلها تثمر بالطبع. ناتاليا روشكينا، المديرة المؤقتة لفرع موسكورابط خارجي، تحدد بعض الصعوبات: "بعض المجالات التي بدأ فيها التعاون بنشاطٍ كبير آخذةٌ في التلاشي، وذلك بسبب مشاكل جوهرية ملازمة للمشهد. مجال التصوير الفوتوغرافي مثلاً: فهو في روسيا مجال ضعيفٌ مؤسساتيًّا، أو بالأحرى؛ إن المؤسسات لديها منطلقات ومناهج تقليدية، ومن الصعب العثور على نقاط اهتمامٍ مشتركة".

في المقابل، فإنَّ نجاحاتٍ في مجالات الرقص والمسرح والموسيقى المعاصرة قد حُقّقت منذ افتتاح هذا الفرع في العام 2017.

"دفاتر موسّعة أو ممتدة"، معرض لكراسات عدد من الفنانين نظمته مؤسسة بروهيلفيتسيا في مركز "غرواند" للفنون في موسكو سنة 2017. zvg

بالطبع هنالك تحدياتٌ إضافية تطرح نفسها بسبب كورونا، لكن ماريّا أنجي فيال، مديرة الفرع الجديد في أمريكا الجنوبيةرابط خارجي بمقرّه في العاصمة التشيلية سانتياغو، ترى إيجابيات: "كوفيد أعطانا فرصة لنتعلم كيف يجري العمل في المشاريع في ظروف غير مخطط لها"، تقول فيال وتشير إلى أن "متوسط المجرى الزمني البالغ سنتين للكثير من المشاريع السويسرية غالبًا ما يكون إشكاليًّا بالنسبة للمشهد الثقافي في أمريكا الجنوبية الذي يضطر للعمل دون تخطيط وتمويل بعيدَي المدى"، ثم تضيف: "حاليًّا نعمل بصيغة الحفاط على الوجود والبقاء، لكن ذلك كان يشكل دائمًا طريقة تفكيرنا في أمريكا الجنوبية".

من الواضح إن تصريحات روشكينا وفيال تضع أمام الناظر الظروف الصعبة أحيانًا التي تعمل فيها شبكة بروهيلفيتسيا الخارجية. عدم الاستقرار الاقتصادي، ولكن السياسي أيضًا، انتهاكات حقوق الإنسان والرقابة، هي من المواضيع التي يجري النقاش حولها في أقاليمَ مختلفة. هناك أسئلةٌ أخلاقية تطرح نفسها، خصوصًا تلك المتعلقة بحرية التعبير عن الرأي، والتي لا يشعر الفن السويسري بأنه في بيئة آمنة إلى حدّ كبير، إلا في ظلالها.

"نحن نحاول بكل وضوح أن ندافع عن الحرية الفنية في المشاريع نفسها"، يقول المدير فيليب بيشوف ويشرح الفوائد التي تتمتع بها بروهيلفيتسيا ككيان غير سياسي قائلا: "نحن لا نصنع دبلوماسية ولا سياسة خارجية. نحن، كمؤسسة ثقافية، في مكانٍ ما بين هذه وتلك. أؤمن كثيراً بثراء هذه الفضاءات، الصغيرة جدّا في بعض الأحيان؛ فهي فضاءاتُ تحاور يعلم المرء بأنها غير خاضعة للسيطرة السياسية".

قدرةٌ على المنافسة الدولية

بالطبع، إن هذه النشاطات الثقافية في الخارج تعني الاهتمام بصورة البلاد، لكن في الوقت نفسه فإن العمل الذي تقوم به بروهيلفيتسيا على المستوى العالمي يعني أيضًا تشجيع ودعم المسيرة المهنية للفنانين السويسريين. فذلك يبقيهم قادرين على المنافسة في الساحة الدولية، حيث تعتبر نتاجاتهم، بالمقارنة مع الآخرين، مرتفعة الثمن. 

ولكنْ مَن يحدّد الاتجاه في الواقع؟ إن ذلك ينبع مما يسمى "الرسالة الحضارية" التي تحدِّد منذ العام 2012 سياسة الترويج التي تتبعها الحكومة الفدرالية كل أربع سنوات، وبذلك تتحدد أيضًا الأهداف الاستراتيجية لبروهيلفيتسيا. فرع أمريكا الجنوبية الذي اُفتتح حديثَا هو استجابة للرسالة الحضارية الثانيةرابط خارجي للأعوام 2016-2020. إن الدخول إلى أسواقٍ جديدة كالبرازيل التي لم تبلغ مكانةً هامة على خارطة الفن الغربي المعاصر، إلّا مؤخراً، يشكل هنا دليلاً واضحًا.  


فيليب بيشوف، المدير الحالي لمؤسسة بروهيلفيتسيا Keystone

ومع ذلك، يؤكد فيليب بيشوف، الذي يشغل منصب مدير بروهيلفيتسيا منذ العام 2017، بأن إمكانات السوق ليست هي العامل الوحيد في افتتاح مكاتب اتصال جديدة، بل إن الأمر يتعلق أيضًا بتمكين الفن السويسري من التبادل الثقافي، وفي بعض الحالات، كما هو الحال مثلًا بالنسبة لمكتب القاهرة، فإن الفرع الخارجي يُمكن أن يكون بوابةً لإقليم كامل. ويقول بيشوف: "يهمنا جدًّا ملاحظة كيف يمكن لنا أن نكون بستة مكاتب اتصال، وهو رقم متواضع بلا شك، حاضرين في العالم الواسع".

ينبغي أن يكون المستقبل متعدّدًا

وردًّا على سؤالٍ حول الخطط المستقبليّة للشبكة العالمية، يعبّر بيشوف عن الأمل في التمييز بين الفكر الترويجي في الداخل والفكر الترويجي في الخارج، وكذلك في تدعيم فكرة شبكة الاتصالات.

"إن الهدف هو ترسيخ بروهيلفيتسيا ونقلها من مؤسسة سويسرية بتفويض دولي إلى مؤسسة تفهم أن تفويضها متعدد المعاني"، كما يقول بيشوف.

إن ذلك نهجٌ مفتوحٌ على العالم تعترضه حاليًّا قيودٌ طبيعية (كورونا) ومحدِّداتٌ فكرية. لكن الفنَّ برهنَ تاريخيَّا على أن له في مثل هذه الأوضاع مجسّاتِ "زلازل" عاليةَ الحساسية ومرونةً كبيرةً في الحركة.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.