تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تراث الإسكندرية مُشترك إنساني جنيف تعرض كنوزا نادرة من "أولى المدن العالمية"

من بين المعروضات هذه النسخة النادرة من "إنجيل القديس يوحنا" من مجموعة متحف مارتان بودمر بجنيف.

من بين المعروضات هذه النسخة النادرة من "إنجيل القديس يوحنا" من مجموعة متحف مارتان بودمر بجنيف.

(swissinfo.ch)

يحتضن متحف مارتان بودمر في جنيف معرضا استثنائيا يُبرز أهمية الإسكندرية بوصفها "أولى المدن العالمية" في التاريخ، وجسرا أتاح نقل المعرفة والفنون والعلوم ما بين الحضارات المتعاقبة. وقد سمح تكاثُف جهود مؤسستي "بودمر" و"غندور" الخاصتين بإماطة اللثام عن وثائق ومخطوطات وتحف فنية نادرة، يُعرض البعض منها لأول مرة على الجمهور.

قد لا يسمح الحيز المخصص في متحف مارتان بودمر في ضاحية كولونيي قرب جنيف، ولا الجهود المبذولة من قبل بعض المولعين باقتناء التحف الفنية والمخطوطات الأصلية، من أمثال جون كلود غندور ومؤسسته "غندور من أجل الفن"، بإعطاء صورة شاملة عن الدور الذي لعبته مدينة الإسكندرية طوال سبعة قرون، كجسر لنقل المعرفة والثقافة والعلوم والفنون، من حضارة يونانية إلى رومانية، ثم فارسية، وهندية، وإسلامية.

لكن حرص المؤسستيْـن الخاصتيْـن، أي مؤسسة ومتحف "مارتان بودمر" ومؤسسة "غندور من أجل الفن"، المدعومتين بإسهام من مكتبة "ميديسيا لاورانتينا" الإيطالية، على تقديم أجمل ما في حوزتهما من مخطوطات وتحف فنية، أتاح تنظيم معرض يمكن أن يستمتع خلاله الجمهور العريض بتأمل تحف نادرة، بعضها يُعرض لأول مرة بشكل علني، من 5 أبريل الجاري إلى غاية 31 أغسطس 2014 بمتحف مارتان بودمر في جنيف.

كما سيُكلل هذا العمل الذي استغرق حوالي 3 سنوات بـإصدار كتاب مصور من الطراز الفاخر وبأعداد محدودة، تحت عنوان "الإسكندرية الإلهية" يشتمل على 400 صورة تعكس واقع الأماكن وذاكرة التاريخ، بعدسة المصور والمؤرخ فريديريك موري من قسم الأديان بجامعة فريبورغ.

قطع فنية فريدة...  

في معرض "الإسكندرية الإلهية" بمتحف مارتان بودمر في جنيف، تتحول الجولة عبر مخطوطات أصلية، وتحف فنية نادرة، وكتب أدبية وفلسفية ودينية قيِّـمة، إلى رحلة تعود بالزائر إلى حقبة تأسيس مدينة الإسكندرية على يد الإسكندر الأكبر، وتحوُّلها إلى عاصمة لأول إمبراطورية في التاريخ قبل سبعة قرون.

الأستاذ شارل ميلا، مدير متحف مارتان بودمر والمشرف على المعرض يؤكد أنه "قد لا تتكرر فرصة مشاهدة بعض القطع المعروضة، لأنه إلى جانب القطع المنتقاة من قبل مؤسسة جون كلود غندور، لدينا 17 قطعة أُخرجت من مكتبة لاورانتينا بالبندقية، وتعود إلى حقبة لوران دو ميديسيس، وقطع من متاحف اللوفر وستراسبورغ وجنيف، ومعظمها قطع فريدة من نوعها وأساسية لفهم ما حدث في هذا التاريخ الثقافي للإنسانية".

من الوثائق والمخطوطات النادرة على ورق البردي (بابيريس Papyrus) والمؤرخة في 25 أبريل من عام 251 قبل الميلاد: رسالة من أبولونيوس، وزير المالية في نظام الفرعون بطليموس الثاني، لمحاسبه زينون يطالبه فيها بالعمل جاهدا لكي تصل غلالُ بستانه في الوقت المناسب للعاصمة، لتقديمها للفرعون في ذكرى تولّيه العرش، أو أقدم وثيقة تجسِّـد نظرية بيتاغور الرياضية، والتي تعود إلى عام 495 قبل الميلاد. كما يشتمل المعرض في العديد من أجنحته على تحف نادرة لأعمال كبار المفكرين والفلاسفة، من أمثال أرسطو وبيتاغور وغيرهم. 

في السياق، تتوفر فرصة فريدة للمغرمين بإلياذة هوميروس، للتعرف على قطع أصلية منها، ومشاهدة تحف فنية تشير إلى أحداث تطرقت لها الملحمة الشعرية الشهيرة في بعض مقاطعها. أما توقُّفك أمام كتاب "الحِكم البربرية" فيُذكرك بالمجهود الذي بذله كبار العلماء من رجال الدين المصريين واليهود والفرس والخالديين والبابيلونيين، لترجمة كافة المعارف السائدة لديهم إلى اللغة اليونانية، وهو ما سمح بنقل جميعها إلى لغات العالم حتى يوم الناس هذا.

معرض وكتاب "الإسكندرية الإلهية"

افتتح معرض "الإسكندرية الإلهية" يوم 5 أبريل في جنيف ويستمر حتى 31 أغسطس 2014.

المعرض مفتوح للجمهور بموقع متحف ومؤسسة مارتان بودمر بضاحية كولوني Cologny.

استغرق إعداد كتاب "الإسكندرية الإلهية" أكثر من ثلاثة أعوام، بمشاركة 110 باحث وباحثة من معاهد وجامعات عليا في باريس ولوزان وجنيف.

يتناول الكتاب بالدراسة العلاقة بين اليونانيين وباقي الشعوب التي أطلق عليها اسم "الباربار" من مصريين وفرس وغيرهم من شعوب تلك الفترة.

كما يتطرق إلى تأسيس مدينة الإسكندرية على يد الإسكندر الأكبر، تلميذ أرسطو، وكيف تحولت مكتبتها الشهيرة ومتحفها إلى مركز للبحث العلمي بالإعتماد على ترجمة كل الكتب المتوفرة في ميادين العلوم والرياضيات والأدب والفلسفة والأديان وتحويل ذلك إلى تراث عالمي. 

يشتمل الكتاب أيضا على حوالي 400 صورة فوتوغرافية رائعة من تصميم وتصوير فريدريك موري، من قسم الأديان بجامعة فريبورغ السويسرية.

نهاية الإطار التوضيحي

... وفرصة نادرة قد لا تتكرّر!

الأديان السماوية متواجدة أيضا بأبعادها الروحية والعلمية والأدبية من خلال "كتاب الثورات"، مترجما إلى اليونانية، والإنجيل باليونانية أو القبطية، بل حتى "إنجيل يهودا" وما دار حوله من جدل. أما الإسلام فيُسجل حضوره من خلال مصحف بالخط الكوفي يعود للقرن العاشر، مفتوح على سورة الكهف (التي يزعم البعض أن ذو القرنين المذكور فيها هو الإسكندر الأكبر).

في المقابل، فإن ما قد يُعتبر فرصة لن تُعوّض، يتمثل في مشاهدة الزائر للنسخة الأصلية الفريدة من نوعها لـ "إنجيل القديس يوحنا"، الذي يقول عنه مدير المعرض شارل ميلا: "إنه النسخة الوحيدة والكاملة، وأقدم ما هو موجود في العالم اليوم، والذي يعتبر المرجعية التي تعتمد عليها كافة مراجع الإنجيل الجديد".

هذه النسخة الفريدة من نوعها تُعرض لآخر مرة في هذا المعرض قبل "أن تعود من جديد إلى التخزين إلى الأبد في عُلبتها الرصاصية"، مثلما يُذكّـر مدير المعرض. فقد تم اكتشافها في عام 1956 في ضواحي المنيا بمحافظة أسيوط بمصر في شكل 900 صفحة من ورق البردي، واشتراها تاجر آثار قبرصي قبل أن يقتنيها متحف مارتان بودمر في وقت كان ذلك مسموحا به. ويقول مدير المتحف: "هذا الإنجيل يعتبر ثالث أهم وثيقة تتحدث عن أصل الديانة المسيحية، بعد ناغامادي ومخطوطات البحر الميت، حتى الفاتيكان لا يملك نسخة منه". 

جون كلود غندور لم يتردّد في الإشادة بما قامت به مؤسسة ومتحف مارتان بودمر اليوم من خلال "جمع كل هذه التحف من مختلف المتاحف والمكتبات لتجسيد عظمة وعطاء الإسكندرية في الماضي، ونقل ذلك للأجيال الصاعدة"، وقال لـ swissinfo.ch: "أريد أن يكون هذا المعرض مُوجها للمثقفين، بعرض النصوص العلمية التي وصلتنا من اليونانيين منذ عهد الإسكندر الأكبر حتى الحقبة الرومانية، والتي ألقت الضوء على ما حدث في تلك الفترة، وهذا من خلال القطع الفنية التي أملكها في مؤسسة غندور من أجل الفن"،

وأضاف غندور "لكن أملي هو أن يخرج الزائر العادي من المعرض بانطباع أن ما هو معروض، ليس مُوجّها فقط للمثقفين، وأن يدرك من خلال ما هو معروض البعد الحضاري والثقافي والروحي الذي احتفظت به تلك القطع على مر العصور. والرسالة التي أود أن يخرج مقتنعا بها أي زائر يشاهد المعرض، ليس فقط التمتع بجمال القطعة التي يُشاهدها، بل أن يدرك بالدرجة الأولى أن ما يشاهده هو تراث فريد من نوعه تشترك فيه الإنسانية جمعاء وعامل تقارب بيننا جميعا. وإذا ما حدث ذلك، فمعناه أننا نجحنا في مسعانا".

