إضرابٌ عام بــ "نُكهة المرحلة" في المغرب

تراوحت نسبة المشاركة العمالية في الإضراب العام الذي شهده المغرب يوم 29 أكتوبر 2014 ما بين 83.7% (حسب النقابات) و42% (حسب الحكومة). null

أكد إضراب يوم 29 أكتوبر 2014، السِّمات الرئيسية للمشهد السياسي المغربي والمستوى الذي وصل إليه الفاعلون فيه، من أحزاب ونقابات، ومدى مصداقية كل طرف منهم وحجم تأثيرهم بصناعة القرارات الإستراتيجية ومستقبل البلاد، التي عرفت في العقود الماضية، إضرابات عامة، أحيانا دموية، لكنها شكّلت مُنعطَفا في تاريخ البلاد، ومع أنها عبّرت حينها عن مصالح فئات اجتماعية، إلا أنها شكلت تعبيرا مكثّفا عن المواجهة السياسة بين الدولة ومعارضيها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 نوفمبر 2014 - 16:45 يوليو,
محمود معروف - الرباط

الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات العمالية (شملت الإتحاد المغربي للشغل والكنفدرالية الديمقراطية للشغل والفدرالية الديمقراطية للشغل) ولقيت دعما من أحزاب المعارضة، كان موجَّها ضد حكومة عبد الإله بن كيران وحزب العدالة والتنمية وسياسته الإقتصادية والإجتماعية، في وقت يُدرك فيه الدّاعون للإضراب ومساندوهم، محدودية دور الحكومة في تقرير هذه السياسات واقتصار دورها على الإعلان عنها وتنفيذها.

الدّاعون لإضراب 29 أكتوبر حدّدوا هدفه بـ "إثارة انتباه الحكومة إلى ما تعانيه الطبقة العاملة وعموم الأجَـراء من مشاكل وقضايا تستوجِب الإسراع بمعالجتها والتفاوض حولها". ومن بين هذه القضايا، إصلاح منظومة التقاعد ورفع أسعار عدد من السلع والمواد الإستهلاكية، "التي لا تتجاوب مع مطالبهم وتصرّ على أن يؤدّي الموظف البسيط لوحده تكلفة إصلاح التقاعد" ونهج سياسة "تفقير" المواطن.

الحكومة تُصرّ على "إصلاح شمولي"

الحكومة التي تعتبر أن الإضراب غير مبرّر وغير مفهوم، لأنها لم تتّخذ قراراً نهائياً حول إصلاح منظومة التقاعد وإحالته على المجلس الوطني الإقتصادي والإجتماعي والبيئي، كي تتحاور بعده مع النقابات، أكدت تمسّكها بإصلاح المنظومة، لأن عدم إصلاحها سيؤدّي إلى التوقّف عن أداء المعاشات المدنية في سنة 2021 أو الإضطرار الإجباري إلى رفع كبير في قيمة الإقتطاعات لفائدة المعاشات في سنة 2018، مما يجعل إنجاز هذا الإصلاح مسألة مستعجلة لا تتحمل أي تأخير.

وتقدّم الحكومة حصيلة سياستها الإقتصادية والإجتماعية بزيادة الحد الأدنى للأجور وجعله 3 آلاف درهم (350 دولار)، وعدم زيادة ثمن الخبز، تخفيض أثمنة 1500 دواء، رفع المعاشات الدنيا، الزيادة في مِنح الطلبة، إحداث صندوق التعويض عن فقدان الشغل، إلغاء شرط 3240 يوم عمل للإستفادة من المعاش، بدء نظام المساعدة الطبية، انخفاض نسبة العجز إلى 5,5 بالمائة وخلق 114 ألف منصِبِ شغل جديد.

وتقول الحكومة إنها تشتغل بمنطق "الإصلاح الشمولي"، ولا تؤمن بـ "سياسة النعامة"، كي تترك مشكل التقاعد للحكومة المُقبلة، معترفة بمجموعة من الإختلالات التي لا زالت تُعاني منها الطبقة الشغيلة، منها وجود نسبة كبيرة من الموظفين في القطاع الخاص الغيْر مُسجّلين في صندوق الضمان الاجتماعي، وغلاء أسعار الكهرباء وصعوبة الوضع المعيشي.

خلاف حول نسبة المشاركة في الإضراب

من جهتها، قالت النقابات إن الطبقة العاملة المغربية نفّذت بمسؤولية وحماس ووعْي، قرار الإضراب الوطني العام. ورغم بعض الإستفزازات الإدارية ومحاولات تغليط الرأي العام الوطني والعمّالي من طرف جهات حكومية في محاولات يائسة منها لعرقلة الإضراب، فقد فاقت مشاركة الطبقة العاملة وعموم المأجورين في هذا الإضراب النقابي العمالي كل التوقعات، وبلغت بنسبة 83,7 بالمائة فيما أعلنت الحكومة أن نسبة المشاركة في الإضراب تتراوح ما بين 40 و42 بالمائة. ومن جانبها، أبرزت وزارة الداخلية أن الإضراب لم يسجّل حوادث عنف، مُـنوِّهة بدور النقابات في تأطير العمال، ومؤكدة أن أجهزتها التزمت الحياد وتركت للمواطنين حرية الإنخراط في الإضراب من عدمه.

الإختلاف حول نسبة المشاركة في الإضراب العام يُعبّر عن البُعد السياسي للإضراب العام، الذي كان محل اهتمام كل المحلِّلين والمراقبين، بعد أن غابت لغة الحوار الموضوعي بين حكومة بن كيران ومعارضيها، وهو بُعدٌ تأكد بدخول النقابة العمالية التابعة لجماعة العدل والإحسان، شبه المحظورة، أقوى التيارات ذات المرجعية الإسلامية في البلاد، التي حددت لنفسها هدفا مختلفا عن أهداف بقية الدّاعين للإضراب "لأنّنا ببساطة نعتبر أنّ المشكل أكبر من الحكومة، بل يتعلّق بنظام حُكم مستبدّ ومخزن عتيق"، مثلما يقول فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم الجماعة مضيفا بأن "سقوط الحكومات دون طموح جماعة العدل والإحسان، لأنّ الحكومة اللاّحقة لن تكون أفضل من الحالية في ظل الشروط السياسية والدستورية الحالية"، حسب قوله.

ويوضِّح أرسلان في تصريحات لـ swissinfo.ch أن دعم الجماعة للإضراب "يأتي بعد تزايُد سياسة التفقير التي تنهجها الجهات الحاكمة، وعلى عقلاء المغرب التخلّي عن اTنحباس في المسارات الخاصة والتنادي إلى مشروع جماعي وطني ينعطِف نحو الأفضل ويَقِينا الكارثة". فالإضراب "تعبير منطِقي عن غضب فئات وشرائح الشعب المختلفة من سياسة الدولة، التي تنحو أكثر فأكثر نحو التخلّي عن أدوارها الاجتماعية الطبيعية تجاه المواطنين، مقابل التمكين للفساد المالي والإداري والسياسي، وهو ما ينعكس تفقيرا وتكديرا لعيش المغاربة"، على حد رأيه.

في المقابل، قال عبد العلي حامي الدين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، في حديث مع swissinfo.ch: "بكل تأكيد، كان الحضور السياسي طاغيا في الإضراب، حيث بادرت إلى إعلانه 3 نقابات، لكن أيَّدته أحزاب المعارضة، بالإضافة إلى النقابات التابعة أو المقرّبة منها، بالإضافة إلى جماعة العدل والإحسان التي لا يجمعها رابط مع تلك الأحزاب، وهو ما يعني أن كل طرف كانت له حِسابات سياسية معيَّنة تتجاوَز الاعتبارات النقابية والمطلبية. لذلك، اختلطت فيه المطالب النقابية المشروعة بالمزايدات السياسية لبعض الأحزاب وبمحاولة خلط الأوراق من طرف قِوى سياسية أخرى، لا يجمع بينها رابط فِكري ولا سياسي".

