500 عام من الإصلاح الديني
تحميل
تقرير من إعداد

500 عام من الإصلاح الديني

سويسرا.. المهد الآخر للبروتستانتية

يحتفل العالم البروتستانتي في هذا العام 2017 بمرور نصف الألفية على بدء الإصلاح. وبالفعل، قام الراهب الألماني مارتن لوثر بنشر أطروحاته الـخمس والتسعين الشهيرة على باب كنيسة فيتنبرغ، في ولاية سكسونيا بألمانيا، بتاريخ 31 أكتوبر 1517، حيث ندَّدَ ببعض ممارسات الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت، كبيع صكوك الغفران.

وسجَّل هذا التنديد بداية الإصلاح البروتستانتي في ألمانيا، الحركة التي سرعان ما انتشرت في قسم كبير من أوروبا وفي وقت لاحق في أمريكا الشمالية.

ومع أنَّ ألمانيا تُعتبر البلد الذي شهد ولادة الإصلاح الديني المسيحي، تُشارك سويسرا أيضاً بشكل وثيق بهذه الاحتفالات. وفي الواقع، بعد عدة سنوات فقط من الانفصال اللوثري، أعطى الإصلاحيون في كل من زيورخ وجنيف زخماً جديداً للحركة وتأثرت البروتستانتية التي نعرفها اليوم بشدة بما حدث في كنفدرالية القرن السادس عشر.  

تاريخ الإصلاح الديني والبروتستانتية في سويسرا

سويسرا في قلب الإصلاح

بدأ الإصلاح البروتستانتي في فيتنبرغ، في ألمانيا، بتاريخ 31 أكتوبر 1517، على الأقل وفقاً للتقاليد. وما لبثت أن انتشرت الحركة بسرعة في أوروبا. وأصبحت سويسرا إحدى المراكز الأكثر أهمية.

في فيتنبرغ، المدينة الألمانية التي بدأ فيها كل شيء، تمثال لوثر يتوسط ساحة السوق.

وعندما نشر الراهب الألماني مارتن لوثر في عام 1517 أطروحاته الـ 95 ضد الإتجار بالغفران، كانت تجتاح أوروبا رغبة عارمة بالتجديد منذ فترة طويلة. وارتفعت أصوات عديدة تطالب بإصلاح الكنيسة الكاثوليكية. وقد ساهم عصر النهضة واختراع الطباعة الحديثة مع أحرفها المتحركة بتداول أفكار جديدة. وعلاوة على ذلك، كانت الاكتشافات الجغرافية في طريقها نحو تغيير الرؤية إلى العالم.

أرض خصبة

في المناطق الريفية وفي المدن، كان المزارعون بالإضافة إلى طبقات اجتماعية جديدة ناشئة يطمحون إلى مزيد من الاستقلال الذاتي في إدارة الشؤون العامة. وفي سويسرا كغيرها من الدول الأخرى في القارّة، كان الإصلاح يلبي أيضاً هذه المتطلبات. في زيورخ وفي جنيف، المركزان الرئيسيان للإصلاح السويسري، ساهمت المذاهب الدينية الجديدة بدعم السلطات البلدية في جهودها للتحرر من سلطة أساقفتهم.

سفر التكوين في أول كتاب مقدس ترجم وطبع في مدينة زيورخ السويسرية. (zvg)

وكان أولريخ تزفينغلي، خوري سان غالن، هو الشخصية الرئيسية للإصلاح في زيورخ، حيث وصل إلى ضفاف ليمات في عام 1519. وفي غضون بضع سنوات، تمَّ إصلاح الكنيسة بالكامل في المدينة إلى أن ألغت زيورخ القداس الكاثوليكي رسمياً في نهاية المطاف عام 1525. كما ترجم تزفينغلي الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية، قبل لوثر.

الإنفصال عن لوثر

لم تكن العلاقات سهلة مع الإصلاحي الألماني، حتى على المستوى الشخصي. فلدى تزفينغلي علاقة أعمق مع الثقافة الإنسانية وعمله الإصلاحي أكثر تشدداً من عمل لوثر. وفي عام 1529، فشلت محاولة للمصالحة بين الطرفين جرت في مدينة ماربورغ بسبب خلاف حول تفسير سر القربان المقدس.

النزاع بين لوثر وزفينغلي حول مسألة الأسرار كما جسّده الرسام الألماني غوستاف كونيغ (1847). akg-images

وكان للانفصال عن لوثر عواقب مهمة على الإصلاح في سويسرا. فبعد خسارتها للمرجع الألماني، كثَّفت الكنيسة التي أسَّسَها تزفينغلي اتصالاتها مع جنيف، حيث كان جان كالفن يقود أعمال الإصلاح فيها. وفي عام 1566، توصلت الكنيستان إلى اتفاق عقائدي (المذهب السويسري اللاحق) الذي أقرَّ بشكل نهائي دور سويسرا باعتبارها القطب الرئيسي الثاني للإصلاح، القطب البديل عن القطب اللوثري.

"روما البروتستانتية"​​​​​​​

وصل المحامي الفرنسي جان كالفن إلى جنيف في عام 1536. وقبل عام من ذلك، كان قد نشر في بازل، "تأسيس الديانة المسيحية"، أحد النصوص اللاهوتية الإصلاحية الأكثر تأثيراً. وفي غضون سنوات قليلة، نجح، من خلال تغييراته الصارمة للكنيسة، بتحويل جنيف إلى واحدة من منارات الإصلاح الديني على مستوى العالم. ولهذا السبب تُدعى المدينة في كثير من الأحيان بـ «روما البروتستانتية».

وفي النصف الثاني من القرن السادس عشر، وصل آلاف اللاجئين الدينيين القادمين من فرنسا وإيطاليا ودول أخرى إلى جنيف. وسرعان ما امتدت الكالفينية إلى خارج حدود المدينة. وأصبح الإصلاح المستوحى من الكالفينية يشكل الأغلبية في كل من هولندا واسكتلندا وتمَّ اعتماده كدين للدولة في بالاتينات (أراضي تاريخية في الإمبراطورية الرومانية المقدسة).

في كل عام يحتفل السكان في إطار "أعياد لاسكالاد (التسلق) L'Escalade" بمقاومة أسلافهم الظافرة ضد القوات الكاثوليكية التابعة لدوق لدوق سافوا Savoie (مقاطعة فرنسية مُجاورة لكانتون جنيف).


وفي إيطاليا، انضمَّ أعضاء كنيسة الفودوا، المنحدرون من حركة الهرطقة في العصور الوسطى، إلى البروتستانتية الكالفينية في عام 1536. الكالفانيون هم أيضاً الهوغونوتيون الفرنسيون، الذين أُجبروا، خلال العقود الأخيرة من القرن السابع عشر، على مغادرة فرنسا لنقل أنشطتهم المؤسساتية والتجارية إلى مختلف البلدان الأوربية، وبشكل خاص سويسرا وانجلترا وبروسيا.

ولعبت الكالفينية أيضاً دوراً مهيمناً على الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر. وبعد عدة سنوات، وعلى سفن المستعمرين البريطانيين، وصلت الأفكار الدينية التي ظهرت في جنيف إلى العالم الجديد، حيث ساهمت بشكل حاسم ببناء الهوية الأمريكية.

نزاعات ووساطات

ولكن من أجل العودة إلى سويسرا: لم تكن زيورخ وجنيف المدينتين الوحيدتين اللتين التحقتا بالإصلاح. بل انتشرت الأفكار البروتستانتية في العديد من الأراضي السويسرية وفي بلاد حليفة وأخرى تابعة. ومع ذلك، لم تنتسب سويسرا بأكملها إلى المذهب الجديد. وبقيت العديد من المناطق كاثوليكية. وبعض المناطق أقرَّت بالديانتين، مثل غراوبوندن. وهكذا ظهرت الصراعات الدينية بسرعة.

حينما توفي في معركة كابّل Kappel، يبدو أن زفينغلي كان مُرتديا لهذه الخوذة وحاملا لهذا السيف.

وكانت الحروب الأولى بين الأديان في أوروبا هي تلك التي تُسمى بحروب "كابّل" Kappel بين ائتلاف الكانتونات البروتستانتية بقيادة زيورخ والكانتونات الكاثوليكية في وسط سويسرا. وكانت الأسلحة في صالح الكاثوليكيين ومات تزفينغلي خلال حرب كابّل الثانية، في عام 1531. وحدّدت هذه النتائج الجبهات في الأراضي التي كانت جزءاً من الكنفدرالية وتوقف انتشار البروتستانتية بالأسلحة إلا في مناطق السافوا التي احتلها كانتون برن (بلاد فو).

ومع ذلك، بقيت التوترات والخلافات حادّة خلال عدة قرون. على الرغم من أن هناك أيضاً أمثلة عن صراعات تمَّ حلها بطريقة سلمية نسبياً: حيث تم الإنفصال بين أبنزل رودس الداخلية، الكاثوليكية، وأبنزل رودس الخارجية، البروتستانتية، بشكل ودي في عام 1597 ودون إراقة دماء.

إصلاح وهويّة سويسرية

على الرغم من الصراعات، آل تمديد الإصلاح البروتستانتي إلى تشديد العلاقات بين مختلف المناطق التي تشكل سويسرا اليوم. وباعد الإنفصال عن لوثر بين سويسرا الناطقة بالألمانية وألمانيا وساهم انضمام أجزاء كبيرة من سويسرا الناطقة بالفرنسية إلى الإصلاح بزيادة التحفُّظ إزاء فرنسا. وفيما بعد، سهّلت الروابط الوثيقة بين الكنائس البروتستانتية في الأنحاء المتحدثة بالألمانية من البلاد والمناطق المتحدثة بالفرنسية، إدماج سويسرا الروماندية (أي الناطقة بالفرنسية) في الكنفدرالية.

من ناحية أخرى، غالباً ما تتغلّب المصالح المشتركة للسويسريين على الصراعات العقائدية في نهاية المطاف. خاصةً وأنَّ الحدود الدينية لا تتطابق تماماً مع الحدود اللغوية والسياسية. وعلى سبيل المثال، خلال حرب "سوندربوند" Sonderbund الأهلية الت ي شهدتها سويسرا عام 1847، لم يمتد التقسيم بين الليبراليين والمحافظين إلا بشكل جزئي على طول خط الإنقسام المذهبي ولم يتطابق البتة مع الحدود اللغوية. 

كاتدرائية القديس فينسنت في برن كانت مكان العبادة البروتستانتية منذ 1528. واليوم، يمثل كانتون برن آخر الكانتونات السويسرية الذي يُشكل فيه البروتستانت الأغلبية المُطلقة من السكان.

وبالتأكيد، ساهمت الأخلاق البروتستانتية، بشكل واضح، في صياغة هوية سويسرا. بيدَ أنَّ البروتستانتية فقدت أسبقيتها الديموغرافية في معظم الكانتونات السويسرية، التي كانت معروفة بكونها إصلاحية، خلال القرن العشرين، وذلك بسبب العلمانية والهجرة القادمة من بلدان جنوب أوروبا. أما اليوم، فلم يعد البروتستانت يُشكّلون الأغلبية المُطلقة إلا في كانتون برن ولا يزال المذهب الأكثر أهمية من حيث العدد في كانتوني أبنزل رودس ـ الخارجية وتورغاو. 

جنيف تحتفل بالبروتستانتية من خلال النحت على الحجر

منذ القرن السادس عشر، تألقت جنيف بشكل خاص في العالم البروتستانتي، وذلك بسبب وجود الإصلاحي الكبير جان كالفن فيها، واستقبال آلاف الهوغونوتيين المضطهدين والتألق الفكري والروحي لأكاديميتها. وفي بداية القرن العشرين، احتفلت المدينة التي تُلقب بـ «روما البروتستانتية» بهذا التاريخ من خلال منحوتة ضخمة.

وبدأ بناء نصب الإصلاح الدولي ـ الذي يُدعى أيضاً بجدار الإصلاحيين ـ في عام 1908 ولم يكتمل إلا في عام 1917 بسبب الصعوبات الناجمة عن الحرب الكونية الأولى. ويحتفل هذا النصب التذكاري، المُمَوّل من الأموال الخاصة والعامة التي تمَّ جمعها في سويسرا والبلدان البروتستانتية الكبرى، باللحظات العظيمة من تاريخ الإصلاح.

وفي وقتنا الحاضر، يبقى هذا النصب التذكاري ـ مع نافورة الماء الشهيرة ـ الرمز الأكثر شهرة في جنيف.

المتحف الدولي لإصلاح الديني

بالإضافة إلى جدار الإصلاحيين، يوجد في جنيف أيضاً متحف مخصص لتاريخ البروتستانتية. ويُسجل المتحف الدولي للإصلاح هذا التاريخ من خلال أدوات ومقتنيات وكتب ومخطوطات ولوحات ونقوش.

حاز المتحف الدولي للإصلاح على جائزة متحف المجلس الأوروبي لعام 2007. ومنذ عام 1977، تُمنح هذه الجائزة كل عام للمؤسسات التي تُقدِّم مُساهمة مُميَّزة في التعريف بالتراث الثقافي الأوروبي.

مشهد ديني سويسري متنوع

"الإيمان هو رؤيةٌ للأشياء التي لا تُرى"

جون كالفان، لاهوتي بروتستانتي


في النصف الأول من القرن السادس عشر، سجلَّ الإصلاح شرخاً في المشهد الديني السويسري من خلال هجوم شديد على شبه الاحتكار الكاثوليكي الذي كان سائداً طوال فترة العصور الوسطى. ومن الآن فصاعداً، ستنقسم الكنفدرالية السويسرية إلى مناطق كاثوليكية ومناطق بروتستانتية، في حين تبقى المناطق المختلطة نادرة.

على مدى قرون، لم يتغير الوضع. وانطلاقاً من مبدأ «لكل منطقة دينها/من يملك الأرض يحدد الدين»، لم تغيّر الكانتونات الديانة. وفضلاً عن ذلك، بقيت تحركات السكان ضعيفة في مجتمع كان لا يزال ريفياً إلى حد كبير.

ولكن بدأ الوضع بالتطور منذ منتصف القرن التاسع عشر. ويعطي تأسيس الدولة الفدرالية (1848) للمواطنين حق حرية الاستقرار في أي مكان من البلد. بالإضافة إلى أنَّ ازدهار الصناعة يجذب اليد العاملة المُنحدرة من الكانتونات الريفية ـ غالباً كاثوليكية ـ نحو الكانتونات الحضرية الصناعية ـ عموماً بروتستانتية.

ولكن تسارَعَت التغييرات خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقامت حركة عَلمَنة المجتمع، المُلاحظة في جميع أنحاء الغرب، بالإضافة إلى الهجرة الجماعية القادمة على وجه الخصوص من أوروبا الجنوبية الكاثوليكية، بتعديل المشهد الديني.

أما اليوم، فلم تعد سويسرا بلداً ذو أغلبية بروتستانتية. وحالياً، الكاثوليك هم الأكثر عدداً، وتظهر الأديان القادمة من خارج أوروبا واضحةً بشكل متزايد ونسبة الأشخاص الذين يعلنون أنهم بدون دين ـ ظاهرة لم يكن من الممكن تصورها في السابق ـ لم تكن يوما عالية لهذا الحد. وباختصار، فيما يخص مسائل الدين، يتميَّز عصرنا قبل كل شيء بتنوعه.

graphic

رسم بياني يستعرض تطور نسبة البروتستانت في سويسرا

جميع الأديان تتعايش في سويسرا

من الكاثوليكية الأكثر صرامة إلى الإنجيلية الأكثر حماسة، مرورا بالإسلام والهندوسية، وعدد كبير من الطوائف، تتنوع الممارسات بشكل كبير جدا في ظل تعايش سلمي شبه دائم.



البروتستانتية كمصدر للثروة

​​​​​​​الإصلاح الديني، مُحرّك للنمو الإقتصادي؟

منذ القرن السابع عشر، كانت المناطق البروتستانتية في أوروبا أكثر حيوية من المناطق ذات الأغلبية الكاثوليكية، من الناحية الاقتصادية: هذا ما لاحظه المعاصرون لتلك الفترة. وفي عام 2008، أدّت الأزمة المالية إلى إعادة بروز فكرة الاختلاف الاقتصادي الأساسي بين شمال القارّة البروتستانتي وجنوبها الكاثوليكي. وتذكّر الكثير من الناس عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كتابه الشهير الذي يتحدث عن الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، والذي نُشر في بداية القرن العشرين. ولكن المسألة ليست بهذه البساطة.

وكتب جان لويس بينه هنتش كاتب العدل ومتسلق الجبال من جنيف، في أول دليل سياحي مُخصَّص لمنطقة "وادي بوسكيافو" Val Poschiavo في كانتون غراوبوندن، عام 1862: «في الساحة الرئيسية، هناك مساكن جميلة ومريحة تلفت الأنظار، وبعدها مباشرة، في الشوارع المجاورة، توجد منازل هزيلة حيث يُخيّم الفقر والبؤس». ثمَّ تابع قائلاً: «إنَّ التفاوت الذي كثيراً ما يُلاحظ ويُوصَف بين السكان البروتستانت والسكان الكاثوليك في بلدان متنوعة دينياً، لم يكن يوماً أكثر حساسية مما هو عليه الحال هنا».

الفجوة الإقتصادية 

والملاحظة التي قدّمها المُسافر، القادم من جنيف، بخصوص وادي جبال الألب النائية والمنقسمة منذ منتصف القرن السادس عشر بين غالبية من الكاثوليك وأقلية من البروتستانت، تتوافق مع ما لاحظه العديد من المُعلّقين والباحثين منذ القرن السابع عشر في مناطق أخرى من أوروبا. ويبدو أن الإصلاح البروتستانتي كان يُؤثِر، أو على الأقل، يصحب النمو الإقتصادي إلى المناطق التي نشأ فيها.

كما أدّى هروب السكان البروتستانت من منطقة إلى أخرى، مثل الهوغونوتيين الفرنسيين إلى سويسرا وهولندا وبروسيا والاصلاحيين من لوغانو إلى زيورخ والمينوناتية إلى أمريكا الشمالية، إلى نقل المهارات التجارية والإنتاجية إلى بلدان الوصول، داعمين بذلك نموها الإقتصادي. 

يُظهر هذا المُجسّم المنحوت على جدار الإصلاح في جنيف استقبال لاجئي الهوغونوتيون (وهم أعضاء كنيسة فرنسا الإصلاحية البروتستانتية خلال القرنين السادس عشر والسابع عش) في مقاطعة بروسيا.

ولو نظرنا إلى المثال السويسري، نجد في كانتون أبنزل، الذي انقسم عام 1597 إلى قسم كاثوليك (أبنزل رودس الداخلية) وقسم إصلاحي (أبنزل رودس الخارجية)، برهاناً صارخاً عن الفرق في النشاط الإقتصادي بين مناطق البروتستانت والكاثوليك. وفي حين لم يرتفع عدد سكان القسم الكاثوليكي بين عامي 1530 و1730 سوى بنسبة 30% ـ كما ذكر المؤرخ والنائب السابق جو لانغ منذ فترة بسيطة في صحيفة تاغس أنتسايغر (تصدر بالألأمانية في زيورخ) ـ ازداد سكان القسم البروتستانتي ستة أضعاف مُشَكِّلاً، بفضل تطوير صناعة النسيج، واحدة من أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان في أوروبا.

أطروحات ماكس فيبر

وكانت المناقشات حول الصدارة التنافسية الظاهرة للمناطق البروتستانتية معروفة لدى عالم الإجتماع ماكس فيبر عندما كان يتهيأ لتأليف كتابه الشهير «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، الذي نُشر بين عامي 1904 و1905. وكان هدفه، كما صرّح في الصفحات الأولى من كتابه، هو فهم أسباب ولادة اTقتصاد الرأسمالي الحديث في أوروبا وليس في القارات الأخرى، مع أنها كانت قد طوّرت مهارات وتقنيات متقدمة خلال تاريخها لا تقل عن تلك التي توجد في أوروبا.

وقد حدد عالم الإجتماع الألماني في بعض المفاهيم التي وضعتها البروتستانتية قواعد الأخلاق التي كان من شأنها أن تدعم نمو الإقتصاد الرأسمالي. فمن ناحية، إنَّ مفهوم «المهنة» الذي ابتكره مارتن لوثر واستخدمته التيارات البروتستانتية الأخرى، والذي يرى في العمل مهمة كلَّف بها الله البشر (باللغة الألمانية كلمة «Beruf» تعني مهنة وموهبة في آن واحد). ومن ناحية أخرى، فإن علاقة «زهد» جان كالفن بالثروة، التي تُعتبر مقبولةً إذا لم تُنفَق في الترف والإستمتاع بالحياة وإنما لإعادة استثمارها في المؤسسة الإقتصادية.

حتى اليوم، لا زال كتاب "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" المؤلّف الأكثر شهرة لعالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر (1864-1920).

ولم تكن نية فيبر إقامة علاقات بين السبب والنتيجة دون لَبس بين الإصلاح والرأسمالية، كما تمَّ اقتراح ذلك في بعض الأحيان من خلال تعميم أطروحاته، وإنما تحديد التشابهات الجزئية بين الفكر الديني و«روح الرأسمالية». واعترف بنفسه بأن التطور التاريخي لنظام اقتصادي كان نتيجة تفاعل مُعقّد بين عوامل مختلفة.

الرأسمالية قبل الإصلاح

لقد أثارت نظريات عالم الاجتماع الألماني (ولا زالت) على جميع الأحوال العديد من النقاشات والإنتقادات أيضاً. فقد تمَّت الإشارة إلى أنَّ الإقتصاد الرأسمالي بدأ بالتطور قبل ظهور الإصلاح الديني، وخاصة بين صفوف التجار الايطاليين والفلامنديين. كما أن أكبر عائلتين للمصرفيين والتجار في القرن السادس عشر، وهي عائلتا فوغّر وميديسيس، كانتا من الطائفة الكاثوليكية.

نظريا، لا تنظر الأخلاقيات البروتستانتية بشكل جيّد إلى العرض المتباهي والتفاخري للثروات.

ولو نظرنا إلى خريطة أوروبا اليوم، يمكننا أن نتحقق من أن بعض المناطق الأكثر نشاطاً وتقدماً على المستوى الإقتصادي كانت تقليدياً كاثوليكية: بافاريا وبعض أجزاء من بادن فورتمبيرغ ولومبارديا وإيرلندا وبالنظر فقط إلى سويسرا، هناك كانتونا تسوغ وشفيتس.

مع اعترافهم ببعض الصدارة التنافسية لمناطق الطائفة البروتستانتية، يَعزو كتّاب آخرون الأمر إلى درجة أفضل من التدريب، وليس إلى الأخلاق البروتستانتية. فقد قادت فكرة الكهنوت الشامل، وبالتالي ضرورة أن يعرف جميع المؤمنين (بما فيهم النساء) الكتاب المقدس وأن تتسنى لهم قراءته، إلى محو الأمية السريع في المناطق التي انتسبت إلى الإصلاح. وهو ما شجّع على تعميم المعرفة بشكل أفضل.

ومن بين أبرز مُنتَقِدّي نظريات فيبر، نجد المؤرخ السويسري هيربرت لوتي (1918ـ2002)، مُؤلِّف بحث رئيسي عن البنك البروتستانتي في فرنسا بين عامي 1685 و1794. فمع اعترافه بأهمية نظريات فيبر، إلا أنه كان يشكّك بتعميمات عالم الإجتماع، التي لم تكن دائماً مدعومة من المصادر. كما أشار إلى أن تباشير الإقتصاد الرأسمالي كانت قد بدأت في الظهور ما بين نهاية القرون الوسطى وبداية عصر النهضة.

مُعوّقات الإصلاح المُضادّ

وبحسب هيربرت لوتي، فإن حركة الإصلاح المُضاد، بالتلازم مع الإستبدادية الناشئة في قصور الأمراء، هي التي خنقت النمو الإقتصادي في المناطق الكاثوليكية، في حين سمح عدم التجانس في العالم البروتستانتي باستمرار الديناميكية التي نشأت في نهاية العصور الوسطى. بمعنى أنَّ الإصلاح لم يكن مُحرّك النمو الإقتصادي، وإنما كان أخف الضَّرَرَين. 

شهد قصر فرساي قرب باريس، الذي يُعتبر تجسيدا لفكرة الإستبداد والحكم المطلق، إلغاء "مرسوم نانت" الشهير الذي كان يسمح بممارسة طقوس العبادة البروتستانتية في الأراضي الفرنسية.

وبالعودة إلى الحالة السويسرية، فإذا كان التصنيع قد ارتبط في بداية الأمر بالمناطق البروتستانتية، إلا أنَّ الكانتونات التقليدية الكاثوليكية مثل تسوغ وسولوتورن عرفت هي الأخرى ازدهاراً صناعياً سريعاً منذ منتصف القرن التاسع عشر. ومع أنَّ الدوافع ورؤوس الأموال أتت من رجال أعمال بروتستانتيين، غير أن طبقة حاكمة كاثوليكية جديدة ومتطلّعة للحرية هي التي سمحت لهذه المبادرات أن تترسّخ.

وكتب جو لانغ بخصوص التصنيع في كانتون تسوغ: «إن نفور رجال الدين من الصناعة كان من شأنه أن يمنع التصنيع البروتستانتي لولا أن هذا الأخير حَظِيَ بدعم من الكاثوليك الليبراليين».

ويُمكن القول أن التحولات الثقافية والسياسية التي حدثت في عصر التنوير ورافقت الثورة الفرنسية، فتحت مساحات أوسع بكثير من تلك التي قام بها الإصلاح من أجل التجديد الإقتصادي في العالم.   

الولايات المتحدة.. فردوس الإنجيليين

الإخوة السويسريون

على الرغم من أنه لا يمكن العثور على اسم قرية "شلات" Schlaate السويسرية على أية خريطة اليوم، فإن اجتماع تجديدية العماد «أنابابتست»، الذي حدث فيها في أحد أيام الشتاء قبل حوالي 500 عام، كان له آثار بعيدة المدى. سواء على أوروبا أو على الحياة الدينية في الولايات المتحدة.

ومع ذلك، تُستخدم «شلات» كإشارة إلى اللهجة المحلية لقرية شلاتهايم، الواقعة في كانتون شافهاوزن. وتدفع منازلها الخشبية القديمة للتخيل بأن أحد هذه المنازل ضمّ الاخوة السويسريين الذين اجتمعوا حول ميكائيل ساتلر في 24 فبراير 1527 لتبنّي مبادئ مذهب شلاتهايم.

ولكن لم تُبنى المنازل الأكثر قدماً منها، المُصانة بشكل جيد والمُحاطة بالحدائق الأنيقة، إلا بعد قرنين أو ثلاثة قرون. ولم يتبقّى من اجتماع القرن السادس عشر المشهود سوى نسخة قديمة ومطبوعة من المذهب، والتي تعود إلى عام 1550 تقريباً وهي معروضة في متحف القرية.

كان الإخوة السويسريون جزءاً من حركة تجديدية العماد «أنابابتست» الوليدة التي رأت النور قبل ذلك بعامين عندما انفصل شباب مؤيدون للإصلاح متشددون عن أولريش تزفينغلي، واتهموه بتقديم تنازلات للسلطات وطالبوا بإنهاء القداس ومعمودية الأطفال. فكان الانقسام حاسماً. واتخذت الحكومة المحلية، وبدعم من تزفينغلي، تدابير لإسكات هؤلاء الـ «أنابابتست» ووضع حد لممارساتهم، وذهبت إلى حد إعدام أحد قادتهم لأنه رفض التنازل.

ولم تفشل السلطات بالقضاء على الحركة فحسب، بل ربما أجَّجَت همة المؤيدين بسبب القمع. ووفقاً للمعجم التاريخي لسويسرا، ميّزت بنود مذهب شلاتهايم السبع بوضوح الأنابابتست السويسريين «عن غيرهم من التيارات المتشدّدة الأخرى وعن الكنائس الرسمية» وبأنهم شكّلوا «أول كنيسة حرة». ويضم النص رفض معمودية الأطفال، ومنع القَسَم، ورفض حمل السلاح.

مجموعة من أتباع طائفة "أميش" البروتستانتية يشتركون في تشييد مزرعة في الولايات المتحدة. (DiscoverLancaster.com / Terry Ross)

وتَبِع ذلك قرون من الإضطهاد والنفي، في أوروبا وفي بعض المناطق السويسرية. وعلى الرغم من انقسام الحركة، إلا أنّها أثّرت بشكل ملموس على جميع أنحاء القارّة: فقد انتشرت في هولندا، ووصلت إلى شرق روسيا وكانت سبباً لنشأة حركة الهوترية التي ترعرعت في مورافيا (جمهورية التشيك حالياً). كما اتخذها الصاحبيون «الكويكرز» في إنجلترا مثالاً لهم في القرن السابع عشر.

فردانية أمريكية و... دينية

في مستعمرات أمريكا الشمالية، وفي ولاية بنسلفانيا على وجه التحديد، التقت جماعات من تجديدية العماد والتي صارت تعرف حينها باسم مينونايت وأميش بالكويكرز، وكان لهذا الاجتماع أثر على المجتمع الأمريكي بأكمله. حيث حكم الكويكرز هذه المقاطعة حتى منتصف القرن الثامن عشر، ما يُفسّر عدم وجود ميليشيات أو كنيسة مدعومة من الدولة لديها، بحسب المؤرخ الأنابابتست ستيفن نولت. الذي أشار إلى أن المينونايت دعموا حكومة الكويكر وساعدوها على البقاء في السلطة. 

وعلى عكس ما كان يحدث في أوروبا، كان بإمكان سكان بنسلفانيا الحصول على الجنسية دون حلف اليمين. ولم يكن على المواطنين حمل السلاح لأن الدولة لم يكن لديها ميليشيا.

ووفقاً لخبير آخر في تجديدية العماد، فإن أهم إرث خلّفته الحركة في أمريكا الشمالية هو مفهوم معمودية البالغين ـ حيث يجب أن يكون الانضمام إلى الكنيسة عملاً مستقلاً وطوعياً ـ وكل ما ينطوي عليه. ويوضح دونالد كرايبيل من كلية إليزابيت تاون في بنسلفانيا أنَّ: «هذا يعكس الفردية الأمريكية ويُشَدِّد على أنَّ للفرد حقوقاً. وينبغي عليه أن يتخذ قرارات طوعية بشأن انتمائه الديني، ومشاركته الدينية بالإضافة إلى مشاركته المدنية. وهذه حقاً فكرة مهمة».

غير أنَّ المؤرِّخَين لا يرغبان بالمبالغة في تأثير جماعات تجديدية العماد التي استقرت في الولايات المتحدة. فهي كانت جزءاً من جاليات المهاجرين المتنوعة التي ساهمت في السياسة المميزة للدولة. ​​​​​​​


في أوساط الـمنتمين إلى طائفة الـ "أنابابتيست" الأمريكيين، يتم تعلم اللغة الألمانية الفصحى أو العامية أساسا من خلال قراءة الكتاب المقدس.


في بداية القرن الثامن عشر، كان هناك حوالي 80000 شخص يتكلمون اللغة الألمانية في بنسلفانيا، أي ما يمثل حوالي ثلث مجموع السكان. وكان معظمهم من اللوثريين أو أعضاء في الكنيسة الإصلاحية. وأقل من 5% منهم كانوا من المينوناتيين أو الأميش.

لقد أُلغيت بعض الحقوق، التي أُدخلت إلى بنسلفانيا في الوقت الذي كان يحكم فيه الكويكرز، خلال الثورة الأمريكية عام 1776 (أي شخص يرفض تأدية يمين الولاء يفقد حقه في التصويت)، ثمَّ أُعيد إقرارها في عام 1790.

النظام القديم

في القرن التاسع عشر، واصلت جماعات تجديدية العماد الإستيطان في بنسلفانيا وولايات أخرى ـ وانضم إليهم المينوناتيين من أصول هولندية وروسية ـ ثم تُركت كغيرها من الجماعات الدينية الأخرى لممارسة دينها ولمتابعة حياتها كما تشاء. إلا أنَّ تقدّم التكنولوجيا وإدخال التعليم العام أدّيا إلى حدوث خلل داخل المجتمع، مما أرسى أساس الصورة الشعبية اليوم للمينونايت والأميش وهم يضعون قبعات من القش ويركبون عربات تجرها الخيول.

ويقول ستيفن نولت: «دعت بعض أصوات الأميش والمينونايت إلى منح وزن أكبر للتجربة الدينية الفردية وطالبت بروحانية أقل تقيُّداً بالتقاليد والعادات الشعبية». «وأعلن آخرون أنهم متمسكون بالنظام القديم، أو طريقة العيش التقليدية، وهي طريقة متأثرة بالتشكيك بالسلع الاستهلاكية وبمقاومة عنيدة لتكييف الكنيسة مع أشكال بيروقراطية».

ويشير المؤرخ إلى أنَّ نظام الأميش القديم كان يرفض، على وجه الخصوص، ما يصفه بمفهوم برمجي للكنيسة والذي يتجسَّد، بحسب رأيهم، بمدرسة الأحد والجمعيات التبشيرية والتعليم العالي. ومع بداية القرن العشرين، أصبح الفرق في نمط الحياة أكثر وضوحاً مع تعميم استخدام الكهرباء ومع ظهور الهاتف والسيارات.

ومع ذلك، فإنَّ طوائف الأميش والمينونايت، فضلاً عن حركات مسيحية أخرى، كانت دائماً تشكّل كتلة ضد الدولة للدفاع عن معتقداتها الأساسية بطريقة سلميّة.

ويُشير دونالد كرايبيل إلى أن الولايات المتحدة لم تُقدِّم، خلال الحرب العالمية الأولى، أية إمكانية للخدمة البديلة وأُرسل رجال المينونايت والأميش إلى معسكرات للتدريب حيث كانوا ملزمين بارتداء الزي العسكري ـ مع أنهم شَغَلوا وظائف غير قتالية. أما الذين رفضوا، فقد عوقبوا.


مجموعة من المتطوعين تصطف للإنخراط في الجيش الأمريكي في عام 1917.

في عام 1935، اجتمعت الكنائس ووضعت خططاً للخدمة البديلة للمُعتَرضين ضميرياً [الذين يرفضون أداء الخدمة العسكرية على أساس حرية الفكر أو الضمير أو الدين]. كما أنها نجحت بإقناع الحكومة الفدرالية باتخاذ خطوة في هذا الاتجاه. ويختم دونالد كرايبيل بقوله: «إن مقاومة جماعات الأنابابتيست للتجنيد خلال الحربين العالميتين، حفّزت هويتها السلمية في المجتمع الأمريكي في القرن العشرين».

ثقافة الحصان والعربة

منذ الحرب العالمية الثانية، كان من أبرز التطورات ـ وأكثرها مرئية بسبب العادات واللباس التقليدي ـ النمو السكاني الكبير في مجتمعات النظام القديم، سواء في الولايات المتحدة أو في كندا.

وقد ازداد عدد سكان النظام القديم ثلاثة أضعاف تقريباً على مدى الـ 25 سنة الأخيرة ليصل إلى 300000 عضو في الولايات المتحدة وحدها. وانتشرت مجموعات الأميش في مختلف الولايات بعيداً عن قواعدها الأصلية، في بنسلفانيا وأوهايو وإنديانا.

عائلة من طائفة "أميش" في طريقها إلى كنيسة القرية. (tim@timcragg.com)

فكانت للعائلة المتوسطة ستة أطفال أو يزيد و85% منهم يختارون البقاء في الجماعة عندما يبلغون سن الرشد، كما يقول دونالد كرايبيل. «ويعجّل هذان العنصران نموهم السكاني مع أنهم لا يُمارسون التبشير ولا الدعوة».

ويَعتبر المُتخصص أنَّ نجاح هذه المجموعات يعود أيضاً إلى قدرتها على «التعامل مع الحداثة» باستخدامها لتقنيات معلوماتية وزراعية وتجارية معينة وبشكل انتقائي عندما يُلائم ذلك احتياجاتها. وهو ما يتيح للمجموعات التقليدية أن تزدهر بالإضافة إلى حفاظها على هوية مميزة للنظام القديم.

ويُقدِّر كرايبيل أنَّ هناك 12000 مدير مصنع من الأميش، يُصنِّعون مختلف المنتجات التي تشتهر بنوعيتها الجيدة وقيمتها وتحمل «سحر الحنين إلى الحياة الأمريكية القديمة». لكن ليس الحنين هو الذي يربط الأميش والمينونايت بماضيهم، وإنما هي المبادئ التي وضعها الأنابابتيست قبل 500 عام في شمال سويسرا.

المؤلفون

أندريا طونينا (الفصلين 1 و 3)/ ديل بيشتل (الفصل 4)/ أوليفييه بوشار/ دوك - كوانغ نغويان (رسم بياني)

الصور

وكالة كيستون Keystone (ما لم تتم الإشارة إلى سواها).

إنتاج

Luca Schüpbach, © 2017 swissinfo.ch