تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

قيدوم اللاجئين العرب في سويسرا محمود بوزوز.. داعية الانفتاح والتسامح

(swissinfo.ch)

لم يعد محمود بوزوزو، وهو من أقدم اللاجئين العرب في سويسرا إلى بلده، الذي غادره سنة 1955، مطاردا من السلطات الاستعمارية الفرنسية، برغم مرور حوالي نصف قرن عن إعلان استقلال بلاده.

ويقول معلِّـلا اختياره: "بعد استقلال الجزائر، بقيت أتابع تطورات الأوضاع، وكان هناك في تلك المرحلة ثورات كثيرة على الاستعمار، وفي الحقيقة، أنا لم أكن أناضل من أجل استقلال الجزائر فحسب، بل من أجل استقلال كل أرض مستعمرة".

استقر داعية التسامح والمحبة في البداية في مدينة مونترو، المشرفة على بحيرة ليمان غير بعيد عن لوزان، ثم سافر إلى ألمانيا للالتحاق بمعهد لتدريس اللغات ببرلين، تاركا وراءه زوجته وأبناءه، لكنه ما فتئ أن عاد إلى سويسرا، واستقر به المقام في مدينة كالفان.

لقد ألف العيش في سويسرا، "لأنها تدعم القضايا الإنسانية وتتميز سياساتها بالحياد وسلم تاريخها من لوثة الاستعمار".

نعم للتعارف ونبذ الكراهية

للشيخ بوزوزو اهتمام واسع بالمعرفة والفكر الإنساني، فهما بوّابتا التعارف بين الشعوب وأسباب التعاون بينها، وفي غيابهما، يسود التعصب وتتحكم الكراهية في حياة الناس.

ويقول: "لم أر في حياتي أخطر من العنصرية. فهي نزعة مدمِّـرة لحاملها ولضحيتها، ولابد من البحث في أسبابها"، ولئن كان يُـقر بأن الاختلاف حقيقة فطرية بين الناس، كاختلاف اللون واللغة والعقيدة، لكنه لا يرى ذلك سببا للتفاضل أو التباغض، بل عونا على التعارف والتعاون.

ويبدو أن معرفته وعلاقته المبكِّـرة بجمعية "حوار الأديان للتسلح الخلقي"، قد لفتت نظره إلى أن ما يجمع بين الناس أكثر مما يفرّق بينهم وأن الحق قِـسمة عادلة بين الأمم والشعوب، إلا من ركب منها مراكب العدوانية وأعمت أعينها مطامع الهيمنة والسيطرة، وشارك بعد وصوله إلى جنيف في حوار الأديان، الذي كان يجمع ممثلين عن المسلمين والمسيحيين واليهود والبوذيين وغيرهم.

وردّا على دُعاة الانغلاق وصراع الحضارات، كان الشيخ بوزوزو، يحُـث العرب والمسلمين على الاستفادة من منجزات الحضارة الغربية، ويرى ذلك "ضرورة، حتى لا تختل الموازين بين الأمم، فيتفوق البعض على البعض ويستكين الآخذ للمأخوذ منه".

وعن القيم التي يدعو المسلمين لاقتباسها، يقول: "المرجع في القيم ما اتفقت عليه الأديان كالأمانة والصدق وحفظ العهد وما شابه ذلك، وأما ما تعلّـق بالمآكل والملبس وبعض المعاملات المالية، فأمره متروك لتعدد الشرائع".

رائد مصلح

ولد محمود بوزوزو في مدينة بجاية، الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط وسلسلة جبال الأطلس الصغير في عائلة علمية محافظة، وقد مر على استعمار الجزائر قرابة المائة سنة، وكانت بعض المناطق في حالة ثورة دائمة على الاستعمار.

وفي صِـغره، تلقى تعليما على يد والده، ثم التحق بإحدى المدارس الأهلية لتعليم التربية الدينية واللغة العربية إلى أن حصل على الشهادة العليا. وعندما أصبح شابا يافعا، كان يحضر من حين لآخر الدروس التي كان يلقيها رائد الحركة الإصلاحية الجزائرية الشيخ ابن باديس، مؤسس جمعية العلماء.

تأثر بوزوزو بفكر تلك الجمعية، الداعي إلى إعادة الاعتبار للغة العربية وإلى محاربة الخرافة والجمود الفكري، وأسس مجموعة من المدارس لتعليم اللغة العربية، التي كان يحاربها الاستعمار في إطار سياسات كانت تهدف إلى إحكام القبضة على الجزائر.

لقد انتبه مبكرا إلى أن التعليم، باب من أبواب تغيير واقع الجزائر، فانخرط في التدريس وتخرج على يديه القضاة والمعلمين والمترجمين.

كما انشغل بوزوزو بتأسيس وقيادة الحركة الكشفية في الجزائر، بغرض تربية الأجيال الناشئة على حُـب الوطن والتضحية من أجل المصلحة العامة وعلى قيم الإيجابية والمبادرة، ويقول عن هذه التجربة، "كان هدفنا مقاومة الغزو الثقافي وتعبئة شباب الجزائر للانخراط في حركة التحرير وطرد المستعمر".

وإلى جانب ذلك، كان فارس قلَـم وإعلامي من الطِّـراز الأول، وأصدر خلال ثلاث سنوات (1951-1954)، صحيفة سياسية دينية حرة بعنوان "المنار"، وهو عنوان لا تخفى دلالاته الإصلاحية، إذ يرجع بِـنا مباشرة إلى مجلة "المنار" الشهيرة، التي كان يصدرها في الشرق الشيخ محمد رشيد رضا، تلميذ محمد عبده في أواخر القرن التاسع عشر، وتواصلت تجربته الإعلامية، وهو في سويسرا، إذ كان عضو في هيئة تحرير مجلة "المسلمون" المصرية التي أعاد الدكتور سعيد رمضان إصدارها من جنيف في بداية الستينات من القرن الماضي.

شاهد على العصر

اختار بوزوزو، البالغ اليوم من العمر 89 سنة، قضاء بقية حياته بمدينة جنيف، مراقبا وشاهدا على التحولات التي عاشتها بلاده طيلة نصف قرن، ومناصرا لقيم الحرية ولحقوق الشعوب المغلوبة على أمرها أينما كانت، فهو يجد نفسه معنيا بكل القضايا الإنسانية العادلة، شِـعاره قول الفاروق "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".

ودفعته هذه الأشواق الإنسانية، التي لا تعرف حدودا إلى رفض الانخراط في أي هيئة سياسية أو حزبية ضيقة، فالسياسة كما تمارس في هذا العصر، "هي دعوة للتعصب والتفرقة، ومولدة لمشاعر الحقد والكراهية".

ويقول الأستاذ مصطفى حابس، برلماني جزائري سابق: "أراد الأستاذ بوزوزو، عندما قدم إلى سويسرا أن يخرج من الاختلافات المحلية، لينخرط في شأن عام، يتعلق هذه المرة بإعادة صياغة الرسالة الحضارية للثقافة العربية والإسلامية"، ولتحقيق ذلك، دخل في علاقة مع المفكر الراحل محمد حميد الله، الذي كان يقيم في فرنسا والذي عرف عنه سعيه لتقديم مبادئ الإسلام بلغة يفهمها العصر، وكانت بين الرجلين سجالات وحوارات في كل من باريس وجنيف.

وأكد الأستاذ يحيى باسلامه، المسؤول السابق في المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف لسويس انفو اهتمام بوزوزو الخاص بكتابات شكيب أرسلان: "كنت أنا ومحمود بوزوزو نزورا معا الدكتور زكي علي، وهو طبيب مصري مقرب من الأمير شكيب أرسلان، (الذي أقام في جنيف في أربعينات القرن العشرين) وكان يحدثنا على أفكار الأمير وسعيه إلى إقناع عُـصبة الأمم بدعم استقلال بلدان الشرق"، لكن شكيب أرسلان غادر جنيف في عام 1946 قبل أن يحل بها محمود بوزوزو، ويؤكد هذا الأخير: "أنه قد اطّـلع على تراث شكيب أرسلان وأنه كان يتابع أعماله".

كما كان للأستاذ بوزوزو دور رائد في خدمة اللغة العربية في سويسرا، إذ ظل مدرسا لها في مدرسة الترجمة التحريرية والفورية، التابعة لجامعة جنيف إلى حين تقاعده، وتخرّج على يديه أجيال من المترجمين العرب الكبار من جميع البلدان العربية، والذين يحتلون اليوم مواقع هامة داخل المنظمات الدولية في جنيف ونيويورك وغيرها.

وعن سعة باعه في الشعر والأدب، يقول الأستاذ باسلامه: "كان بوزوزو يحفظ الأشعار القديمة والحديثة وكان يقرض الشعر أيضا، وكنا نتمتع بالجلوس معه".

معطيات أساسية

ولد محمود بوزوزو في فبراير 1918، وهو أب لأربعة أبناء.
حاصل على الشهادة العليا من مدرسة الجزائر الوطنية.
عضو نشط بجمعية قرطبة الثقافية.
عمل مدرسا للغة العربية بمدرسة الترجمة بجامعة جنيف، وهو الآن متقاعد.
كثير المطالعة في الفنون والعلوم المختلفة، وله مكتبة خاصة تعد قرابة 10.000 كتاب، وسيسلم الجزء الأكبر منها إلى المكتبة العامة التابعة لمدينة جنيف.

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×