Navigation

أغلبية الكانتونات.. آلية ديمقراطية لا تختصّ بها سويسرا

المبنى الرصين كرمز للتحصّن ضد سيطرة الأقوياء ـ وحتى الآن كذلك ضد تغول الإرادة الشعبية - في الصورة: البناية التي تحتضن "بيت أو دار الكانتونات" وسط العاصمة برن. Keystone

بعد الاقتراع الأخير الذي شهدته سويسرا يوم 29 نوفمبر 2020، أثار أحد الموضوعات حنق الكثيرين في سويسرا: إنه موضوع أغلبية الأصوات على مستوى الكانتونات. فبسبب اشتراط تحقق هذه الأغلبية، فشلت مبادرة الأعمال المسؤولة على الرغم من أن أغلبية أصوات الناخبين جاءت مؤيّدة لها. فيما يلي تأملات في هذه الآلية الديمقراطية التي تعرفها دول أخرى كذلك.

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 ديسمبر 2020 - 21:30 يوليو,

كان فارقاً يقدر بـ 37500 صوتاً: لقد جاء التأييد الذي منحه الناخبون لمبادرة "الأعمال المسؤولة" بأغلبية ضئيلة تقدر بـ 50،7% فقط. برغم ذلك فقد صدر الحكم في نهاية يوم الاقتراع بالرفض، وذلك بسبب عدم قبول أغلبية الكانتونات لهذا المقترح.

ما الذي حدث إذن؟ وهل ديمقراطيتنا المباشرة التي تلاقي كل الاحتفاء ـ إذا لا توجد دولة في العالم تدعو مواطنيها للاقتراع أكثر مما تفعله سويسرا ـ ليست سوى كذب وخداع؟ وهل ثبت أن الديمقراطية المباشرة ذائعة الصيت لم تكن إلا ضرباً من العبث؟

إن تأمل التواتر الإحصائي وحده، يجعلنا نقول أن هذا التشكيك مجرد جعجعة بلا طحن. فمنذ اعتماد آلية المبادرة الشعبية في سويسرا في عام 1891، أطلقت 481 مبادرة شعبية لم تفشل منها إلا اثنتين فقط بسبب شرط أغلبية الكانتونات، كانت أولاها مبادرة المستأجرين في عام 1955، وحالياً مبادرة الأعمال المسؤولة التي تهم الشركات الكبرى والمتعددة الجنسيات التي تتخذ من سويسرا مقرا لها.

برغم ذلك، فإن هذه الظاهرة تنبئ بالكثير حول تاريخ الدولة الفدرالية السويسرية وطريقة عملها.

أغلبية الكانتونات.. ما الذي تعنيه تحديداً؟

في سويسرا، تحتاج التعديلات الدستورية بصورة ضرورية إلى الحصول على "أغلبية مُضاعفة"، أي على أغلبية الأصوات في الاقتراع الشعبي وكذلك أغلبية الكانتونات الستة والعشرين. ومن شأن هذا الشرط حماية الأقليات من عدة أوجه إلا أن بإمكانه تحقيق المزيد.

آلية الحماية رقم 1: تعظيم الصغار

إنها آلية أراد بها الآباء المؤسسون للدستور الفدرالي السويسري حماية الكانتونات الصغيرة، حتى لا تطيح بها الكانتونات الكبيرة بسطوتها السياسية والاقتصادية.

وللتذكير، فإن سويسرا الحديثة قد انبثقت عن حرب أهلية، كانت فيها الكانتونات الكاثوليكية المحافظة خاضعة للقوى الليبرالية والراديكالية ـ أي طلائع الحزب الليبرالي الحالي. وقد كانت نهاية "حرب التحالف الخاص" هذه هي التي أدت إلى توحيد الكانتونات في دولة فدرالية جديدة.

إذن فقد كانت الكانتونات الكاثوليكية غير سعيدة أبداً بأن تصبح جزءً من الديمقراطية السويسرية الجديدة، التي توجهها الأغلبية الراديكالية.

آلية الحماية رقم 2: التضامن الفدرالي

إن أغلبية الكانتونات تمنح لجميع الكانتونات الثقل ذاته تماماً، أي أن كل كانتون يحصل على صوت واحد. إلا أنه يوجد استثناء: حيث يحصل كل من أنصاف الكانتونات (وعددها ستة) على نصف صوت.

وهذا يؤدي إلى تشوهات جمة: إذ يساوي صوت أحد مواطني نصف الكانتون أبنزل رودس الداخلية في قيمته وفقاً لهذه الآلية أربعين ضعف صوت مواطن من كانتون زيورخ.

لكن المبالغة في رفع قيمة الصوت الواحد من هذا الكانتون الصغير، بالمقارنة بالأصوات التابعة للكانتونات الكبيرة، يمثل مشبكاً يحافظ على تماسك سويسرا المتباينة بثقافاتها ولغاتها وأديانها وفضاءاتها المتنوعة.

آلية الحماية رقم 3: مكابح الخطر

تجدر الإشارة هنا إلى أن سويسرا لا تمتلك محكمة دستورية. فكيف يُمكن إذن تحجيم خطر قلب البلاد رأساً على عقب من خلال مبادرات شعبية غير واقعية أو متطرفة قد تتيحها لحظة سياسية بعينها؟ هنا تصبح آلية أغلبية الكانتونات بمثابة مكابح اليد في السيارة: فمن يطلق مبادرة شعبية، عليه أن يدرك أنها لن تنجح في نهاية المطاف إلا إذا حظيت بتأييد أغلبية الكانتونات كذلك.

هذا يجعل من أغلبية الأصوات على مستوى الكانتونات واحداً من أهم عوامل الاستقرار في سويسرا. وهي حاسمة لتحقيق الاستقرار السياسي والثبات الاجتماعي الذي تضرب به الأمثال في هذا البلد.

سويسرا ليست حالة خاصة

•    الولايات المتحدة الأمريكية: قد تتباين الأغلبية الشعبية وأغلبية المُجمّع الانتخابي الحاسمة في الانتخابات الرئاسية، مثلما أسفرت عنه انتخابات عام 2016. وفي الإجمال، حكم الولايات المتحدة خمس رؤساء لم يحظوا بتأييد الأغلبية الشعبية.
•    ألمانيا: هنا يساهم المجلس الاتحادي، أو غرفة المقاطعات الاتحادية، في تحقيق التوازن الفدرالي.
•    أستراليا: تعرف كل من أستراليا ونيوزيلاندا الأغلبية المزدوجة ـ شأنها في ذلك شأن سويسرا ـ في حالة الاستفتاءات الدستورية. وبناء على نظام الحزبين القائم هناك، فإن هذه الآلية تصبح وبالاً كل عشر مسودات تقريباً.
•    الفلبين: هنا تعتبر هذه الآلية فعلياً هي الحصن الحصين ضد "خطر إرادة الشعب". فحينما يتم جمع توقيعات لأجل إطلاق مبادرة شعبية تسعى إلى إجراء تعديل دستوري، فلابد من ناحية من توقيع 12% من الناخبين عليها، ومن ناحية أخرى لابد من حصولها على توقيع 3% من الناخبين في كل دائرة من الدوائر الانتخابية البالغ عددها 243 دائرة (المصدر: برونو كاوفمان).

المؤيّدون في سويسرا

في سياق متصل، أنشدت وزيرة العدل كارين كيلر ـ سوتّر في رد فعلها على نتيجة الاقتراع قصيدة مدح في تمجيد أغلبية الكانتونات. إذ أثنت على جوانب الحماية التي توفرها هذه الآلية الديمقراطية. أما أفضل من يقف في صف هذه المسؤولة السياسية رفيعة المستوى، التي تمثل الحكومة الفدرالية، فهي بالطبع الكانتونات نفسها، خاصة الصغيرة منها، وكذلك البرلمان الفدرالي، وعملياً جميع الأحزاب السياسية.

المنتقدون

هم حالياً ممثلو اللجنة التي أطلقت المبادرة الشعبية رجالاً ونساءً حيث يرون أنهم قد حُرموا من جني ثمار نجاحهم في الاقتراع الشعبي بسبب موضة سياسية قديمة يربو عمرها على المائة عام. كما تعارض أصوات من اليسار السياسي، ومن المجتمع المدني وكذلك من خبراء السياسة آلية الأغلبية على مستوى الكانتونات. إذ يعتقدون أن هذه الآلية تكبح جماح التطور السياسي في البلد، وهو ما ينتقدونه بصفة أساسية.

نموذج عفا عليه الزمن

في واقع الأمر، يُمكن القول أنهم ليسوا مخطئين تماماً: فسويسرا اليوم لا يكاد يجمعها وجه تشابه مع سويسرا عام 1848. فبعد مرور حوالي 170 عاماً يحق لنا أن نتساءل، ما إذا كان علينا موائمة "نموذج العمل" السياسي ليتناسب مع سويسرا القرن الحادي والعشرين. وبالمناسبة لا مفر من التذكير بأن الديمقراطية تعني النقاش.

أفكار للإصلاح

هناك منذ سنوات أفكار إصلاحية مطروحة على طاولة الحوار. وفيما يلي أكثرها تداولاً، والتي يدور حولها النقاش حالياً من جديد:

•    رفع نسبة أغلبية الكانتونات المطلوبة لتصل إلى ثلثي الكانتونات.
•    عدم تطبيق أغلبية الكانتونات في حال وصلت نسبة القبول الشعبي لإحدى المبادرات إلى 55% من الأصوات.
•    إعادة توزيع أصوات الكانتونات بحسب ثقلها: فعلى سبيل المثال تحصل الكانتونات الأكبر على ثلاثة أصوات، والمتوسطة على صوتين، والصغيرة على صوت واحد.
•    إلغاء شرط غالبية الكانتونات

فرص الإصلاح

هل حانت الساعة الأخيرة لآلية "أغلبية الكانتونات" بسبب الجدل المحتدم من جديد؟ الجواب هو: لا! ذلك لأن أفضل حماية لأغلبية الكانتونات هي... أغلبية الكانتونات نفسها. فلن توافق معظم الكانتونات أبداً على تعديل دستوري، يحرمها من سلطتها.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة