الأوضاع في تونس والعراق ولبنان والجزائر ... تحت المجهر

تواصلت تغطية الصحف السويسرية للشؤون العربية في هذا الاسبوع، وسلطت الاضواء على الأوضاع الاقتصادية الصعبة في تونس وعلى التطوّرات السياسية في العراق ولبنان وعلى الانتخابات الرئاسية المرتقبة في الجزائر فضلا عن ارتخاء قبضة النفوذ الإيراني في العديد من البلدان العربية وسعي بلدان الخليج للإستفادة من هذا الوضع المتفجّر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 ديسمبر 2019 - 15:00 يوليو,
مشهد من تظاهرات اللبنانيين لتغيير النظام واسقاط الحكومة يوم 3 ديسمبر 2019 Copyright 2019 The Associated Press. All Rights Reserved.

تونس بانتظار جني ثمار الثورة 

تونس يفصلها عن القارة الأوروبية مسافة قصيرة ويحظى سكانها بتعليم جيد. لكن الانتعاش الاقتصادي تأخر - حتى بعد تسع سنوات من اندلاع الثورة التونسية، وفق سارة ميرش، مراسلة صحيفة  نويه تسرخر تسايتونغ.  

وحللت المراسلة الوضع الاقتصادي الحالي في البلاد "تعاني تونس من مشاكل هيكلية، حيث بلغت نسبة النمو الاقتصادي مؤخرًا أكثر من 1٪ بقليل. ترافق هذا النمو مع انخفاض في الاستثمار في قطاع الخدمات والصناعة، ولا يزال التضخم ثابتًا عند نحو من 7٪. في ظل هذا الوضع، لا غرابة من وجود مخاوف من انهيار اقتصاد البلاد عاجلاً أم آجلاً.  متطلبات المستثمرين الأساسية متوفرة في هذا البلد: تونس قريبة من أوروبا والسكان يحظون بتعليم جيد والأجور منخفضة نسبيًا. ومع ذلك، بالإضافة إلى المشاكل الهيكلية التي تعود إلى زمن الديكتاتورية، لا تزال الآثار الجانبية للاضطرابات السياسية في عام 2011 مصدر وجع للاقتصاد التونسي بعد تسع سنوات على اندلاع ثورة الياسمين. الحالة السياسية المربكة في البداية والإضرابات العنيفة صدمت المستثمرين والسياح الأجانب، الذين يوفرون العملة الأجنبية، التي تحتاجها خزائن الدولة". 

"في الوقت نفسه، ازداد الشعور بالإحباط بين التونسيين، فالبطالة ما تزال مرتفعة: ربع الخريجين لا يجدون أي وظيفة. في الوقت نفسه، انخفضت القوة الشرائية للسكان بحوالي 40٪ منذ عام 2011، وانخفض الدينار التونسي بأكثر من النصف مقارنة بالفرنك السويسري. بدون قروض من المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والجهات المانحة الأجنبية، لما كانت الدولة قادرة على دفع أجهزتها البيروقراطية التي تعاني من التضخم. في العام القادم، سيبلغ الدين العام أكثر من 80 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، حسب تقديرات البنك الدولي".  

ونقلت الصحيفة عن حكيم بن حمودة، الخبير الاقتصادي ووزير المالية التونسي السابق والمشارك في طرح مجموعة من التوصيات لتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد قوله "هناك حاجة ملحة لحل المشاكل الاقتصادية في تونس".  

يرى الخبير الاقتصادي حكيم بن حمودة أن "عدم الاستقرار السياسي أثر سلباً على الاقتصاد فبعد سبع حكومات على مدار السنوات الثماني الماضية، تحتاج تونس الآن إلى "أغلبية مستقرة ذات رؤية واضحة" لتعزيز النمو في أسرع وقت ممكن. ويضيف" المجتمع الدولي ليس وحده غير صبور، نحن التونسيون أيضًا، لأننا فقدنا الكثير من الوقت".  

وختمت الصحيفة بالقول "هناك آمال كبيرة معلقة على حقل جديد للغاز الطبيعي في الصحراء في جنوب تونس بعد حصوله على تمويل. فسيتم إنتاج 17 مليون متر مكعب من الغاز يومياً وهو ما يعادل نصف إنتاج الغاز الحالي في البلاد، وسيقلل هذا الإنتاج استيراد تونس من الغاز بنسبة 30 ٪. وزير الصناعة سليم فيرياني متفائل ويتوقع ارتفاع النمو الاقتصادي في العام المقبل بنسبة 1%.   

العراق ينزلق إلى أزمة جديدة

تناولت انغا روغ مراسلة صحيفة نويه تسرخر تسايتونغ تداعيات استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي وفرص الانفراج السياسي في البلاد في ظل الأوضاع الاستثنائية الحالية.

وأوضحت أن "الفصائل العراقية بدأت التفاوض بهدف تشكيل حكومة جديدة، لكن عملية التفاوض قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهر. المتظاهرون حققوا في العراق انتصاراً باستقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي. لكن بالنسبة للكثيرين الذين خرجوا إلى الشوارع لمدة شهرين حتى الآن، فإن هذه مجرد البداية. المتظاهرون يريدون المزيد: تغيير النظام السياسي والحرس القديم والإتيان بوجوه جديدة. لهذا خرج الآلاف من الناس إلى شوارع بغداد ومدن أخرى".

ونوهت إلى أن "الفصائل السياسية يتعين عليها أخذ حالة الغضب في الشارع العراقي محمل الجد  عند بحثها عن رئيس جديد للحكومة. وهذا لن يكون سهلاً لأن طهران لديها الكثير من النفوذ وتتمتع بعلاقات وثيقة مع كبار السياسيين وتدعم الميليشيات المسلحة العراقية. بالإضافة إلى الإيرانيين، سوف يلقي الأمريكيون بثقلهم، فجميع رؤساء الحكومات الذين كانوا في مناصبهم منذ الإطاحة بنظام صدام حسين كانوا في النهاية شخصيات سياسية توافقية تحظى بدعم طهران وواشنطن.

بالإضافة إلى ذلك، سيتعين على الكتل السياسية توخي الحذر في التعامل مع المرجع الشيعي الأعلى أية الله علي السيستاني، الذي أطاح برئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

وما يزيد تعقيدات الموقف عدم تمتع أي كتلة سياسية بالأغلبية اللازمة في مواجهة هذا الانقسام، ما يفرض على الفصائل السياسية البحث عن تحالفات متعددة الأحزاب. وهذا يعني مفاوضات صعبة حول توزيع المناصب الحكومية وحتى يحدث ذلك، يظل عبد المهدي ووزرائه في مناصبهم على أساس مؤقت"، وفق الصحيفة.

الجزائر.. محاكمة "العصابة"

بعد تأجيل لمرات عدة، تقول صحيفة "24 ساعة" في عددها ليوم الخميس 5 ديسمبر الجاري بدأت في الجزائر محاكمة ما يسمى "عصابة بوتفليقة" في إشارة إلى "أربعين شخصية سياسية واقتصادية نافذة أيام حكم عبد العزيز بوتفليقة، وهي شخصيات كانت تحظى بنفوذ كبير على غرار الوزيريْن الأوليْن السابقيْن عبد المالك سلال، وأحمد أوحيا، وأيضا رجال أعمال أقوياء في مجال صناعة وتركيب السيارات، ووزير سابق في مجال الأشغال العامة.

وإذا كانت وسائل الإعلام القريبة من النظام الحالي، على قول الصحيفة "تصف هذه المحاكمة بالتاريخية، فإن قادر عبد الرحيم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس يعتبرها "محاكمة سياسية". وهذا فعلا ما يعتبره الدفاع عن المتهمين "بالمسخرة القضائية". وهو ما جعلهم، وبعد المناداة على المتهمين، يقررون "مقاطعة الجلسة لأن شروط المحاكمة العادلة غير متوفّرة. والقضاء مسيّس، ويسود المحاكمة مناخ تصفية حسابات قديمة". وبحسب هيئة الدفاع دائما "إن توقيت عقد هذه المحاكمة بشير إلى أن الغرض منها هو محاولة حشد الدعم للانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، واضفاء شرعبة مفقودة عليْها".

كل هذه الانتقادات يتفق فيها أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس مع هيئة الدفاع عن المتهمين، ويضيف قادر عبد الرحيم: "كل شيء في الجزائر يفتقد إلى الشفافية والوضوح. وهيئة الدفاع ليس لها القدرة في الوصول إلى ملف المتهمين أو التحدث معهم، كما ليس لهم الحق في التواصل مع النيابة العامة. وخلف هذه القضية يقف شبح قائد الجيش احمد قائد صالح، الذي يتحكم في المشهد بأكمله، والذي يضغط على العدالة. والهدف الحقيقي وراء هذه المحاكمة المسخرة: الحصول على شرعية شعبية من أجل انقاذ النظام"، يضيف الأستاذ الجامعي.

في مقال آخر وهذه المرة في صحيفة "لوتون" بتاريخ 6 ديسمبر، كتبت الصحيفة السويسرية تحت عنوان "مواصفات الشخصية المحبذة للرئاسة في الجزائر"، بيدأ كاتب المقال بالتأكيد على أن الرئيس القادم يجب أن يكون في خدمة النظام القائم، وأن يتقمص دور المناهض لنظام عبد العزيز بوتفليقة السابق. المقال يضيف: "رغم بقاء أسبوع واحد يفصلنا على الانتخابات الرئاسية في بلد المليون شهيد يوم 12 ديسمبر المقبل، لم يتضح أي اسم يتمتع بحظوظ أكبر من غيره، لكن مواصفات من سيتولى الرئاسة في جزائر ما بعد بوتفليقة معروفة منذ الآن".

"مرشّح الجيش"

تتركّز أنظار الجميع تقول الصحيفة على شخصية الرئيس المقبل "ولكن هذا ليس له أي معنى مادام جميع المرشحين سيكونون ملزمين بفعل ما يقوله الجيش وخاصة قائده، أحمد قائد صالح"، على حد قول لودميلا (اسم مستعار)، طبيبة تبلغ من العمر 37 عاما، تشارك في المظاهرات المطالبة بإصلاحات في الجزائر كل يوم جمعة. وبالنسبة لأحد موظفي الدولة، الذي ونظرا لحالة الرعب التي تسود البلاد بعد اعتقال العديد من رجال الإعلام والمتظاهرين، فضل عدم الكشف عن هويته "إنه من المستحيل على النظام القائم، الذي يعتمد على الجيش والمخابرات والأجهزة الأمنية المختلفة أن يترك الجزائريين يختارون رئيسهم بكل حرية". ويواصل المقال نقلا عن نفس المصدر: "هذا هو السبب الذي يجعل جميع المترشحين يتنافسون في الحصول على صفة "مرشّح الجيش". وهذا ما يعني أن ترشيحهم لم يتم من خلال المجلس الدستوري بل من خلال أركان النظام".

أما خطة الطريق التي رسمها الجيش للرئيس المقبل فهي واضحة جدا وفق الصحيفة السويسرية: "أوّلا مواصلة سياسة اليد النظيفة التي أطلقها قائد صالح ضد من يعتبرهم عصابة مفسدين، وتقديم ضمانات للجيش بأن لا يقوم الرئيس المنتخب بطعن قائد الجيش في الظهر وإبعاده عن السلطة كما يطالب الحراك، وكذلك على هذا الرئيس أن يكتفي بلعب دور الواجهة أمام الأطراف الخارجية: فرنسا والخارجية الامريكية، وجامعة الدول العربية، وصندوق النقد الدولي ، والذي يطالب الدولة الجزائرية باتباع سياسة تقشفية. كما أن على الرئيس الجديد احترام توازنات الدبلوماسية الجزائرية التقليدية وعدم تغيير المواقف تجاه الإتحاد الأوروبي والمملكة المغربية".

بلدان الخليج وارتخاء القبضة الإيرانية

في مقال نشرته صحيفة لا ليبرتي الصادرة بفريبورغ نقلا عن صجيفة :لا ليبر بلجيك" يوم الأربعاء 4 ديسمبر تركّز على تحليل التطورات في الشرق الأوسط خاصة ما يحدث في العراق ولبنان وعلاقة ذلك بالصراع المتواصل بين بلدان الخليج وإيران. تصدّرت هذا التحليل مقولة مشهورة وهي "إذا كان عدوّك التقليدي بصدد التآكل، فلا تتدخّل أبدا". وهذا المثل برأي صاحب المقال ينطبق أفضل انطباق على الموقف الحالي لبلدان الخليج العربي مما يحدث في العراق ولبنان. يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين العامل في المنطقة "إنها أي بلدان الخليج تعبر بتكتم عن دعمها للمتظاهرين في العراق ولبنان، لأن من شأن هذه المظاهرات ان تضعف التأثير الإيراني في البلديْن".

حزب الله في لبنان

عبّر المتظاهرون في لبنان والعراق من خلال الشعارات واللافتات التي رفعوها عن مطالبتهم بوضع حد للنظام الطائفي الديني في البلديْن. وبرأي أحد الخبراء بمجموعة تفكير بلدان الخليج" ما يحصل في العراق ولبنان لا علاقة له بالربيع العربي. إنه حركة احتجاجية تطالب بانهاء نظام سياسي قديم يقوم على الطائفية. نطام المستفيد الأكبر منه هو إيران"

هذا هو الوضع السائد في لبنان من خلال حركة أمل وحزب الله المشاركيْن في الحكم منذ أمد طويل وزاد تأثيرهما في السنوات الأخيرة وهو نفس الوضع في العراق التي يقوم نظامها أيضا على اعتبارات طائفية وعرقية، حيث نجحت إيران في مضاعفة تأثيرها على مكوّنات الساحة الشيعية في العراق بعد الغزو الأمريكي مستفيدة من أوضاع عدم الاستقرار. وبالنسبة لصاحبة المقال" من يتأمّل الأعلام الإيرانية المحروقة في لبنان والعراق، وصور خامنئي الممزقة والمرمية تحت الاقدام والقنصليات الإيرانية المحروقة يدرك أن المتظاهرين في العراق هم يعارضون التأثيرات الإيرانية بنفس الدرجة التي يعارضون بها نظام بلادهم".

تأثير متزايد

التأثير الإيراني في المنطقة لا يتوقف عند حدود العراق ولبنان، بل يمتد إلى سوريا واليمن، حيث نجحت إيران في التسرب إلى هذيْن البلديْن مستفيدة من وضع عدم الاستقرار والحروب الاهلية. ولا غرابة من ان نجد "بلدان الخليج تنظر باستحسان إلى هذه الاحداث التي تأمل أن تؤدي إلى الحد من النفوذ الإيراني".

المملكة العربية السعودية وجاراتها، ربما باستثناء قطر وعمان، تفكران في انتهاز هذه الفرصة التاريخية التي ساءت فيها صورة إيران في المنطقة باسترجاع المبادرة وبداية الحديث على أن الصراع في المنطقة هو "صراع بين قوى الشر وقوى الخير وبين القوي الظلامية وقوى النور".

ولكن هل سيتحقق لهذه البلدان ما تحلم به. حسب هذا المقال، لا شيء يؤكد ذلك لأن "قدرة بلدان الخليج على التأثير في لبنان والعراق محدودة، ولأن إيران عاقدة العزم على الدفاع عن مصالحها وبشراسة".

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة