السياسة السويسرية المحلية: المؤتمر البلديّ: إرفعوا الإيدي تأييدا لبلديّتي!
تحميل
تقرير من إعداد

السياسة السويسرية المحلية: المؤتمر البلديّ

ارفعوا الأيادي تأييداً لبلديّتي!

"الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب ولصالح الشعب". 

أبراهام لنكولن، الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية



بنيت سويسرا سياسياً من أسفل لأعلى، أي على شكل هرمي. ويعتبر المؤتمر البلديّ حجر الزاوية للديمقراطية السويسرية، أو لحظة ميلاد القوانين المحلية والقواعد والقيم في القرى والبلديّات السويسرية. 

فالكثير من السويسريين والسويسريات يرفعون هنا لأول مرة أيديهم بالموافقة، أو حتى بالرفض. هنا يجتمع ا لناس مع بعضهم البعض ويتباحثون، هكذا يضعون حجر الأساس لعيشهم المشترك. 

"إنهم المواطنون الذين يستطيعون تحديد مصيرهم المشترك وتغييره ـ يا لها من فكرة جمهورية رائعة"، يقول عالم السياسة السويسري كلود لونشام. ففي المؤتمر البلديّ يستطيع الناس تطبيق هذه الفكرة بصورة مباشرة. حيث يحظى المؤتمر البلديّ بالسيادة، ويتخذ قراراته ذاتياً، كما أنه يمثل في ذات الوقت السلطة التشريعية.

وقد قمنا بزيارة خمس قرى وتحدثنا إلى المواطنين، الذين يشاركون في المؤتمرات البلديّة. وفيما يلي نعرض للموضوعات والتحديات التي يتحتم عليهم مواجهتها. 

روح العصر تقضي على الأخضر واليابس

يعتبر المؤتمر البلديّ من خصوصيات الديمقراطية السويسرية. إذ يتفوق الحكم الذاتي للبلديّات في سويسرا على مثيله في أية دولة أوربية أخرى. فهل يسير كل شيّء على ما يرام إذن؟ لا. صحيح أن المؤتمر البلديّ لازال يحظى كما كان بمكانة عالية في العقل الجمعي لسكان البلديّات، إلا أنه يعاني من أزمة. بل أن تلك الأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم: إذ بدأ المواطنون رجالاً ونساءً منذ ثلاثين عاماً في الانصراف عن المؤتمر البلديّ. ولا يبدو أن هناك نهاية في الأفق لهذا التهاوي، ففي أقل من ثلاثين عاماً مضت، اختفى ما يقرب من 800 بلديّة نتيجة للاندماج. بل أن بعض المؤتمرات البلديّة يشارك فيها أقل من واحد بالمائة من الناخبين. وفي تحقيقاتنا هذه نقترب ممن يحجمون عن المشاركة والذين يمثلون بذلك الأغلبية. 

رينات كونتسي


​​​​​​​

غيبف ـ أوبرفريك

هل ستحصل سانغيتا على جواز سفر سويسري؟


"زملائي في العمل عبروا لي عن دعمهم وقالوا لي لا داعي للقلق"

سانجيتا باسكاران قبيل الإجتماع الحاسم

لفتت السيدة الشابة والجميلة الأنظار في البلديّة القروية بكانتون آرغاو: بشرة داكنة، وشعر أسود وأسنان ناصعة البياض. ولدت سانغيتا باسكاران في سريلانكا ونزحت وهي في سن الرابعة من عمرها مع والديها هرباً من الحرب الأهلية. بعدها بعامين حصلت الأسرة على لجوء في سويسرا. وانتهى بهم المطاف في منطقة مهمشة ريفية، وفي واحد من أكثر كانتونات سويسرا تشدداً ـ وهو كانتون آرغاو.

في الأثناء، تزوجت السيدة باسكاران وأنجبت ولدين، كما حصلت على عمل كاستشارية لعملاء القطاع الخاص ببنك Raiffeisen. تتكلم السيدة ابنة الثلاثة والثلاثين عاماً اللغة الألمانية السويسرية بطلاقة، ولم تعد ثمة علاقة تُذكر تربطها بسريلانكا، كما ترى أن مستقبل أسرتها يجب أن يكون في سويسرا، حيث تقوم هي وزوجها حالياً ببناء بيت لهم.

مُلئت الاستمارات، وقُدمت المستندات: في أمسية التجنس يبدو الارتباك واضحاً على سانغيتا باسكاران.

لذلك تسعى الآن إلى الحصول على الجنسية السويسرية.

لكن هذا الأمر ليس سهلاً البتة في سويسرا. ولا يستطيع زوجها تقديم طلب بهذا الشأن، ذلك لأنه لم يعش لمدة كافية بعد في البلد. كما أن السيدة باسكاران نفسها لم تستوفِ الشروط المطلوبة إلا مؤخراً، لأنها لم تكن تستطيع المكوث في ذات البلديّة لمدة ثلاثة سنوات متصلة بسبب دراستها.

وبعدما قامت بمليء العديد من الاستمارات، وقدمت الكثير من المستندات، واستدعت أسماء مدرسيها القُدامى من الذاكرة بجهد جهيد، بل واجتازت اختباراً تحريرياً على مستوى الكونفدرالية، بعد كل هذا حان الوقت أخيراً. فقد أعطت بلديّة غيبف ـ أوبرفريك أخيراً الضوء الأخضر لتجنيس السيدة باسكاران وولديها في المؤتمر البلديّ.

 تعالت صيحات التنديد بالفعل

قبيل بداية المؤتمر بسويعات قليلة ظهر عليها الارتباك واضحاً. "تمنى زملائي في العمل لي التوفيق ونصحوني بألا أقلق"، تقول باسكاران.

"إنني سعيدة أن أصبح رسمياً جزءً منكم". هكذا قالت باسكاران بعد أن حصلت على الجنسية.

ولكن: من السهل قول هذا ومن الصعب فعله. فبلديّة غيبف ـ أوبرفريك لديها قصة مشهورة: هنا رفض الناخبون عام 2016 منح الهولندية نانسي هولتن جواز السفر السويسري، برغم اندماجها في المجتمع بصورة جيدة. فقد تعالت صيحات التنديد في المؤتمر البلديّ آنذاك. إذ رأت البلديّة أن تلك السيدة المنخرطة في جمعيات الرفق بالحيوان إنسانة شديدة التطرف، لذلك أهانوها وسَبُّوها.

فهل يخيفك هذا؟ لا، فالسيدة باسكاران لا تحب أن تقارن نفسها بالناشطة نانسي هولتن. "هولتن كانت استثناءً"، على حد قولها. "إن غيبف ـ أوبرفريك ليست بلديّة متشددة في حد ذاتها، فنسبة التجنيس مرتفعة". برغم ذلك فلقد تركت أبنائها في البيت. 

ورقة رابحة من نوعٍ فريد

بل أن باسكاران ترى أن اضطلاع الناخبين وليس إحدى السلطات بقرار التجنيس يعد في حالتها ميزة. "فالناس في القرية يعرفونني، لأنني أعمل هنا، ولإن وجهي مطبوع على لافتات بنك Raiffeisen ولإن أولادي يذهبون هنا إلى حضانة الأطفال وإلى المدرسة".

كما أنها تملك ورقة رابحة من نوع فريد: "إن والدتي تعمل كمرشدة للتلاميذ، فهي تقوم بمرافقة الأطفال أثناء عبورهم للشارع. لذلك فكل الناس يعرفونها". 

ارتفاع حدة التوتر

اجتمع 273 مواطناً ومواطنةً في صالة الألعاب الرياضية. صافحت سانغيتا باسكاران الكثير من الأيدي، وتلقت الأمنيات، كما لوحت لبعض المعارف بيدها. فهي تعرف الكثير من السكان. "أنت تعلمين كيف هي الأحوال في غيبف ـ أوبرفريك"، يقول أحد المواطنين، غامزاً بعينيه في إشارة إلى حالة نانسي هولتن. لكن باسكاران لا زالت غير قادرة على المشاركة في الضحك بأريحية.

"الناس في القرية يعرفونني"، تقول السيدة التي حصلت تواً على الجنسية السويسرية.

هناك كذلك زوجان من النمسا وفرنسا ومراهق تركي قد تقدموا معها بطلبات للتجنس. والتمس أحد الحاضرين من هذه المجموعة الصغيرة الجلوس على دكة في آخر صفوف الصالة الرياضية. "إننا نجلس على دكة العقاب"، تقول السيدة النمساوية مازحةً، وهي على يقين أن الأمر لا يعدو تسهيلاً لعملية عد الأصوات. فلا يحق للراغبين في التجنس المشاركة في الاقتراع بعد.

انحنت السيدة النمساوية على باسكاران وهمست: "هل أنت ابنة السيدة ....؟". لم تستطع باسكاران إخفاء ضحكتها. إن الأمر تماماً كما تنبأت به: فالناس يعرفونها بفضل أمها. 

السيرة الذاتية على الشاشة

تقوم رئيسة البلديّة بسرد مقتطفات عن كل متقدم للتجنس مع عرض لبياناته: أين ولد وأين تربى، تعليمه، هواياته، والجمعيات التي ينتمي إليها.

تحب سانغيتا باسكاران الطبخ. "حتى الأطباق السويسرية أيضاً"، تؤكد رئيسة البلديّة. "أما أمها فهي أكثر شهرة..."، قاطعتها ضحكات وهمهمات. 

ثم أعقب هذا العرض مناقشة. "هل هناك ثمة أسئلة أو ملاحظات؟". سأل أحد المواطنين عن أحكام القانون. فهل تجنيس مراهق دون سن الرشد بدون والديه يعد أمراً مشروعاً؟ "نعم، هذا قانوني"، تقول رئيسة البلديّة.

 قبول متحمس

يتحتم على الراغبين في التجنس مغادرة الصالة الرياضية، إذ حان الوقت للاقتراع. يقوم المواطنون برفع أيديهم إذا ما أرادوا التعبير عن موافقتهم. في حالة باسكاران كانت الأيدي كثيرة جداً، بحيث لم يحتاج الذين يَتولَّون عد الأصوات القيام بعملهم. كذلك تم قبول الآخرين الذين تقدموا بطلبات للتجنس.

حينما عاد أصحاب طلبات التجنس إلى القاعة، صفق المواطنون بقوة وحماس. بدت سانغيتا باسكاران متفاجئة بالتصفيق، لكنها ضحكت بعدها بمنتهى السعادة. "أشكركم من كل قلبي"، هكذا قالت في الميكروفون. "إنني سعيدة أن أصبح رسمياً جزءً منكم ". ثم أضافت رئيسة البلديّة: "حتى في غيبف ـ أوبرفريك يمكن أن يجري التجنيس بيسر". صفق الحاضرون من جديد. 

النص: سيبيلا بوندولفي، الصور: طوماس كِيرن

بلديّة خامرسرور

الديمقراطية في غرفة المعيشة


"ماذا يفيدنا وجود ساكن ثري، إذا لم يشارك في أي شيّء؟ هنا لابد من مشاركة الجميع". 

أولي إمش، رئيس البلديّة




​​​​​​​يتقابل المشاركون في الاجتماع بمبنى البلديّة القديم.

حيثما تنتهي الهضبة السويسرية وتأخذ سلاسل مرتفعات جبال جورا في السمو، هناك تقع خامِرسرور، التي تضم بعض من المزارع وقليل من بيوت العائلات. فسكان البلديّة البالغ عددهم 29 نسمة ومساحتها التي لا تتعدى كيلومتر مربع واحد يجعلون من هذه البقعة إحدى أصغر بلديّات سويسرا الصغيرة.

تستطيع بلديّة خامرسرور الاستمرار نتيجة لخاصية أخرى فريدة: فالمؤتمر البلديّ لا ينعقد في صالة رياضية، أو في صالة متعددة الأغراض أو حتى في صالة مطعم القرية، كما هي العادة في سويسرا ـ فكل هذا غير متوفر في المكان. لذلك فإن المواطنين يلتقون في غرفة معيشة كل من ديميتري بلوس وشريكة حياته مارسيل شليفلي. 

الالتزام بفتح غرفة المعيشة

فالشاب والفتاة، أصيلا هذه المنطقة، هما من استأجر مبنى البلديّة. ويرتفع بيت العائلة الصغير المعدل هذا فوق الحافة الجنوبية لجبال جورا. وهما يران من غرفة معيشتهما منظراً بانورامياً للقمم البيضاء لجبال الألب التي تحد الهضبة السويسرية من الناحية الجنوبية.

 لكن في هذه اللحظة لا يُقَدِّر كل من ديمتري بلوس ومارسيل شليفلي هذا المنظر. وذلك لإن عقد الإيجار الخاص بهما يحتوي على فقرة تلزمهما بفتح غرفة معيشتهما مرتين في السنة لعقد المؤتمر البلديّ. ويعتبر هذا الوضع أمراً فريداً من نوعه، حتى في سويسرا نفسها.

 أريكة جلدية وعدة كراسٍ

ففي مساء اليوم حان الموعد من جديد: إنهم عشرة مواطنين، يصافح الجميع بعضهم البعض، ويتعامل الكل بغير كلفة مع الآخر. وتتبقى دقائق معدودة للثرثرة أمام البيت.

قبيل الثامنة يدعو رئيس البلديّة أولي إمش الجميع للتفضل بالدخول. يجلس كل من ديمتري ومارسيل على أريكتهم الجلدية السوداء، بينما يجلس الآخرون على مقاعد وكراسٍ.

أمام المنضدة يجلس رئيس البلديّة الذي يعمل بالزراعة وبجواره آليسا فيساز. فكاتبة البلديّة الشابة التي تشغل منصبها في البلديّة بجانب عملها الأصلي ـ مثلما هو حال الرئيس نفسه ـ تقوم بكتابة محضر الاجتماع على حاسوبها المحمول.

​​​​​​​

قبيل اجتماع المؤتمر البلديّ يتجاذب المواطنون أطراف الحديث. أما ربة البيت الموجودة في حوض الزهور فتأخذ الأمر ببساطة.

العالم يصبح أكثر تعقيداً، حتى هنا

يقوم أولي إمش بتحية الحاضرين. ففي غرفة المعيشة وبحضور عشرة مواطنين يصبح إجمالي نسبة المجتمعين 38،5% من الناخبين ـ وهي نسبة خيالية بالنسبة لمتوسط المؤتمرات البلديّة على المستوى الوطني. ويقترح إمش أحد الحاضرين في الصف الثاني من الكراسي كي يقوم بعد الأصوات ـ ويحصل اختياره على موافقة الجميع. كذلك يمر محضر الاجتماع الماضي في غرفة المعيشة والذي كتبته آليسا فيساز بدون اعتراض من أحد.

والآن يأتي الدور على أهم بنود هذه الأمسية من أمسيات الديمقراطية المحلية: إنه بيان الحساب السنوي للعام الماضي. وبرغم صغر حجم البلديّة، إلا أن مدفوعات وأرصدة خامرسرور تقع في 51 صفحة. وخلف هذا التل من الأرقام تختفي معلومات وقصص، تحكي عالم خامرسرور. 

بدون بنية تحتية تُذكر

عهدت البلديّة الصغيرة إلى المستأجرين الشابين ديمتري بلوس ومارسيل شليفلي مع مبنى البلديّة بثروة أقلها طاقم السفرة الفضي. فبيت العائلة والأرض المقامة عليه يشكلان أكبر جزء في ثروة البلديّة، والبالغة رسمياً 371 ألف فرنك. 

وعلى كثرتها فإن أعمدة الأرقام والمبالغ الإجمالية تظهر مدى وضوح عالم خامرسرور: شارع واحد ومبنى البلديّة الذي نجلس فيه الآن ومواسير للمياه والصرف الصحي. هذا هو كل شيّء. لا توجد بنية تحتية مثل مبنى للمدرسة ولا ملعب لكرة القدم ولا اتحاد، ولا حتى منصة تنشين، مثل تلك التي لا تزال تعرفها الكثير من البلديّات في سويسرا. لكنها تمتلك بعضاً من الغابات.

"لم أكن أرغب في هذه الوظيفة. لكن لم يكن لدينا أي شخص للقيام بذلك".

لورينز نسباومر، المجلس المحلّي


موقع جيد، ودخل جيد

أما ما يُبقي تلك البلديّة على قيد الحياة، فهو موقعها الخيالي. "إننا نعيش على ما يدفعه السكان الأثرياء من ضرائب"، يقول أولي إمش لاحقاً بالخارج أثناء تناول وجبة خفيفة. إنه شخص يقر بحقيقة الأمور بلا مواربة. "لكن ما الذي يفيده وجود ساكن ثري، إذا لم يشارك معنا؟ هنا لابد للجميع من المشاركة".

إن دافعي الضرائب المرتفعة يتكفلون إذن بأن تظل بلديّة خامرسرور على ما يرام من الناحية المالية. وهذا سبب آخر يدعو أولي إمش للرضا عن وجوده في منصبه.

فرئيس البلديّة يدرك جيداً أن الوضع المالي هو ما يضع المزيد من البلديّات السويسرية في مأزق. أما دافعو الضرائب المرتفعة ومنهم أحد رجال الأعمال السابقين وأحد أعضاء مجلس الإدارة فإن أثرهم يظهر بوضوح: ففي غرفة المعيشة ارتفعت عشرة أيّدٍ لأعلى بالموافقة، حينما قدم أولي إمش بيان الحساب السنوي للتصديق عليه.

 وبعد شكر المحاسِبَة وكاتبة البلديّة اختتم إمش جلسة المؤتمر البلديّ، التي لم تستغرق سوى 28 دقيقة.

 النص: رينات كونتسي، الصور: إنريك مونيوس غارثيا.

المجلس المحلي في أرقام

خامرسرور: تعتبر بمساحتها التي تبلغ 0،94 كيلومتر مربع أصغر بلديّة في كانتون سولوتورن.

السكان: 29 نسمة، منهم 26 يحق لهم الانتخاب. لا يوجد حالياً أطفال بالمدارس.

الحكومة المحلية (المكتب التنفيذي): ثلاثة أعضاء

سياسيو ميليشيات: أي يشغلون مناصب سياسية بجانب عملهم الأصلي.

أصغر بلديّة في سويسرا هي بلديّة كايزرشتول في كانتون آرغاو. فهي تبلغ 0،32 كيلومتر مربع، أو ما يعادل مساحة 40 ملعب كرة قدم.

أكبر بلديّة هي بلديّة غلاروس ـ سود (غلاروس الجنوبية). فهي بمساحتها البالغة 430 كيلومتر مربع تفوق مساحة العاصمة الفرنسية باريس.

نهاية الإطار التوضيحي



باسرسدورف

أنشودة رومانسية


باسرسدورف

"في حالة الموافقة على بيان الحساب السنوي لا يتبق للمواطنين رجالاً ونساءً الكثير ليدلوا برأيهم فيه".

إلفيرا فينوستا، إدراة بلديّة باسرسدورف






في الصيف تكتسي سويسرا بمئات المهرجانات المفتوحة. وهي تعتبر بمثابة مغناطيس يجتذب الجمهور. وفي باسرسدورف، إحدى البلديّات الواقعة على مقربة من مطار زيورخ، تحاول السلطات إحداث تأثير مشابه: وذلك بأن تجعل من اجتماع المؤتمر البلديّ مناسبة احتفالية، على أمل ذهاب أي نوع من المواطنين إليه. 

غير بعيد، تقلع وتهبط الطائرات الكبرى. وتعتبر باسرسدورف في كانتون زيورخ بسكانها البالغ عددهم 11500 نسمة مدينة بالفعل، ولكنها بقيت وفيّةً لاسمها: فبرغم نموها ظلت باسرسدورف (أي قرية باسر) ـ كما كانت ـ قرية. وهناك، حيث يوجد ميدان القرية، ينعقد المؤتمر البلديّ في دورته الصيفية. في الهواء الطلق.

بأجواء الهواء الطلق تلك تسعى السلطات لتحقيق عدة أهداف: فهي تريد من ناحية بث الروح في ميدان القرية الذي أُعيد تخطيطه عام 2016، ومن ناحية أخرى تريد وضع السياسة المحلية في مرمى النظر. ومن شأن هذا أيضاً المساعدة في كسب اهتمام المزيد من السكان بالسياسة المحلية. 

"الزبائن المستديمون"

إلا أن هذا الشعور بالأريحية الصيفية في ممارسة السياسة المحلية يتعذر انتقاله للسكان بحق: ففي هذه الأمسية من شهر يونيو ظهر بالكاد 85 من الناخبين. "إنهم الزبائن المستديمون"، مثلما تقول إلفيرا فينوستا من مستشارية بلديّة باسرسدورف. وهم يمثلون فقط 1،2% من الناخبين البالغ عددهم 7000 شخص. على أية حال فقد حضر الجلسة الافتتاحية في الصيف الماضي 150 ناخباً. 

وتعتبر المشاركة الهزيلة مصدر احباط خفي لفينوستا أيضاً. لكنها تتفهم كذلك السبب، فمؤتمر يونيو يتناول التصديق على بيان الحساب السنوي. "وهنا لا يوجد الكثير مما يمكن للمواطنين أن يدلوا برأيهم فيه". فبعد حوالي ثلاثة أرباع الساعة نكون قد فرغنا من بيان الحساب السنوي. وبعدها تسود أجواء الحفل الصيفي في ميدان القرية: زجاجات محمولة في صناديق تبريد، يتم فتحها. ثم تقدم الوجبة الخفيفة، ويصبح الجو العام مؤنساً.


​​​​​​​رينات كونتسي (النص)، طوماس كيرن (الصور)

إيغيفيل

"لذلك لا نذهب"



"لم أعد أستطيع قيادة السيارة ويلزمني أكثر من ساعة سيراً على الأقدام، كي أصل من مزرعتي النائية إلى مبنى مدرسة القرية".

إحدى المواطنات​​​​​​​

يتم فرز الأصوات بسرعة في إيغيفيل.

هضاب شديدة الانحدار، تقف على قمتها شجرة، ومزارع متناثرة تزدان نوافذها بزهر اللقلقي، ومروج شاسعة تنبسط بينهم حتى الضيعة التالية، وفوق النهر يمتد جسران ـ هذه هي إيغيفيل في وادي إمنتال بكانتون برن، قرية متناثرة المباني، بسكانها البالغ عددهم 2500 نسمة. 

اليوم ينعقد المؤتمر البلديّ، بل يمكن القول كذلك: "المؤتمر الشبحي". حيث لا يحتوي جدول الأعمال إلا على بيان الحساب السنوي، فالبلديّة إذن ستسوي حساباتها المالية. وطبقاً للخبرة السابقة فلا يحضر مثل هذه الاجتماعات أكثر من واحد إلى إثنين بالمائة من الناخبين رجالاً ونساءً. 

الأغلبية الصامتة الموافقة

"إن المصادقة على بيان الحساب السنوي غالباً ما تقابل بقلة اكتراث"، يوضح رئيس البلديّة نيكولاس روغسإغر. "فإذا لم يكن ثمة تغييرات كبيرة في الموازنة، فقلما يرى الناس أنهم بحاجة للموافقة على بيان الحساب السنوي. 

ومن وجهة نظر مجلس البلديّة يعتبر هذا الموقف دليلاً على الثقة في المجلس، بحيث لا يشارك سوى القليل من المواطنين فقط في المؤتمر البلديّ تحت هذه الظروف". 

لقد تناقشنا داخل مجلس البلديّة كذلك حول ما إذا كان من الضروري عقد المؤتمر في شهر مايو. لكن هناك مواطنين يشاركون منذ سنوات في اجتماعات المؤتمر، كما أنه بعد الانتهاء من الاجتماع تنشأ بعض الأحاديث الجيدة مع هذا أو ذاك. وإذا ما كان هناك أمر هام على جدول الأعمال، فإن الناس يأتون للمشاركة بالفعل. ففي بعد الاجتماعات وصلت نسبة التصويت إلى 16% بالفعل، بينما تبلغ في المتوسط 4%. 

الكل يريده ـ لكن أحداً لا يذهب إليه

استطلعتswissinfo.ch   الآراء في القرية قبيل انعقاد المؤتمر البلديّ. فمعظم هؤلاء الذين يحجمون عن الذهاب، يشعرون بوخز الضمير ويؤكدون أنه قد يكون من المفيد ذهابهم إلى المؤتمر. والكثيرون يرون أنه من الأهمية بمكان ألا تقتصر المشاركة في اتخاذ القرار على أقلية متناهية الصغر. بل أنه لم يوجد فرد واحد يتمنى إلغاء المؤتمر البلديّ. إذن، لماذا يُحجم المواطنون والمواطنات عن المشاركة في المؤتمر البلديّ؟

 النص: سيبيلا بوندولفي، الصور: توماس كِرن



مارتن برشبول

صاحب محلٍ لمواد البناء.

"لن أستطيع الذهاب إلى المؤتمر البلديّ، بسبب ارتباطي بموعد. فعادة أذهب إليه، خاصة في حالة وجود انتخابات. لكنني على العكس، أرى أن بيان الحساب السنوي، لا يثير الاهتمام. فأنا أثق في السلطات، وأثق أن الأمور تسير كلها على ما يرام.

أما إذا ما كان هناك أمر استثنائي، فإنني أذهب في كافة الأحوال. على سبيل المثال، حينما ناقشنا قبل عشرين عاماً، ما إذا كان من الأفضل بناء جسر من الخشب أم من الخرسانة لربط القرية. فأنا كصاحب محلٍ لمواد البناء كان الأمر هاماً بالنسبة لي: ذلك لأنني كنت أقود سيارتي لعدة سنوات عبر جسر خشبي خطير وذي حارة واحدة. أما الآن فأصبح هناك بخلاف الجسر الخشبي جسر آخر خرساني".

 



فرنر يوتسي،

صاحب ورشة نجارة

"بصفتي أحد أعضاء الحكومة المحلية (المكتب التنفيذي) سابقاً فإنني أدرك مشكلة نقص المشاركين في المؤتمر البلديّ. كنت أيضاً أشعر بالإحباط، حينما كان عدد أعضاء المكتب التنفيذي يفوق عدد المواطنين الحاضرين في الاجتماع. لذلك فإنني ذاهب اليوم إلى اجتماع المؤتمر البلديّ، بالرغم من أن وجود بيان الحساب السنوي على جدول الأعمال ليس بالأمر المثير للاهتمام".



سونيا فوغل،

ربة بيت وأم

"إنني أثق في السلطات وأفضل البقاء في خلفية المشهد السياسي. اليوم لدي تدريب موسيقي، لذلك لن أستطيع الذهاب إلى المؤتمر البلديّ. ويحدث هذا في معظم الأحيان، لإن اجتماع المؤتمر البلديّ ينعقد يوم الجمعة. لقد شاركت مؤخراً في أحد اجتماعات المؤتمر البلديّ. فلابد أن يكون الموضوع مثيراً جداً للاهتمام. مثل موضوعات تتعلق بالأطفال أو بالمدرسة أو ما يشابهها، حينها أود المشاركة في اجتماع المؤتمر البلديّ. وإذا ما أصبح في الإمكان عقد اجتماع إلكتروني (أي على الإنترنت) للمؤتمر البلديّ، فأود المشاركة فيه".




غوتفريد هرسبرونر

متقاعد

"أعيش مع زوجتي في دارٍ للمسنين. ولن أذهب اليوم إلى اجتماع المؤتمر البلديّ، لأنني أشعر وأنا في سن التسعين أنني قد أصبحت مسناً جداً كي أشارك فيه. حينما كنت أصغر سناً، كنت أرحب بالذهاب إليه.

في السابق كنت أريد تغيير العالم. أما اليوم فأرى أنه من المستحيل فعل هذا. وفي السابق كان هناك المزيد من المهتمين بالمؤتمر البلديّ. وربما يكون الذنب في هذا ذنب كُتَيِّب الانتخاب الذي تصدره مطبعة البلديّة: فالناس لديهم معلومات كافية، تجعلهم ليسوا بحاجة للذهاب إلى المؤتمر البلديّ".



هانز كِيرن

مدير فندق صغير للمبيت والإفطار

"إنني لن أستطيع المشاركة اليوم في المؤتمر البلديّ، لأني مدعو لحضور حفل عرس. ولكن حينما تكون هناك شؤون أخرى أكثر أهمية من بيان الحساب السنوي، فإنني أحاول تنظيم وقتي. والانتخابات تثير اهتمامي أكثر. ولكن: لإن أعداد الراغبين في شغل أحد مناصب المكتب التنفيذي للبلديّة في تناقص مستمر، لذلك فقد أصبحت الانتخابات هادئة للغاية.

لازلت أتذكر أحد المؤتمرات البلديّة المذهلة، حيث كان الأمر يتعلق بدار المسنين، إذ تم تغيير الكثير من الموظفين وساد جو عام سيء للغاية. لقد كانت أمي نفسها تعيش في تلك الدار، لذلك فإنني تعرفت على الوضع عن كثب. وقد أعربت في المؤتمر البلديّ عن رأيِّ بإسهابٍ وتفصيل، لربما أكثر مما ينبغي، لكن رئيس البلديّة ترك لي المجال لأدافع عن موقفي.

في النهاية سادت المكان ضوضاء حقيقية، وصفق الناس طويلاً. وأسفر المؤتمر عن إقالة مديرة الدار. وهذا هو الجانب الإيجابي للمؤتمر البلديّ، فهو شكل من أشكال الديمقراطية المباشرة جداً".



عائلة تسورخر

"ياه، هل سينعقد المؤتمر البلديّ اليوم؟ لقد نسينا. إننا نشارك في الاقتراعات، ولكن الذهاب إلى المؤتمر البلديّ يكون عادةً أمراً صعباً. فقط في المناسبات الخاصة ـ مثلاً: حينما مُنح الجد شهادة في النيشان، أو حينما كُرِّم زوجي كملاكم، أو حينما حصل المواطنون الشباب في عمر الثامنة عشرة على خطاب المواطنة الذي ينطوي على حقوقهم والتزاماتهم كمواطنين راشدين ـ حينها تحملنا مشقة الطريق المنحدر إلى الوادي سيراً على الأقدام أو بالدراجة".



كورت ماير

مدير مطعم "Bären".

" من التقاليد المُتَّبعة أن يحتسي المجتمعون بعد المؤتمر البلديّ قدحاً من البيرة في مطعم "Bären". بهذه الطريقة أتعرف على أهم ما دار وأتمكن من الإدلاء برأيِّ، وإن كنت أذهب بنفسي كل ثلاثة مرات إلى المؤتمر البلديّ.

وفي أول مرة ذهبت فيها إلى المؤتمر البلديّ كنت في الصف التاسع. وكان الموضوع آنذاك يتعلق بشراء أحد الفنادق. لقد كان الأمر شيقاً، كما لو كنت أشاهد فيلماً بوليسياً! إنني أنوي الذهاب مساء اليوم إلى المؤتمر البلديّ ـ إذا لم أنسَ هذا الأمر!"



برنهارد فوتريش،

جزار.

"أريد اليوم الذهاب إلى اجتماع نادي هوكي الجليد. فأنا لم أذهب أبداً في حياتي إلى اجتماعٍ من اجتماعات المؤتمر البلديّ، إنه لا يهمني. أما إذا تعلق الأمر بترسيم حدود الأرض الزراعية، فسأذهب. معظم زملائي لا يذهبون إلى اجتماعات المؤتمر. لكنني أرى أنها ستكون خسارةً إذا ما تم إلغاء المؤتمر البلديّ".

المؤتمر البلدي بإيغيفيل

"تُقام اليوم مباراة كرة قدم، لذلك فعددنا قليل كما ترى"، هكذا أوضح أحد المواطنين في المؤتمر البلديّ ببلديّة إيغيفيل وهو يتطلع إلى صالة الألعاب الرياضية، نصف الفارغة. 

بالفعل، فلم يحضر من الناخبين البالغ عددهم 1891 ـ بخلاف السبعة أعضاء بالمكتب التنفيذيّ البلديّ، وكاتب البلديّة وعضو المكتب التنفيذيّ الجديد مع زوجته ـ سوى تسعة رجال وثلاث سيدات إلى المؤتمر البلديّ. حيث بلغ إجمالي عدد الحاضرين 22 ممن يحق لهم التصويت ـ وهو ما يعادل 1،1% من الناخبين. 

من بين صفوف المواطنين الهزيلة تلك، انتُخِب في البداية شخصاً ليقوم بمهمة عد الأصوات في هذه الأمسية، وقد وقع الاختيار على أحد مربيّ النحل. "إنه يعد النحل في العادة"، يقول رئيس البلديّة مازحاً.  

ثم عُرِض الحساب السنوي، وسُمح للمواطنين بطرح أسئلة. وقد أراد أحد المواطنين معرفة إذا ما كان اعتبار رياض الأطفال لمدة عامين إجبارياً قد أثَّر على الحساب السنوي أم لا. لا أحد يعرف، هكذا جاء الرد مُماطلاً. يتكلم رئيس البلديّة بلا كلفة مع السائل، فالجميع يعرفون بعضهم البعض. وفي الاقتراع كان هناك صوتاً واحداً فقط معترضاً ـ إذ صَدَّق 21 مواطناً ومواطنة على الحساب السنوي.

 ثم استمرت أسئلة وملاحظات ورغبات المواطنين. حيث أعرب أحد مربيّ النحل عن امتنانه للمكتب التنفيذيّ بسبب دعمهم له بمبلغ 20 فرنكاً عن كل خلية نحل وهو ما أُبلغ به عن طريق البريد. "إنه لشيء عظيم، وله دلالة ممتازة!"، هكذا صاح بكلمات متدفقة.

 ابتسم رئيس البلديّة ابتسامة أبوية، ثم التفت إلى المواطن التالي الذي أراد معرفة سبب "العاصفة" التي تجتاح دار المسنين، ولماذا أصبحت موضوعاً مستمراً في الإعلام المحلي. "فهل تقوم البلديّة بعمل شيء بهذا الصدد"، يريد أن يعلم. "لا تصدق كل ما يكتب في الصحف!"، هكذا أجاب رئيس البلديّة بلا اكتراث.

 ثم طلب مواطن آخر الكلمة: "اليوم دُفن عمي"، هكذا بدأ روايته. "لقد كان يعيش هو الآخر في دار المسنين. ويمكنني القول إنه كان يشعر هناك بالراحة التامة". ويبدو أن المواطن الأول قد هدأ بدايةً لسماع هذا القول.

ولكن حينما روى مواطن ثالث ـ من مجلس إدارة دار المسنين ـ أن سويسرا تفتقر إلى العدد الكافي من العاملين في مجال الرعاية الصحيّة وأن الموظفين يستقيلون لذلك على الفور لأتفه الأسباب، وأنه يريد معرفة السبب وراء ذلك، ساعتها قاطعه رئيس البلديّة. هنا قفز الرجل من مقعده وصاح برأس يشتعل غضباً: "إذا ما كان المطلوب منا فقط هو الموافقة، فلنفعل هذا بالبريد!"، ثم اندفع إلى خارج القاعة الرياضية.

"مع السلامة، إريش*"، قال رئيس البلديّة واستأنف الاجتماع بلا أدنى تأثر. بعدها قام أحد المواطنين بالدعوة إلى إقامة مسابقة في النيشان، كما طلب المجلس البلديّ من الحاضرين الاستعلام في محيط معارفهم، إذا ما كان هناك حاجة في البلديّة لإنشاء حضانة لرعاية الأطفال، كذلك تم توديع العضو المستقيل من المكتب التنفيذيّ وتحية العضو الجديد، بهذا وصل المؤتمر البلديّ إلى نهايته، ومن ثَمَّ اتجهت المجموعة كما هي عادتها إلى مطعم "Bären" لاحتساء البيرة وتناول لُقيمة.

 *تم تغيير الاسم

 ​​​​​​​بقلم سيبيلا بوندولفي

نهاية الإطار التوضيحي



ترواتوران

الثلج ـ نقمة ونعمة الديمقراطية القروية

"أضاعت الثلاثة بلديّات ترواتوران وفال دييه وشامبري عِقداً من الزمن في الصراع من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، بدلاً من التفكير في المستقبل البعيد".

لوك فُليه، رئيس بلديّة شامبري

تمثل بلديّة ترواتوران تاريخ البلدِيَّات الصغيرة في جبال سويسرا والتي اندفعت بقوة نحو الحداثة خلال عدة أجيال قليلة. ففي خمسينيات القرن الماضي بدأت السياحة في قلب كل شيّء هنا رأساً على عقب: إذ اكتست قمم الجبال بمصاعد تلفريك التزلج وبأخرى ذات مقاعد، وهنا في أعلى هضبة مورجان نشأت استراحات متناثرة، كما لو كانت عيش غراب يطل برأسه من داخل الأرض.

المواطنون يرسمون معالم الطريق

 إلا أن التنمية لم تَسِرْ بصورةٍ عشوائية: فقد تم إشراك المواطنين، حينما كان الأمر يتعلق بِمَا ينبغي بناؤه، وأين ومتى. فالسكان هم من قرروا في اجتماعات المؤتمر البلديّ مصير بلدِيَّتهم. وتقع ترواتوران في مدخل وادي فال دييه، وهو وادٍ جبليٍّ حدوديّ، يمتد في اتجاه فرنسا. وتقع البلديَّة جزئياً في الوادي، بينما يرتفع نصفها الآخر لأعلى، فوق قمم الجبال الثلجية.

إن أقرب مسافة جوية لبلديّة شاتيل الفرنسية المجاورة ليست بعيدة. وكان تعاون أبناء كانتون فاليه مع السلطات الفرنسية قد أثمر تأسيس المشروع الرياضي العملاق "Portes du Soleil"، وهو عبارة عن منطقة تزلج فرنسية ـ سويسرية، والتي تُعَدُّ بمسارات التزلج فيها والتي تبلغ إجمالاً 600 كيلومتر، واحدةً من أكبر المناطق في هذا المجال على مستوى العالم.


المواطنون والمستوطنون الأوائل يجتمعون منفصلين

يضم كانتون فاليه 126 بلديَّة. وتحظى البلديّات الإحدى عشر الكبرى ببرلمان محليٍّ منتخب. أما المناطق الأخرى فلازال بها مؤتمر بلديّ، حيث يناقش السكان مقترحات المكتب التنفيذي ويقترعون بشأنها.

أما في ترواتوران فتجري الأمور بلا تكلف، فالكل يعرف بعضه البعض، ولا يتردد المشاركون في مواجهة رئيس بلديّتهم بأسئلتهم وتعليقاتهم الناقدة.

ويعقب المؤتمر البلديّ عادةً اجتماع بلديّة المواطنين. وهي أثرٌ قديم باقٍ من عهد الكونفدرالية القديمة (1712ـ1798)، حينما كانت هذه المنطقة تُحْكَم من قِبَل الأسر النبيلة التي سبقت في استيطان هذا المكان.

مهجور في الصيف. اقبال كبير على القطار الجبلي في الشتاء.

الرياضات الشتوية كمصدر للهموم

لقد كان مصير مورجان بصفتها مقصد للرياضات الشتوية هو ما شغل اجتماعات المؤتمر البلديّ لمدة طويلة. فمنذ الشتاء الرابع على التوالي الذي خلا تقريباً من الثلج، تراكم على المصاعد الجبلية التي تتشارك فيها البلديّة، خسارة قدرهاً إجمالاً ما يتراوح بين أربعة إلى خمسة مليون فرنك.

فضلاً عن ذلك كان يتوجب إجراء صيانة لأحد مصاعد التلفريك ذي المقاعد، وإلا أصبح مهدداً بسحب ترخيص التشغيل في الشتاء التالي.

إلا أن الموارد المطلوبة تخطت القدرات المالية للبلديّة بفارق شاسع. لهذا تحتم إرسال نداءات استغاثة في كل الاتجاهات. حتى لمالكي الاستراحات في المنطقة، إذ يعتبر هؤلاء بمثابة عملائنا الأوفياء، وقد أصبحوا على مر السنين جزءً من أسرتنا الكبيرة إلى حدٍ ما.

بهذا شهدت عدة اجتماعات للمواطنين الموافقة على التبرع بما يربو على المليون فرنك. إذن، فقد جاء الغوث، حتى وإن لم يصل من تلك التبرعات الموعودة في النهاية سوى حوالي النصف فقط.ومع وصول المساهمات التي من شأنها إنقاذ الوضع ـ حيث أمكن تشغيل مصعد (تلفريك) التزلج والمصعد ذي المقاعد في هذا الشتاء ـ عاد كذلك الثلج مرة أخرى: فقد وصل منسوبه في مورجان ـ كما في معظم مناطق جبال الألب ـ إلى ارتفاع لم يحدث منذ عشرين عاماً.

تراوتوران: رجل في الوادي وأخرى في قمة الجبل.

العولمة في نطاق مصغر

إلا أن الإنقاذ على المدى المتوسط والبعيد يكمن في اندماج شركات السياحة والمصاعد الجبلية. ذلك لإن قوس جبال الألب بأكمله لا يعرف سوى قول مأثور بعينه: الاتحاد قوة. ولكن في وادي فاليه أضاعت الثلاثة بلديّات ترواتوران وفال دييه وشامبري "عِقداً من الزمن في الصراع من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، بدلاً من التفكير في المستقبل البعيد"، مثلما يشكو لوك فُليه، رئيس بلديّة شامبري.

ولكن في خريف العام الماضي اتفقت البلديّات الثلاثة على توحيد ضرائب المنتجعات، وذلك برفعها. فعن طريق ضرائب المنتجعات تقوم المناطق السياحية الجبلية بتمويل بناء وتوسعة وصيانة بنيتها التحتية جزئياً.

ضرائب المبيت الهامة

يُلزم السياح ومالكو الاستراحات بدفع تلك الضرائب، بحيث يجب عليهم تسديد مبلغاً صغيراً في خزينة البلديّة عن كل ليلة مبيت في المنطقة.

بهذا تمكنت بلديّة مورجان من تجديد أو توسعة كل من مركزها الرياضيّ وحمام السباحة وكذلك ملاعب التنس. أما قبل ذلك فكان المؤتمر البلديّ الرسميّ يرفض المشروعات المقترحة بدون اعتراضٍ من أحد. وهو أمر غير مستغرب، ذلك لإن من يقترع ليس هو نفسه من يدفع.

في الشتاء يجري العمل هنا على قدمٍ وساق: شباك تذاكر المصعد الجبلي في مورجان. 

شقوق في وجه القرية

إذن، فهل كل شيّء في القرية يسير على ما يرام؟ ليس تماماً. ففي مطلع أكتوبر نما إلى عِلم السكان المذهولين أن آخر دكان في القرية سوف يختفي هو الآخر. وهذا ليس بسبب قلة المبيعات مثلاً. بل على العكس: لقد كان دكان القرية يعمل جيداً. إلا أن السبب يكمن في شيّء آخر: فالبنك كمالك لهذا الدكان يحتاج المكان لإجراء توسعة. لكن السكان ناضلوا من أجل بقاء أهم مكونات حياتهم القروية وجمعوا خلال مدة قصيرة أكثر من 1000 توقيع.

 "إنه أمر خلافي بين شركتيّ قطاع خاص" يقول رئيس البلديّة فابريس دونيه ـ موناي بدبلوماسية.

لكن حتى الآن لا يوجد حل في الأفق.

يظل الأمر رهن قرارات المؤتمر البلديّ

لكن من المؤكد أن الدكان الجديد لن يقام على قطعة الأرض الموجودة في وسط القرية، والتي تبدو منذ زمن بعيد غير واعدة. فلقد تم هدم مبنى الجراج جزئياً، وظلت هناك بقايا متناثرة حوله. "إنه وصمة عار"، مثلما يسبه الكثيرون من السكان.

لقد كان بعض المستثمرين ينوون بناء مبنى سكنيّ جديد هناك. لكن في اجتماع المؤتمر البلديّ في الصيف الماضي اضطر رئيس البلديّة إلى الإعلان عن إلغاء هذا المشروع. "إنه باهظ التكاليف، ومنخفض العائدات"، هذا ما قاله المستثمرون.

أما ما سيأتي به المستقبل فهو أمر لايزال في علم الغيب. ولكن المؤكد هو: أن مصير المنطقة سيظل رهن قرارات المؤتمر البلديّ.


الديمقراطية المحلية

الزمن ينخر الأسس


"إن الوعي المتضائل بأهمية توليّ مهام عامة طوعاً، يجعل كفاءة البلديّات على المحك"

كلود لونشام

المؤتمر البلديّ في مواجهة مستقبل مظلم

"إن مبدأ تقرير المصير في الديمقراطية المحلية يصطدم بصورة متزايدة مع الواقع الحياتيّ الحاليّ للناس"، هذا ما يقره عالم السياسة كلود لونشام.

ويذكر لونشام الأسباب التالية التي تكمن وراء الصدوع المتزايدة في المؤتمر البلديّ الذي يمثل حجر الزاوية في الديمقراطية السويسرية:

الشعور بالغربة: تحولت البلديّات لتصبح "بلديّات النوم". فالمكان الذي يسكن فيه الناس، لم يعد هو نفسه مكان حياتهم، الذي يحدد هويتهم.

التحول إلى الفردية: وهذا التحول هو ما يعزز الوعي المتضائل بأهمية تولي مهام عامة طوعاً. وهذا ما يجعل كفاءة البلديّات على المحك.

نقص الكوادر البشرية: على مستوى سويسرا، تحتاج البلديّات إلى ما يتراوح بين 3000 إلى 4000 متطوع لشغل مناصب عامة. والكثير من البلديّات لم يعد لديها حيلة.

فقد الصلاحيات: إن المهام المنوطة بها البلديّات غاية في التعقيد. ولقد تحولت الرعاية الاجتماعية، والتي كانت من المهام التقليدية للبلديّات سابقاً، لتصبح من صميم اختصاص محترفين (مثل الخدمات الاجتماعية، وهيئة حماية الأطفال والبالغين).

فقد الديمقراطية: إن الحلول التي تصدر عن التكنوقراط تكون حقاً فعالة، لكنها تعني كذلك تضاؤل نفوذ المواطنين. وهذا يعزز بالتالي غربة المواطنين عن المؤسسات ويقضي على فكرة الميليشيات (أي الوظائف التطوعية بدوامٍ جزئيّ).

وضع ماليّ متوتر: يعاني من هذا الوضع المزيد من البلديّات، خاصة تلك التي تضم أقل من 500 نسمة.

هواجس مشروعة: إن تولي منصباً عاماً محفوف بقلة وقت الفراغ، وتدني الأجر، وكثرة التعرض لانتقادات الرأي العام، وللتشويه من قِبل الإعلام. وهذا ما يعوق السيدات بصفة خاصة. "فهن يريدن بالفعل عمل شيّء لمجتمعهن، لكنهن يخشيّن التعرض للإساءة أو للسب"، بحسب ما صرح به كلود لونشام".

المؤتمر البلديّ: إن الهيكل نفسه يحتوي على مسالب واضحة بدون تحيز. فالرجال وكبار السن وأصحاب الصناعات والاتحادات وكذلك المطافئ يحظون بتمثيل مبالغ فيه. بينما السكان الجدد والنساء والشباب يعانون من تمثيل متدنٍ.

الحلول: إنشاء برلمان بلديّ و/أو الاندماج مع بلديّات أخرى. ففي الدول الاسكندنافية تنصهر البلديّات لتُكَوِّن بلديّات كبرى، ثم تؤول الإدارة لموظفين من الخارج.

إضعاف الديمقراطية: تعمل سويسرا بمبدأ "الحكم من أسفل إلى أعلى". وهذا يقوم على نظام مشاركة الفئات المجتمعية والنقابات في القرار السياسي. لهذا فإن الخسائر التي تُمْنَى بها الديمقراطية المحلية تنهش في الأساس الذي قامت عليه سويسرا بصورة مباشرة.

نظرة إلى المستقبل: "كانت وستظل البلديّات التي تعمل بصورة مثالية هي الأمر الهام"، على حد قول كلود لونشام.

البلديّات تحتضر

حينما تأسست سويسرا بلغ عدد البلديّات بها 3205 بلديّة. ظل هذا الرقم ثابتاً دون تغيير حتى عام 1990. وفي خلال ما يقل عن 30 عاماً اختفت حوالي 800 بلديّة، أي ما يزيد عن الربع، حيث لم يتبق حتى مطلع عام 2018 سوى 2222 بلديّة.

وكان السبب وراء هذا التراجع الهائل هو اندماج البلديّات. وتقوم الدعاية لهذا النهج على فكرة القضاء على مشكلات التمويل والكوادر البشرية. لكن اندماج البلديّات له ثمن فادح أيضاً، مثلما توضح أحدث الأبحاث. ومنها: أن تراجع المشاركة السياسية المستمر منذ ثلاثين عاماً سوف يتعزز بسبب الاندماج.

فالقاعدة تقول: كلما كبرت البلديّة، كلما قلت المشاركة.

وقد قام خُمس عدد البلديّات السويسرية الحالية تقريباً بالاستعاضة عن المؤتمر البلديّ ببرلمان محليّ شبه مهنيّ. وينطبق هذا في المقام الأول على البلديّات الكبرى وتلك الواقعة في سويسرا الروماندية (الناطقة بالفرنسية) أو في كانتون تيتشينو الناطق بالإيطالية.

لكن البرلمانات البلديّة لم تكن هي أفضل حل على الإطلاق، وقد ثبت هذا بعودة بعض البلديّات إلى نظام المؤتمر البلديّ.

رينات كونتسي

نهاية الإطار التوضيحي

النصوص

رينات كونتسي وسبيلاّ بوندولفي ومارك- أندري ميزري

الصور

طوماس كيرن وأنريك مينوز غارثيا

انتاج

رينات كونتسي وفيليبي شارير ديام

ترجمة

القسم العربي