شرعنة بومبيو للاستيطان .. والبكاء على الميت

هذا الأسبوع، استحوذ تأييد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لإسرائيل في بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة على اهتمام الصحف السويسرية التي رأت أنه بمثابة وأد لحلم الدولتين ودفن لعملية السلام، التي أصيبت أصلا في مقتل مع سلسلة القرارات الأمريكية الأخيرة التي اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل وبسيادة الدولة العبرية على هضبة الجولان المحتلة.  

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 نوفمبر 2019 - 15:00 يوليو,
رجل فلسطيني من قرية قرب مستوطنة كدوميم بالقرب من مدينة نابلس بالضفة الغربية يرقب أراضيه التي باتت مهددة بالمصادرة لتوسعة مستعمرة إسرائيلية. Keystone / Alaa Badarneh

"إسرائيل لن تُخلي المستوطنات أبدا"

انغا روغ، مراسلة صحيفة نويه تسورخر تسايتونغ صرحت في مقابلة خاصة مع التلفزيون السويسري: "اعتبار المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير مخالفة للقانون الدولي، لن يغير أي شيء على أرض الواقع، فعملية السلام ماتت وكل التحركات لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سكنت. يتجلى ذلك في إطلاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "مبادرة القرن" لحل الصراع في الشرق الأوسط. لهذا الغرض، تم تقديم الخطة الاقتصادية في هذه المبادرة قبل بضعة أشهر. لكننا لم نسمع أي شيء عن الجزء السياسي من المبادرة".

الإدارة الأمريكية دمرت أساس أي مفاوضات محتملة تنطلق من أن التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية غير قانوني لإنجاح عملية السلام. ونظراً لأن الإدارة الأمريكية هي الطرف الوحيد القادر على التوسط في عملية السلام، فإن الموقف الأمريكي الجديد وضع حجر عثرة أمام فرصة خلق السلام الدائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كل الأطراف المعنية تعلم جيداً أن إسرائيل لن تخلي المستوطنات في الضفة الغربية في سياق عملية سلام مستقبلية – ولو حتى لأسباب أمنية".

"قرار غير مفاجئ"

توماس شبانغ، من صحيفة بوندنر بلات كتب "اعتراف واشنطن بسياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي المحتلة باعتبارها قانونية قضى على أي أمل في السلام، هذا التحول في السياسة الأمريكية ليس مفاجئاً بالضرورة، فالإعلان جاء كحلقة في سلسلة التحولات الجذرية في الموقف الأمريكي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ دخول دونالد ترامب البيت الأبيض.

ففي مايو 2018، نقل ترامب السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والتي يطالب الإسرائيليون والفلسطينيون بها عاصمة لدولتهم. وفي إبريل من هذا العام، التقى الرئيس الأمريكي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واعترف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة منذ عام 1967. إعلان بومبيو عن انتهاء أكثر من أربعة عقود من الموقف القانوني للولايات المتحدة في الأراضي المحتلة ينضم الآن إلى هذه القرارات. واشنطن تخلت عن دورها "كوسيط نزيه" في الشرق الأوسط وتحيّزت لطرف واحد هو إسرائيل".   

واشنطن لم تعتبر يوماً المستوطنات انتهاكاً للقانون الدولي

أما ايزابيل ياكوب، مراسلة الإذاعة السويسرية في واشنطن فنوهت إلى أن "تصريح وزير الخارجية الأمريكي بأن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان رفض اعتبار المستوطنات الإسرائيلية غير شرعية وإن أقر بأنها تضر بعملية السلام. الحكومات الأمريكية اللاحقة أدانت المستوطنات بدرجات متفاوتة، لكنها لم تسمها انتهاكاً للقانون الدولي.

حتى الرئيس باراك أوباما الذي تبنى خطاباً متشدداً تجاه إسرائيل. تخلى قبل فترة وجيزة من انتهاء ولايته في ديسمبر 2016 عن استخدام حق النقض ضد قرار أممي يعتبر بناء المستوطنات انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، لكنه لم يدعمه".

المسمار الأخير في نعش السلام

أندرياس روش من صحيفة نويه تسورخر تسايتونغ اعتبر أن "القرار هو المسمار الأخير في نعش ما يسمى بحل الدولتين، الذي مثل الهدف المشترك للمجتمع الدولي بأكمله تقريبًا في العقود الأخيرة. لكن في ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتحت حكم الرئيس ترامب في الولايات المتحدة، تم التخلص تدريجياً من شروط إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

كما هو الحال في قضية القدس، برر وزير الخارجية الأمريكية القرار الحاسم بالقول إن الموقف القائل بأن المستوطنات الإسرائيلية تتعارض مع القانون الدولي لا يؤدي بأي حال من الأحوال إلى تقدم عملية السلام. لذلك، سيكون من غير المجدي التشبث به.

التحول في قضية القدس دفع  - من بين أمور أخرى - الفلسطينيين إلى رفض المشاركة في جهود السلام. بدورها ألغت واشنطن مساعداتها الثنائية ومنح مساعدات دولية للفلسطينيين. بالإضافة إلى ذلك أغلقت الخارجية الأمريكية مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة واشنطن ".

"الحل لن يكون إلا سياسيا، ولكن"

لويس ليما، الصحفي المختص في القضايا الدولية في صحيفة "لوتون" الناطقة بالفرنسية كتب مقالا بعنوان "واشنطن تبارك المستوطنات الإسرائيلية" قال فيه "إن الإدارة الأمريكية درست بعناية الأوجه المختلفة لموضوع المستوطنات، وانتهت إلى أن هذه الأخيرة هي نتاج أحداث وتاريخ وظروف استثنائية، وبالتالي لا مجال لكي تقف واشنطن ضدها، فقط للهروب من الواقع".

وبحسب الصحفي السويسري فإن "هذه الانعطافة للموقف الأمريكي، لا توجد دولة أخرى تتفق معها فيها سوى الدولة العبرية نفسها التي لا تعتبر الأراضي الفلسطينية "محتلّة" بل "متنازع عليها"، مستندة في ذلك إلى نصوص توراتية".

ويذكّر صاحب المقال بأنه وباستثناء موقف الإدارة الأمريكية في عهد باراك أوباما التي "لم تستخدم حق الفيتو ضد قرار لمجلس الأمن يُدين النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، فإن موقف الإدارات الأمريكية من الإستيطان كان ملتبسا، على غرار إدارة رونالد ريغان الذي صرّح أسبوعين بعد وصوله إلى البيت الأبيض بأن "الإستيطان ليس مخالفا للقانون الدولي".

لكن لأوّل مرة يكون الموقف الأمريكي صريحا وواضحا في هذا الموضوع. موقف وفق ما قاله ماركو ساسولي، الأستاذ بجامعة جنيف، ومدير أكاديمية القانون الدولي الإنساني والقانون الإنساني "هو مخالف لمعاهدة جنيف الرابعة التي تنص على أن "قوة الاحتلال (وفي هذه الحالة، الدولة الإسرائيلية) ليس لها الحق في ترحيل جزءٍ من شعبها أو نقل جزءٍ من سكانها وتوطينهم في أراض محتلة".

يخلص كاتب المقال إلى أنه "لن يكون هناك حل قانوني للصراع في الشرق الأوسط. فالمشكلة سياسية، ولن تحل إلا عبر المفاوضات". وفرضا أن هذا الكلام صحيح، يقول أوفير سالسبيرغ، من مجموعة الأزمات الدولية، فإن "ما يقوله وزير الخارجية الأمريكي من أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لن يحل بقرارات قانونية بل بمفاوضات ثنائية. ولكن استمرار وقوف الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى جانب إسرائيل بشكل منتظم يؤدي حتما إلى إضعاف الجانب الفلسطيني والحد من قدرته على إجراء هذه المفاوضات".

 "ترامب يستخف بالقانون"

بالنسبة لواشنطن لا تنتهك المستوطنات في الضفة الغربية القانون الدولي، وبالنسبة لصحيفة "24 ساعة" السويسرية الناطقة بالفرنسية "الموقف الأمريكي يمثل صفعة للفلسطينيين وضربة موجعة للقانون الدولي".

وبعد تذكير الصحيفة بالموقف الأمريكي الجديد من المستوطنات والذي عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي بداية هذا الأسبوع والمتمثّل في أن "إنشاء مستوطنات للمدنيين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية في حد ذاته لا ينتهك القانون الدولي"، و"القول بأن إنشاء المستوطنات مخالف للقانون الدولي لم يـأت بنتيجة. ولم يساعد في تحقيق السلام.. وأن المشكل معقّد ولا حلّ إلا عبر التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين". هذا الموقف عالجته الصحيفة من خلال إجراء حوار مع مارسيلو كوهين، أستاذ القانون الدولي بالمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية، الذي أكّد بأنه "لا وجود لأي خلاف في أن المستوطنات الإسرائيلية في أراضي الضفة الغربية تمثل انتهاكا للقانون الدولي. وهذا هو موقف محكمة العدل الدولية، وموقف مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، .. وكان هذا هو موقف الولايات المتحدة قبل الموقف الأخير للخارجية الأمريكية". 

الخبير السويسري يضيف: "سيطرت إسرائيل على القدس الشرقية وعلى الضفة الغربية خلال حرب 1967. ووفقا للقانون الدولي، فإن "هذه المناطق هي أراض محتلة. والقوة المحتلّة ليس لها الحق في نقل مواطنيها إلى هذه الأراضي المحتلة. في المقابل يضمن القانون الدولي للشعب الفلسطيني حق التصرّف في هذه الأراضي. وهو ما نسميه حق تقرير المصير". كوهين خلص بالتالي إلى أن "المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة غير قانونية".

مارسيلو كوهين يردّ على الادعاء الأمريكي بأنه لا يجب التمسك بموقف القانون الدولي، لأنه لم يساعد في الماضي على تحقيق السلام أو حل مشكلة الشرق الأوسط بالقول: "لماذا لم يسأل الوزير الأمريكي نفسه: ما الذي جعل القانون الدولي غير مُجد؟ والجواب: لأن الدولة التي تنتهكه لا تريد تنفيذ نصوصه وأحكامه: ليس هناك أغرب من القول: لا يجب التمسّك بالعدالة لأن السارق يرفض اعتبار السرقة جريمة أو مخالفة قانونية".

قانون الغاب عوضا عن القانون الدولي    

بالنسبة لصحيفة "لا ليبرتي"، فإن الموقف الأمريكي الجديد من قضية المستوطنات "لن يغيّر شيئا في الواقع مادامت إسرائيل لا تحترم أحكام القانون الدولي من الأصل، وهذا كان سلوك كل الحكومات الإسرائيلية منذ عام 1967".

ولكن رغم قول وزير الخارجية الأمريكية بأن موقف إدارته الأخير من المستوطنات لا يُعدّ مصادرة على "الوضع النهائي للضفة الغربية"، فإن هذا الموقف "لا يمكن إلا أن يفهم على أنه انتصار لموقف اليمين الإسرائيلي الذي يريد إلحاق المستوطنات هناك بالدولة العبرية. وقد سبق بالفعل أن ساندت الإدارة الامريكية هذا الطرح على لسان سفيرها هناك في شهر يونيو الماضي"، تضيف الصحيفة السويسرية.

على الجانب الفلسطيني يضيف صاحب المقال: "الضربات المتكررة التي تلقاها الفلسطينيون من إدارة ترامب لم تمنعهم من التعبير عن رفضهم لهذا الموقف الأخير ضمن العديد من القرارات الأمريكية التي يرون أنها تنال من حقوقهم التاريخية في القدس وفي الضفة الغربية وفي دولة مستقلة. واستشهد المقال برد فعل حنان عشراوي التي قالت: "إن تكرار القرارات (الجائرة) للإدارة الأمريكية لا يجعل القرار الأخير أقلّ صدمة وخيبة"، قبل أن تضيف "ليس للولايات المتحدة الأمريكية لا الحق ولا الأهلية لإعادة صياغة وكتابة القانون الدولي، وفق اتجاهاتها الأيديولوجية الغريبة". أما صائب عريقات فشدّد على أن "الاستيطان يُعتبر جريمة حرب بحسب اتفاقية روما".

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة