تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المُتغيرات الإقليمية عجّلت بالخطوة دول الخليج تُــعــاودُ فتْح خطوط الإتِّصال مع بغداد وطهران

صورة من الأرشيف التقطت يوم 24 سبتمبر 2013 لوزراء النفط والطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي قُبيل بدء اجتماع عقدوه في مدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية. 

(Keystone)

ما انفكّت المؤشرات تتلاحق، منذ الاجتماع الوزاري الأخير لمجلس التعاون الخليجي، مؤكِّدة ظهور "مناخ جديد" في العلاقات العراقية - الخليجية والإيرانية - الخليجية.

والأرجُح، أن علامات التغيير هذه تصبّ في اتجاه الإعداد الجيد للقمّة السنوية لمجلس التعاون (يضم السعودية وعُمان والكويت وقطر والإمارات والبحرين)، التي تستضيفها الدوحة، والتي تحرص على ما يبدو على أن تكرّس عودة الوِئام بين الأعضاء، بعد قمة عاصفة في السنة الماضية انتهت إلى سحب سفراء السعودية والبحرين والإمارات من قطر.

في الأثناء، لوحظ أن أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني زار السعودية مؤخّرا، ولئن لم يرشح شيء عن اجتماعه مع الملك عبد الله بن عبد العزيز، فالثابت أن محوره الأساسي تركّز على كيفية تصفية الأجواء بين العواصم الخليجية، بالإضافة للتشاور في شأن تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة والتطورات الجارية في العراق على الواجهتين، السياسية والعسكرية. ولم يمض على تلك الزيارة أسبوع واحد حتى زار وزير الحرس الوطني السعودي الأمير متعب بن عبد العزيز (وهو نجل الملك) الدوحة، ولم يرشح شيئا أيضا عن مضمون الزيارة ولا عن فحوى المحادثات التي أجراها مع أمير قطر، لكن الأرجح أن كل الاتصالات تصبّ في إطار ترطيب الأجواء الخليجية.

وفي تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch، قال الدكتور محجوب الزويري، الخبير في العلاقات الخليجية والشؤون الإيرانية: "إن مؤتمر القمة الخليجي المقبل سيلتئِم في الدوحة، ما يجعل قطر حريصة على انعقاده في ظروف طبيعية أو بأقل ما يمكن من عناصر التوتّر. ومن هنا، فإن زيارة أمير قطر للسعودية وعُمان والتواصل مع الكويت، يدلاّن على وجود محاولات لترطيب الأجواء قبل القمة".

عنصران رئيسيان

ويعتقد الدكتور محجوب الزويري، الخبير في العلاقات الخليجية والشؤون الإيرانية، أن تكريس التقارب بين العواصم الخليجية يتوقّف على عنصريْن رئيسيين، هما مدى تحقيق هدنة في أزمة غزة ومحاولة تبريد الأجواء على هذا الصعيد، وتفاعلات صحة السلطان قابوس بن سعيد، سلطان عُمان. واعتبر في حديث خاص لـ swissinfo.ch أن الاتصالات التي تمّت هي محاولة لحل الإشكالات القائمة والوصول إلى تفاهمات بشكل تمهيدي، من أجل الانتقال إلى تفاهمات أخرى أكبر لاحقا.

وقال إنه لا يتوقع انفراجا كبيرا، وإنما ترطيبا تدريجيا للأجواء، مؤكِّدا أن "موضوع غزة سيؤثر في المناخ العام، بسبب وجود أطراف خارجية (أساسا الولايات المتحدة) تلعب دورا سلبيا في الأزمة، ولذا علينا أن ننتظر لنرى كيف ستلقي بظلالها على العلاقات السعودية - الإماراتية وعلى المسار العام في المنطقة برمتها".

وكانت السعودية دعت للاجتماع الذي عقدته منظمة التعاون الإسلاميرابط خارجي مؤخرا في جدّة، خُصِّص لاتخاذ موقف إسلامي متضامن مع غزة، لتكثيف الضغوط الدولية على إسرائيل لوقف الحرب على غزة. كما لوحظ أن اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون حول غزة، الذي حضره وزير الخارجية القطري خالد العطية، بعث برسالة إلى بغداد من خلال الترحيب بترشيح حيدر العبادي لرئاسة وزراء العراق، ما اعتبره المراقبون "تعبيرا عن الارتياح لعدم ترشيح رئيس الوزراء المتخلّي نوري المالكي لهذا المنصب، والذي لم تكن أي عاصمة خليجية راضية عنه.

وفي هذا السياق، يأتي الحديث الذي أدلى به الرئيس العراقي الجديد فؤاد معصوم إلى صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية بعد فترة قصيرة من انتخابه، والذي قال فيه "إن التأييد الذي حصلنا عليه من خلال برقيات الدعم، لاسيما من المملكة العربية السعودية، سيشكِّل أرضية جيدة للتواصل وتقوية تلك العلاقات، لأنني أرى أن هناك ترابطا جدليا بين العراق ودول الخليج، ونودّ أن تكون علاقات العراق مع المملكة تحديدا، علاقات متينة ودائمة ومتطوّرة، وسنعمل على ذلك في القريب العاجل".
ولما سُئل معصوم عن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، رد بأنه سيقوم باتصالات ومبادرات، مؤكدا أن "لقاءات ستجري بين مسؤولين عراقيين وسعوديين في جميع المستويات، على هامش انعقاد دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر المقبل"، مشيرا في الوقت نفسه إلى وجود "خطر مشترك، هو خطر الإرهاب وما بات يمثله تنظيم "داعش" من خطر على الجميع يستوجب التنسيق على جميع المستويات".

وفي هذا السياق، أكدت مصادر غربية أن ثلاث دول أوروبية، هي ألمانيا والنمسا وفرنسا، تتصدر كُتلة في الاتحاد الأوروبي، تسعى لكسب السعودية وإيران وعدد من البلدان العربية إلى تحالف دولي لدعم العراق ضد الجماعات الإرهابية، وخاصة جبهة النصرة، لاسيما في أعقاب تنحّي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.

ما بعد المالكي

ويرى الدكتور الزويري أن هناك عنصرا جغرافيا - استراتيجيا جديدا يتمحور حول ذهاب المالكي. فخروجه من سدة الحكم، يُعد نصرا مؤقتا ومصدر راحة للدول الخليجية، غير أن هذا التغيير لا يعني أن القيادة الجديدة ستقوم بتغييرات كبيرة ومراجعات للخيارات السياسية السابقة. وأضاف في حديثه لـ swissinfo.ch محلِّلا خلفيات الموقف الخليجي من التطورات الجارية في العراق "طبعا هناك خوف من (داعش)، غير أنهم لا يعتقدون أن هناك تهديدا مباشرا لهم. الخوف هو من تمدد هذا التنظيم إلى دول الجوار، ولذلك، فما حصل في العراق هو انفراج مؤقت، لكن الجميع يضع يده على قلبه، لأن السؤال الذي يتبادر إلى ذهننا جميعا، هو مدى قدرة رئيس الوزراء الجديد (حيدر العبادي) على السيطرة على الوضع، خاصة أننا دخلنا إلى مرحلة جديدة، أحد عناوينها وقف سياسة اجتثاث البعث التي أرساها بول بريمر. لكن لا أعتقد أنه (العبادي) قادر على أن يغير شيئا كثيرا في ظل التركيبة السياسية للنظام. فهناك مشكلة في أركان النظام القائم في العراق، وما لم تُعالج هذه المشكلة، فلا حلا في الأفق، تماما كما هو الحال في لبنان. فالبلد "ماشي"، رغم عدم وجود رئيس على قمة هرم الدولة. وعليه تكمُن المشكلة في بنية النظام، لكن للأسف يُنظر إليها من زاوية شخصية على أنها مشكلة مع المالكي".

هناك مشكلة في أركان النظام القائم في العراق وما لم تُعالج هذه المشكلة فلا حلّ في الأفق

د. محجوب الزويري

نهاية الإقتباس

هذا عن مُتغيرات المشهد الخليجي الراهن من زاوية العلاقة مع العراق، أما من جهة العلاقة مع طهران، فيمكن القول أن أهم مستجدّين هما زيارة أمير الكويت لطهران وزيارة وزير الخارجية الإيراني ظريف لسلطنة عُـمان. وكانت زيارة أمير الكويت الشيخ صباح الجابر الصباح لإيران مهمة ولافتة، إذ رحّب بنتائجها المجلس الوزاري الخليجي ووصفها بـ "التاريخية"، معبِّـرا عن تطلّع دول الخليج إلى أن يكون أثرها إيجابيا في العلاقات مع طهران. وما زاد من أهميتها أن أمير الكويت هو رئيس الدورة الحالية لمجلس التعاون الخليجي، وقد طالب وزير الخارجية الكويتي من جهته بـ "ترجمة التوجهات الإيرانية إلى واقع إيجابي، لإزالة أسباب التوتر بين دول المنطقة"، مشددا على "أهمية معالجة القضايا التي تبعث على القلق على صعيد العلاقات بين دول المجلس (الخليجي) وإيران".

مصالح قومية

غير أن الدكتور الزويري أكّد أن لدى الدول الخليجية تصوّرات للمصلحة القومية، مُذكرا بأن الكويت كانت في فترة قريبة مسرحا لنشاط شيعي في بعض وسائل الإعلام والأوساط الاجتماعية، وبالتالي، فزيارة أمير الكويت لطهران كانت نوعا من الرسالة، ليقول إن بلاده لا تريد لهذه الأمور أن تحدث، حتى تبقى العلاقات طبيعية والكفّ عن محاولة لعب دور في المجتمع الكويتي.

أما الهدف الثاني للزيارة، بحسب الدكتور الزويري، فهو تنويع العلاقات، إذ أن علاقات الكويت بالسعودية وقطر جيّدة وبالإمارات متوسطة، وهي تسعى للتوسيع، خاصة أن الكويت تتأثر طبعا بالوضع العراقي. وما من شك في أن رحيل المالكي لم يكن ممكنا، لو لم ترفع عنه طهران الغطاء.

أما زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لسلطنة عُـمان في مطلع الشهر الجاري، فكان هدفها المُعلَن هو المشاركة في اجتماع مع أطراف "اتفاقية عشق أباد"، التي تخص إقامة محور دولي للنقل عبْر آسيا، لكنه نقل رسالة من الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى السلطان قابوس حول العلاقات الثنائية والوضع الإقليمي، غير أن الدكتور الزويري قال لـ swissinfo.ch إن الهدف من الزيارة هو الاطّلاع على صحة السلطان الذي تربطه علاقات متينة بطهران. فعُمان تعتمد على الغاز الإيراني والجانب الإيراني يريد إدامة العلاقات المتميزة مع عُمان إلى أبعد حدٍّ مُمكن وإبقاء الخطوط موصولة معها.

قُصارى القول أن التفاعل الموحد والسريع لدول مجلس التعاون الخليجي مع تطورات الأحداث في العراق والموقف الجماعي الدّاعم للدور المصري في الوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو موقف شاركت قطر في صياغته، يؤشِّران إلى مصالحة قد يُثبتها الاجتماع الوزاري المقرّر في مطلع شهر سبتمبر المقبل.

وذهب بعض المراقبين إلى القول بأن الرياض أصبحت تأمل في استعادة قطر دورها الكامل ضمن المجموعة الخليجية، حتى لو حافظت الدوحة على علاقاتها مع الإخوان المسلمين. وتوقّع هؤلاء أن يتم في المجلس الوزاري المقبل، الإعلان عن استئناف العلاقات الطبيعية بين جميع دول مجلس التعاون، بما فيها عودة سفراء السعودية والإمارات والبحرين إلى الدوحة. واستطرادا، يتوقع البعض حدوث انفراج في العلاقات بين مصر وقطر، خاصة بعد تراجع حدة الحملات الإعلامية المصرية في الآونة الأخيرة ضد الدوحة.  

×