رحلة استكشافية داخل نهر جليدي سويسري
تحميل
تقرير من إعداد

رحلة استكشافية داخل نهر جليدي

في أعماق متجمدة

اتبعنا إلى أعماق الكهوف المتجمدة والمليئة بالأسرار لنهر بلين ـ مورت الجليدي. فمن خلال صور بانورامية بتقنية 360 درجة، وفيديوهات وأفلام أنيماشن سنعرض لكم عالماً، لم يره من قبل سوى الجليد الذائب.

قلما يشكل الأفق في سويسرا خطاً مستوياً. فالبلد كثير الجبال، وإن لم يوجد في الأفق جبل فستظهر لك إحدى المداخن أو أحد أبراج الضغط العالي. وهكذا يتفاجيء نظر الواقف على الصعيد المتجمد لمرتفع بلين ـ مورت، وهو أحد أكبر الأنهار الجليدية السهلية في جبال الألب: فعلى اليسار يبدو جبل غليتشرهورن الضخم، وعلى اليمين تبدو سلسلة فيلدشتروبل الجبلية المتجمدة. وبينهما يوجد حد فاصل بوضوح بين الزرقة والبياض، بين السماء والثلج، كما لا يُرى سوى في القطبين.

يوجد الجليد في طبقة يبلغ سمكها مائتي متر في خزان هائل فوق سهول كانتون فالي وريف بِرن (برنر أوبرلاند)، على ارتفاع حوالي 2700 متر فوق سطح البحر. والاسم وحده يكفي: فهنا لا تكاد توجد حياة، وإنما في الأغلب فقط المدى والريح، والذي لا يترك للثلج سطحاً خشناً. لكن هذا المشهد لن يبقى أبد الدهر. فبنهاية هذا القرن سيختفي هذا النهر الجليدي تماماً. إذ أنه طبقاً لنماذج أعدها علماء الجليد لن تبقى قطعة واحدة من الجليد بحلول عام 2090. وبالفعل توجد الآن حبال من صلب وبعض من الأعمدة على أطراف أحد المنحدرات الصخرية ـ كما تُرى هناك بقايا مصعد للتزلج، توقّف عمله بعد تراجع منسوب النهر الجليدي.

يحوي الجليد الميت أسراراً. ولا يوجد من يعرفها مثل معرفة فريد بيتريسي وهيرفه كرومِنآخر بها. إن ما يرويانه من الصعب تخيله، حينما يتأمل المرء المدى، والذي يتصف بصفة أساسية: ألا وهي الرتابة. هنا يختبيء عالم سفلي يخطف الأنفاس، حتى أن المرء ينسى الخوف نفسه، فبمجرد أن تضع قدمك فيه فإنك لن تشعر إلا بالرغبة في التوغل أكثر، وكأنك لا ترغب في رؤية ضوء النهار مرة أخرى. فالأنهار الجليدية لديها حياة داخلية، وهو أمر معروف للجميع. ففي الصيف ترى الماء الناتج عن ذوبان الجليد يختفي في فتحات داخل الجليد. أما ما يحدث بعد ذلك، فهو ما لا يعرفه أحد بالتحديد. فكون أن الماء ينساب تحت النهر الجليدي يعني أنه يوجد نظام من القنوات المترابطة، على الأقل مؤقتاً.

ويسعى فريد وهيرفيه إلى الوصول إلى حيث لم يتمكن أحد قبلهما من الوصول إليه: وهو استكشاف هذه المتاهة بكامل أبعادها. ومن الواضح أن الرجلين الضخمين لا يستطيعان التحرك برشاقة كما يتحرك الجدول المائي الصغير، إلا أنهما لا يألوان جهداً، كي يتعرفا على طرقاته. ونحن سنصحبهما في هذه الرحلة.

في بداية هذا الشتاء كان الجو بارداً وجافاً، وهي ظروف مثالية للنزول إلى أعماق النهر الجليدي. بالفعل بدأت رحلتنا الإستكشافية الواعدة، حينما توجهنا قبل حلول أعياد الميلاد إلى طاحونة النهر الجليدي (أي ذلك الأخدود الرأسي الذي يتكون بفعل انحدار الماء للأسفل) التي تقع في منتصف الصعيد. في الصيف تتساقط كميات المياه المتراكمة إلى العمق. ثم يأتي مكان، يمكن للمجرمين أن يخفوا فيه جثة للأبد. لكن في الشتاء ينحسر الماء. هبط فريد وهيرفيه هنا حوالي 150 متراً داخل الجليد. "في البداية سيكون الهبوط رأسياً، ثم ندخل في ممر ضيق، يوصلنا إلى طريق جانبي..."، هكذا أوضح فريد لنا قبل عدة أيام في بيته بالقرب من سيون. فقد أخذ ورقة عليها مسائل حسابية كتبتها ابنته ذات الإحدى عشر عاماً، وقلبها ثم رسم عليها بقلم الرصاص بعض الخطوط البسيطة التي شكلت تخطيطاً للفتحة، الذي نهبط فيها الآن واحداً وراء الآخر بواسطة الحبال.

في الصيف تتساقط هنا كميات هائلة من المياه. وفي الشتاء تظل هذه الفتحة قابلة للتحرك فيها لفترة وجيزة.

إن مدخل الممرات الأفقية يكون شديد الضيق. ولابد من استخدام الجاروف لتوسعته، حتى نتمكن من المرور خلاله.


على بعد حوالي خمسين متراً عمقاً وصلنا إلى قاع ثلجي. يُذَكرنا هيرفيه بأن نظل مربوطين بالحبل، فقد يكون هذا القاع مجرد درجة متراكمة في الممر الرأسي، وقد لا يكون له قدرة على التحمل. "كل عام يختلف المنظر هنا"، يقول فريد، بينما ينظر بنوع من القلق لأحد جسور الجليد الضخمة فوقنا. "إذا سقط هذا الجسر، سنصبح محصورين. لكن الجو بارد، ويبدو أن الجسر ثابت". ثم اختفى داخل كوة جانبية وبدأ في التجريف.

"مع مزيد من الثلج، لم يكن ليبقى لدينا فرصة"، هكذا صاح فريد من الظلام. جاء صوته مكتوماً. ثم اتبعناه. تحتاج العيون لبرهة، حتى تعتاد على البيئة الجديدة. إنه عالم جديد: ثلج أزرق في كل مكان، جامد كالأسمنت، ويلمع في ضوء اللمبات المثبتة فوق الجباه. في كل مكان تتلألأ ذرات الثلج. والأرض مستوية كما لو كانت في مضمار لعبة الكيرلنغ الأملس، والجليد يطقطق تحت كلاباتنا الحديدية، ويرجع الصدى هذه الأصوات. Audio

قليلاً ويصبح المشي القائم مستحيلاً. بدأنا نزحف كالفقمة داخل الممرات. إن المكان ليس شديد البرودة. بل فقط شديد الضيق. بحسب فريد، فنحن موجودون على مسافة خمسين متراً تحت السطح. وإذا ما انزاحت كتل من النهر الجليدي، فإننا سننسحق.

تعترض الممر طبقة غريبة من الثلج تشبه اللوح. "هذا من بقايا مزيج الثلج والماء، الذي كان ينساب هنا في بداية الشتاء"، كما أوضح هيرفيه. فقد سبح في رحلة سابقة مع فريد مرتدين بزات الغطس داخل ممرات، كانت لازالت ممتلئة بمثل هذه "الحساء". زحفنا تحت هذه البقايا. ثم أصبح من الممكن السير باستقامة مرة أخرى. كان الممر هنا مرتفعاً لعدة أمتار ويحدد منحنى قدره 180 درجة. وفي ضوء اللمبات المثبتة فوق الجباه استطعنا رؤية الجليد الذي اتخذ هنا شكل العامود.

لاحقاً شرح لنا عالم الجليد ماتياس هوس، والذي يقوم بالتدريس في المعهد الفيدرالي العالي للتقنية بزيورخ وفي جامعة فريبورغ أن هذه الأشكال قد تتكون بفعل ما يسمى بعملية النحت والترسيب. وهذه الظاهرة كانت حتى الآن معروفة في الأنهار الجليدية بالقطب الشمالي بصفة خاصة: فعندما ينساب الماء الناتج عن ذوبان الجليد في جداول فوق النهر الجليدي، فإنه يكوِّن شِعاباً عميقة في الجليد، والتي تنغلق مرة أخرى في السطح. لكنها تظل موجودة في العمق. وهكذا يمكن أن تخترق هذه الأخاديد السفلية النهر الجليدي بأكمله، دون أن نلحظ على السطح شيئاً منها. ويجري هوس أبحاثه منذ عدة سنوات على نهر بلين ـ مورت الجليدي. لكنه لم ينزل فيه أبداً. وقد اندهش حينما روينا له عن المررات الأفقية. "لقد افترضنا قبل ذلك أن الماء يسقط من خلال الطواحين الجليدية بصورة رأسية مباشرةً أو غير مباشرة نحو القاع الصخري". وهو مقتنع بأن هذه المشاهدات من الداخل إنما تثري العلم. "هكذا فقط يمكننا التأكد ما إذا كان الفهم السابق صحيحاً أم لا، أو إذا ما كان علينا أن نعيد التفكير في النظرية بأكملها".

فيلم أنيماشين - عملية النحت والترسيب، وقد طبقناها هنا من خلال رسم تخطيطي على المدخل الجليدي، قد تكون هذه العملية هي التفسير لنشأة هذه الأشكال. حتى الآن كانت هذه العملية معروفة بالأساس في الأنهار الجليدية بالقطب الشمالي..


لكن الدخول إلى نهر جليدي كان يعتبر لزمن طويل من المحرمات، لإنه كان يبدو ببساطة شديد الخطورة. وحتى اليوم لا يقدم على هذا إلا القليلون. وقد قام باحثون بولنديون بالمشاهدات الأولى في تسعينات القرن الماضي، حين توجهوا إلى بعض الأنهار الجليدية في قمم الجبال الحادة، والتي كانت تشكل خطراً واضحاً. وتعد الظروف المناخية في الشتاء القطبي مثالية لهذا، ذلك لإن البرودة المستمرة تتوغل في أعماق النهر الجليدي وتجعل كل شيء يتجمد. على العكس من ذلك فإن شتاء المناطق المعتدلة ـ كما الحال هنا ـ من الصعب توقعه:

فتذبذب درجات الحرارة قد يحدث أيضاً على المرتفعات في أي وقت ويعني ذوبان الجليد بصورة مفاجأة. ويعد هذا أحد الأسباب وراء ندرة الأبحاث التي تجرى على الكهوف الجليدية في منطقة جبال الألب.

وتبع الباحثين البولنديين فرق عالمية أخرى في الأنهار الجليدية بالقطب الشمالي وفي الهيمالايا. وبرغم أن ملاحظاتهم كانت رائعة، إلا أنها لم تلق صدى واسعاً في الأوساط العلمية. وعلى العكس فإن الأبحاث التي أجريت في الكهوف الجليدية قد وصفت بأنها مغامرات فقط. لكن هناك البعض ممن لا يرون الأمر بهذه الصورة، ومنهم عالم الجليد الأسكتلندي دوغ بِن. لقد درس لعدة سنوات البحيرات التي تتكون فوق الأنهار الجليدية بمنطقة الهيمالايا، وتسائل عن السبب وراء تفريغها المستمر. ووجد الإجابة في الأعماق. لقد أدرك بِن أن ما يحدث للماء هو نفسه ما يحدث للصخور: إنه يشق طريقه خلال الأماكن الأكثر ضعفاً. وبينما يحتاج الأمر في حالة الصخور إلى ملايين السنين، فإنه يحدث مع الجليد بصورة أسرع بكثير. فخلال صيف واحد يمكن أن تنشأ قناة لصرف الماء ـ وقد تنسد في الشتاء مرة أخرى. لازال هناك إذن الكثير من الأسئلة، بينما تتزايد أهمية الإجابات.

حينما تذوب الأنهار الجليدية في العقود القادمة تدريجياً، ستنتج كميات هائلة من الماء المخزون. وهناك مناطق بأكلمها ستهددها بحيرات الجليد الناشئة وكذلك موجات المد التي ستنفجر باتجاه السهول. يقول بِن: "إن أهمية الدخول إلى أعماق الأنهار الجليدية تكمن في فهم العمليات المعقدة والتخلص من النظريات المبسطة في أغلبها حول عملية تخزين المياه. إلا أن معظم علماء الجليد ينظرون إلى الأمر على أنه ببساطة إفراط في الجنون. ذلك لأن ما حدث في السابق كان يتمثل فقط في حوادث مؤلمة، حين كان ينزل بعض السياح إلى مداخل الأنهار الجليدية، حيث كان من الممكن أن تتساقط كميات كبيرة من الجليد خاصة في الصيف". أما في الشتاء فيكون الجليد متماسكاً إلى حدٍ ما.

تنحدر الأخاديد الرأسية بعمق إلى داخل النهر الجليدي. وعلى عمق غير معلوم يكون القاع الصخري ـ لكن حتى الآن لم يستطع أي إنسان أن يتوغل حتى هذا العمق.


على الأرض اكتشفنا ذبابة تجمدت في الجليد. لقد كان هذا اللقاء ليس فقط بمثابة تذكرة بأن النهر الجليدي لن يصبح في القريب كما كان من قبل، بل إنه كذلك إشارة إلى أن الأرض المنبسطة قد نشأت من تجمد الماء الناشيء عن ذوبان الجليد. نحن الآن نقف على ارتفاع 70 متراً تحت الجليد. وكلما تعمق المرء، كلما شعر بمزيد من التوتر. فلا يمكن محو الهاجس أنه قد ينغلق أحد الممرات الضيقة خلفنا لأي سبب كان. فإن مصيرنا سيكون حينها مثل تلك الذبابة. لكن الجليد يبدو متماسكاً كجدار مبني. ولا يبدو أنه يريد الإحتفاظ بنا. "إن الخطر الأكبر هو على أية حال الماء"، يقول هيرفيه، الذي يبدو عليه أنه قد أدرك أن التعب ليس هو سبب صمتنا المتزايد. "في الشتاء أيضاً يوجد ماء هنا بالأسفل. لكن الحظ حالفنا هذا العام: لقد غيض الماء على عمقٍ كبير، لإن الخريف كان شديد الجفاف. إن ارتفاع منسوب الماء المفاجيء قد يكون خطيراً". لكن لا شيء ينبيء به. إن الأمر يبدو وكأن كل شيء قد توقف: الماء، الجليد... الزمن. إن لم نكن نعرف الأمر جيداً، لظننا أننا نوجد في الحياة الأبدية.

عند هذا الحد توقفنا في هذا التوغل الأول. صحيح أننا لم نبلغ بعد النقطة الأكثر عمقاً، فلازال أمامنا لنصل إليها عدة مراحل قد تصل إلى مائة وخمسين متراً تحت السطح. وعندها ستكون كل خطوة جديدة اكتشافاً لأرض جديدة، حتى بالنسبة لفريد وهيرفيه ـ لكن طريق العودة البعيد هو ما سيشغلنا بقية اليوم. وحينما وصلنا إلى السطح، كانت الشمس قد غابت منذ وقت طويل خلف الجبال. وكان الصعيد المستوي يضيء في ضوء النجوم الخافت.

أثناء تناولنا المكرونة مع سمك التونة شرح لنا كل من فريد وهيرفيه ما ينتوون فعله في اليوم التالي: وهو الوصول إلى المدخل الواقع في النهاية الشرقية للنهر الجليدي - هناك، حيث يوجد شِعب عميق داخل النهر الجليدي. "لابد أن يوجد مهبط هائل"، يقول فريد ويشرح لنا السبب: في الصيف تتكون هناك بحيرة من الثلج الذائب، ألا وهي بحيرة فافيرج. ان هذه البحيرة تنصرف في الخريف فجأة، حوالي اثني مليون متر مكعب من الماء يختفون حينها داخل النهر الجليدي، ويعودون للظهور مرة أخرى حينما ينسابون إلى سهل زيمن (زيمنتال). ويكون الأمر، كما لو أن شخصاً قد قام بسحب سدادة حوض استحمام هائل. ساعتها تتحول بحيرة زيمة الرائعة إلى نهر جارف، ويزداد خطر موجات المد عاماً بعد عام، ذلك لان البحيرة آخذة في الاتساع. ففي السنوات الخمس الأخيرة تضاعف حجمها ثلاث مرات. وبسبب التراجع الشديد في منسوب النهر الجليدي، فإن البحيرة لم تعد تفرغ مائها عبر قمم الجبال إلى كانتون فاليه. لهذا فقد جفت الجداول المائية هناك. وبدلاً من هذا الطريق فإن كل الماء اصبح ينصرف في ريف كانتون برن (برنر أوبرلاند). ومنذ عام 2011 يتم مراقبة بحيرة فافيرج لتنبيه السكان، حينما يبدء الماء في الجريان.

بالنسبة لهيرفيه وفريد اصبح واضحاً أنه يوجد نظام من الكهوف المترابطة خلال النهر الجليدي بأكمله - وإلا لما أمكن صرف ماء البحيرة. فنظام القنوات السفلية يمتد إذن  في مسافة تقدر بحوالي 3،5 كيلومتر وتعبر 250 متر ارتفاعاً. وهذه الرحلة الهائلة هي حلمهم الكبير. لكن مدى واقعية هذا الحلم هو ما يمكن التكهن به فقط. "كان علينا الاقتراب ونحن نرتدي بزات الغطس، وذلك بسبب سطح الماء"، كما يقول هيرفيه. وكأنما أراد أن يقول: عند عمق ما سيبدو الأمر كما حدث مع سفينة تايتانك وهي تغرق - ستكون هناك ممرات ممتلئة بالمياه. لقد كنّا نتسائل ونحلم برهة، قبل أن يدفعنا البرد للالتحاف بأكياس النوم. 

لقد بلغت البرودة 25 درجة دون الصفر. تخيم الوحدة والصمت المطبق. ولا يكاد المرء يصدق أن كل شيء سيذوب هنا في العقود القادمة.

ان نهر بلين - مورت الجليدي يتضاءل بوتيرة أسرع من غيره. بينما ظل في الفترة بين 1960  و2002 في حالٍ متوازن إلى حد ما: فلقد كانت نسبة الجليد المتكون في الشتاء تساوي تقريباً كمية ما يذوب في الصيف من جليد. إلا أن هناك تغير سريع طرأ منذ بداية الألفية الثالثة: فكمية الجليد التي تتبقى بعد الصيف في تراجع مستمر. فهناك قاعدة أساسية في علم الجليد تقول أنه لابد من أن يكون ثلثا سطح الجليد على الأقل مغطى بالثلج سنوياً كي يظل النهر الجليدي متوازناً. لكن في السنوات الأربعة الماضية كانت نهاية نهر بلين - مورت الجليدي عارية تماماً من الثلج. لقد كانت كتل الجليد ممدة كميت ينتظر الدفن تحت السماء، بينما تحلق الصقور في هذا الخضم من التغيير المناخي.

يجف حوض البحيرة شتاءاً. ويتحول نهر مولده إلى شِعب جبلي.

يحد حائط جليدي نهاية النهر الجليدي. لكن ما الذي يختفي خلف هذا الجدار؟


في اليوم التالي وطأت أقدامنا حوض البحيرة الخالي. ان نهر مُولده الذي يبدأ منبسطاً يَصبُّ في شِعب، قد حفر لنفسه طريقاً عميقاً داخل الجليد. لقد اكتست الارض بالثلج، مما يجعل السير سهلاً من ناحية، لكنه من ناحية أخرى يجعلنا لا ندري ما هو الموجود تحت أقدامنا. لذلك سرنا مربوطين بالحبال. ثم تراءت لنا ملامح النهاية: حيث يرتفع حائط جليدي فوق قبة؛ يبدو المنظر كما لو كان مدخلاً لأحد الانفاق. لابد وأن يكون هذا هو مصرف البحيرة. فهنا تهدر صيفاً ملايين الليترات من الماء في رحلتها المنحدرة خلال النهر الجليدي. يعتقد علماء الجليد أن نظام الصرف السفلي يتكوَّن كل عام مجدداً. ففِي شهور الشتاء تختفي هذه القنوات تحت وطأة الجليد، بينما يذوب مرة أخرى في الصيف. وبمجرد أن يبدأ تدفق المياه في نظام القنوات يسير الامر بسرعة: فالقنوات تتسع بعد أن يدركها دفء الثلج الذائب وبفعل الاحتكاك. لذلك تزايدت كمية المياه المنصرفة بصورة مذهلة خلال بضعة ساعات معدودة.

فيلم أنيماشن - في خلال الصيف تمتليء بحيرة فافيرج بالمياه الناتجة عن ذوبان الجليد. يفترض علماء الجليد أن قناة صرف البحيرة تتكون كل عامٍ من جديد. وبمجرد نشأة مجرى، ينصرف الماء بسرعة هائلة ـ فقد تم قياس سرعة لجريان الماء قدرها 20 متر مكعب في الثانية الواحدة.

نهاية الإطار التوضيحي


لقد وصلنا للجدار الجليدي. وكان علينا أن نتأكد ونحن محبطون أن المدخل قد سده الثلج. ولا يوجد حتى شق صغير. ولا يمكن بأي وسيلة أن نقوم بالتجريف. لقد كنا  نعلم من خلال الصور الجوية أن مسار الشِعب يشبه سحاب الملابس: ففي البداية يكون الشِعب مفتوحاً للأعلى، ثم يتحول إلى خط رفيع داخل سطح الجليد وفي النهاية يختفي تماماً. وفي الصورة الجوية يمكن رؤية ثلاثة فتحات على خطٍ واحدٍ، والتي يبدو أنها تحدد المسار. قد تكون هذه طواحين جليدية تصب في نظام القنوات السفلي؟ بعدها صعدنا لأعلى. بالفعل وجدنا بعدها بقليل إحدى الفتحات. لكن هل سيكون الثلج هناك أقل؟ لقد بدأنا بالهبوط إلى أسفل ونحن مربوطون بالحبال.

مرة أخرى بدأ الهبوط الرأسي إلى العمق. ومرة أخرى وجدنا أرضاً ممتلئة بالثلج. لكننا وجدنا ما جعل نبضنا يتسارع: ففي أكثر النقاط عمقاً وجدنا مخروطات جليدية فوق فتحة مظلمة قطرها حوالي متراً.
إن الفتحات المظلمة شيئء جيد، فكلما زادت ظلمتها، كلما كانت أفضل ـ إذ أن هذا معناه أننا يمكننا الإستمرار في السير.قمنا بتثبيت حبل. وسرنا منحنيين تحت مخروطات الجليد، ثم ألقينا نظرة أولى خلف الستار... لقد كان لأصوات انبهارنا صدى جبار. ليس لهذا السبب فقط أدركنا حجم المكان الذي سوف يحوينا على الفور. لكنه حتى في ضوء لمبات جباهنا لم تلح لنا أية نهاية.

لقد كان هناك أخدود مرتفع آخر يقود نحو الظلمة. بعد برهة ذهلنا ونحن نرى ضوءاً خافتاً يميل إلى الزرقة يأتي من أعلى. فوق رءوسنا بمسافة كبيرة رأينا سقفاً مستديراً، ومن الجانب كان ضوء النهار يخترق المكان. لم نتمكن سوى من التخمين، فهل كانت هذه إذن طاحونة جليدية قد سدت من أعلى؟ أم أن الأرضيات الثلجية، التي نسير فوقها دائماً، تبدو هكذا من أسفل؟ لكن اختراق ضوء النهار من كل مكان لا يعطي انطباعاً بأن الجليد صلباً. ظللنا نتحدث عن "غطاء الطبق الطائر" (فإذا ما وقفنا تحت طبق طائر متوقف، لكان المنظر كما رأيناه تماماً، على ما نعتقد) وتمنينا ألا يسقط فوق رءوسنا.

لقد وصلنا إلى الماء. فقمنا بربط أنفسنا بامتداد الحبل، وفي الممر تسبح قطعاً من الجليد الطافي.


عند أقدامنا شغلنا شيء آخر. لقد انتهى الأخدود، وكانت هناك أرضية جليدية منبسطة أمامنا. لكن بعد خطوتين فقط انكسر تحتنا. لقد غطسنا، ثم سبحنا عائدين إلى الأرض الصلبة. ها هو إذن الماء الذي يظل طوال العام سائلاً داخل النهر الجليدي ولا يتجمد. فأنهار جبال الألب الجليدية معتدلة الحرارة، إذ تبلغ درجة حرارتها الداخلية الصفر مئوية. بخلاف الأنهار الجليدية في القطب الشمالي، فهناك تهبط درجة الحرارة دون الصفر مئوية.  ففي جبال الألب تخترق برودة الشتاء فقط العشر مترات العليا. أما في الأسفل فقد يتواجد الجليد بجوار الماء في أي وقت.

من الآن فصاعدا سيكون الإختراق أكثر صعوبة: لقد ثبتنا متراً بعد متر حبلاً في الجدار الجانبي وسرنا مربوطين فيه نحو الأمام. وحيناً بعد آخر كنا نجد أجزاءاً من الجليد الطافي متعلقة بالممر، وكنا نتحسس قدرتها على التحمل بعناية. وأحياناً كانت تشكل أرضية سانحة.

وصلنا إلى ساحة يشابه حجمها حجم الكنيسة الصغيرة. ثم انفتحت بحيرة صغيرة. وعلى ارتفاع كان غطاء الطبق الطائر يضيء فوق رءوسنا. كنا نحن على الأرجح أول من وطأت أقدامه هذا المكان من البشر. على الحوائط توجد بقايا من ألواح الجليد ـ ويبدو أن سطح الماء هنا قد انخفض مؤخراً ببطيء، مخلفاً هذه الألواح على الحوائط. وبعض هذه الألواح كانت كبيرة مثل ألواح المناضد وكانت ملتصقة فوقنا بصورة مرعبة. أخذنا نتسائل ما إذا كانت حرارة أجسادنا مجتمعة قد تؤدي إلى سقوطها، وقررنا ألا نطيل البقاء هنا.

وفي نهاية المكان وجدنا الإمتداد: لقد تراءى لنا الممر ـ تحت الماء. "في المرة القادمة ينبغي أن نأخذ معنا بزات الغطس"، قال هيرفيه لفريد. وكانا يعنيان ما يقولا. ولاحظنا أنهم يشعران هنا بالأسفل أنهما في موطنهما. فلا توجد أية صعوبة يمكنها أن تمنعهما من تحقيق حلمهما. لكن بالنسبة لنا كانت هذه هي نقطة النهاية. ولا أحد يعلم، كيف سيبدو الأمر هناك في العام القادم...


الفكرة، الخطة والنص

دومينيك أوسفالد, Tamedia

البرمجة ورواية القصة

كاسبار مانز ومارك بروبباخر، طاقم العمل التفاعلي

التصوير بتقنية 360 درجة بانورامياً

أورس فيس، كريسيتان مولهاوزر
أفوكادو360

أوليفيه كريست

الصور بطائرة بدون طيار

دومينيك أوسفالد

مقاطع الفيديو

دومينيك أوسفالد
كريسيتيان مولهاوزر
أوليفيه كريست

أفلام أنيماشن

بيير تشوب
أورزولا ريتر
تراقب شركة "جيوتست Geotest" بحيرة فافيرج وقامت بتقديم البيانات اللازمة لفيلم الأنيماشن الثاني

الرسومات

يورغ كاندريان

إستشاري إنتاج الصور بتقنية 360 درجة

يانينا وودز، زيباستيان توبلر
شركة ateo GmbH

قدم المواد المستخدمة

Haglöfs
Bächli Bergsport

شكر خاص لـ

فريدرك بيتريسي
هيرفيه كرومِنآخر
ماتياس هوس، عالم الجليد والأستاذ بالمعهد الفيدرالي العالي للتقنية بزيورخ وبجامعة فريبورغ
كاترين نيغلي، جامعة فريبورغ
دانيل توبلر، شركة جوتست Geotest
الطرق الجبلية بكرانس مونتانا

swissinfo Produktion

لوكا شوبْباخ 
Marcel Stauffer