تطلع لاهتمام من العالم العربي

بحكم أن المعرض يتحدث عن مدينة الإسكندرية وعن أهمية ما قدمته للبشرية قاطبة، هل هناك استعداد لتمكين أبناء المنطقة من التعرف على جانب من تراثهم من خلال معرض متنقل أو تنظيم معرض فني مشترك؟ 

عن هذا السؤال، أجاب جون كلود غندور قائلا: "لــِمَ لا؟ بل هذا ما نتوق إليه ونأمل فيه، وهذا ممكن تقنيا اليوم، لأن هناك عروضا متنقلة. فإذا كنا نحن في الغرب نتوق لمعرفة ما حدث في المشرق في القرن الأول، فمن حق سكان المشرق أن يطّلعوا على طريقة نظرتنا لهذه الحضارة والإحترام الذي نكنّه لهذا المشرق. وإذا ما تمكنا من كسر هذه الحواجز بين الشرق والغرب، فإننا سنصل إلى تفاهم أكثر"، على حد قوله.

في المقابل، عبر شارل ميلا، مدير متحف مارتان بودمر، عن مشاعر الأسف لأن "المحاولات التي تمّت حتى الآن مع بعض البلدان العربية الغنية لدفعها للإهتمام بمعارض المتحف المخصّصة للثقافة العربية وفنون ومخطوطات الشرق الأوسط، لم تفلح بعدُ".

"الثقافة وسيلة للتقريب بين الناس وليس للتفريق بينهم"

في رده على سؤال حول سر العلاقة التي تربطه  بمدينة الإسكندرية، أجاب جون كلود غندور، رجل الأعمال ومؤسس "مؤسسة غندور من أجل الفن": "إنها تعني أولا وقبل كل شيء، طفولتي والمكان الذي ترعرعت فيه وقضيت فيه المراحل المهمة في حياتي، أي بداية القدرة على التفكير، وهي أيضا تذكير بالقطيعة التي عاشها والديّ عند مغادرتهما في عام 1961، والتي لا زلتُ أعاني منها لحد اليوم، وهذا ما يمثل مدى تعلقي بهذه المدينة وهذا البلد".

وعن مدى تأثير ذلك في تطوير هذه الهواية وهذا التعلق بكل ما يُذكّـر بالأسكندرية، يقول جون كلود غندور: "لولا هذه الفترة من حياتي التي عشتها في مصر، لما كان لي هذا الإهتمام وهذه النظرة لعلم الحفريات الفرعونية ولتاريخ الشعوب. إن هذا الإحساس موجود دوما بداخلي وأعيشه يوميا. وكل القطع التي اقتنيتها في مجموعة التحف الفنية التي أملكها، هي تذكار أو تذكير بهذه الحقبة".  

غندور شرح أيضا باستفاضة سبب إقدامه اليوم على مشاركة الجمهور هذه الهواية من خلال هذا المعرض والكتاب، وقال: "إن الأمر يتعدّى مجرد معرض فني أو كتاب فني، بل هو تجسيد لفكرة راودتني منذ مدة ومحاولة لمشاركة الغير في هواية سمحت لي الحياة بتجسيدها. ولربما أن معاناتي من الإحساس بالغربة والهجرة، وضرورة التأقلم مع الغرب، هي التي تدفعني للإسهام بهذه الطريقة في التفاهم بين الشعوب، وذلك من خلال المعالم الحضارية ومن خلال الأعمال الفنية، لأن الثقافة وسيلة من وسائل التقريب بين الناس، وليس للتفريق بينهم. إذا ما تعرفتُ على ثقافة الغير، وتعرفوا هُم على ثقافتي، فإننا سنصل لامحالة إلى اكتشاف نقاط التقاء تسمح لنا بالتفاهم فيما بيننا".

ويستطرد غندور قائلا: "عندما أقرأ بأن هناك محاولات لتحطيم معالم حضارية في سوريا وفي مصر، مثلما حدث في أفغانستان بالنسبة لتماثيل بوذا، فإنني أشعر بالحزن. هذه معالم تعتبر تراثا تشترك فيه الإنسانية جمعاء. ومن غير المقبول محو معالم الماضي مهما كان، لأنها جزء من ماضينا المكون من عدة ترسبات حضارية. فمصر لا يمكن أن تمحي ماضيها الفرعوني، ولا القبطي، ولا الإسلامي، ولا المعاصر، لأن هذه الجذور هي التي ترتكز عليها عظمة هذا الشعب، وتجعل منه ينفرد بهذا التاريخ المؤثر في باقي شعوب العالم. وأنا حتى ولو أنني لست مصريا في الأصل، فإنني أشعر بانني مصري بالقلب والفكر. والإسكندرية، هذا المهد الثقافي والعلمي والرياضي، أنارت العالم بمعرفتها في وقت من الأوقات. وما نحاول اليوم القيام به هو إظهار هذا الاشعاع من خلال ما يجمعنا جميعا، أي الفكر الفلسفي الذي نجده مُجسّدا في الأديان السماوية الثلاثة. ومن لم يعش في المشرق لن يفهم ذلك جيدا".

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

×