ويذهب حامي الدين إلى أن "جماعة العدل والإحسان وبعض المجموعات السياسية الراديكالية من توجّهات سياسية مختلفة، لا تعرف ماذا تريد، وفشلت في التموقع في الخيار الثوري، كما فشلت في التحوّل إلى أحزاب تتبنّى الإصلاح في إطار الممكن، ولذلك فهي تجد نفسها مُنخرطة في أجندة خيارات سياسية أخرى، لا مشروع لها سوى التحكّم والفساد لملْء الفراغ الفِكري والسياسي الذي تعيشه"، على حد قوله.

حامي الدين ينفي أيضا أن تكون الإجراءات الإقتصادية التي اتّخذتها الحكومة، تشكِّل تهديدا للقدرة الشرائية للمواطن المغربي وقال: "بدون شك، ستنعكس بعض الإصلاحات مرحليا على بعض المواطنين. فإصلاح أنظمة المعاشات المدنية المدبّر من طرف الصندوق المغربي للتقاعد، يمرّ عبْر عدة إجراءات، من بينها الرفع من نسبة الاقتطاع الشهري للموظف، وهو يؤثر ـ نسبيا ـ في القدرة الشرائية للموظفين، لكنه يضمن لهم معاشا محترما بعد فترة التقاعد، لهم وللأجيال القادمة. أما بقاء الأمر على ما هو عليه، فهو يعني حِرمان الموظفين الذين سيخرجون للتقاعد سنة 2021 من حقّهم في المعاش، كما أن إصلاح صندوق دعم المواد الأولية والمحروقات يمُر عبْر التحرير المُتدرج لأسعار المحروقات، لتتناسب مع السعر العالمي، وهو ما يعني أن المواطن سيتحمّل جزءا من تكلفة هذا الإصلاح. بالمقابل، تتمكّن الدولة من ربح مليارات الدراهم وتحويلها إلى الجانب الاجتماعي وإلى الاستثمار".

وقال حامي الدين لـ swissinfo.ch: "ليس صحيحا أن سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية تنتج تفقير الفقراء واغتناء الأغنياء"، وأضاف "إصلاح صندوق المقاصة (أو صندوق الدعم)، وخاصة رفع الدعم عن المحروقات، ينعكس على الأغنياء أكثر من الفقراء، ذلك أن المَعامِل والشركات الكُبرى، تستفيد أكثر من الأفراد من المحروقات المدعمة والسكّر المدعم وغيره".

وحول عجز الحكومة عن جباية الضرائب واسترداد الأموال المهربة، أوضح أن "هذا موضوع مُعقَّد ووصلت الخزينة العامة إلى جباية أكثر من 180 مليار درهم سنويا من الضرائب، مع تسجيل عدد من حالات التهرّب الضريبي وضعف المتابعة والمراقبة".

ويستبعد عبد العلي حامي الدين أن يكون المغرب مُقبِلا على أزمة اقتصادية تُهدّد الأمن الإقتصادي واللإتماعي وقال: "لا أعتقد بأن البلاد تمرّ بأزمة اقتصادية، هناك صعوبات بالتأكيد، لكن ليس إلى درجة وصفها بالأزمة.. وأعتقد بأن المغرب شيئا فشيئا سيجتاز هذه الصعوبات، وقد بدأت مؤشرات تظهر من خلال تحسّن ترتيب المغرب في عدد من المجالات".

إضراب عام بنكهة المرحلة...

"حق الإضراب مضمون، ويحدّد قانونٌ تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته"، هذا ما ينص عليه الدستور المغربي، دون أن يصدر حتى الآن قانون يُفصل كيفية تنظيم وممارسة هذا الحق. وفي هذا الصدد، يوضح المسؤول بحزب العدالة والتنمية أن "أطرافا نقابية عارضت دائما إمكانية التوافق مع الحكومة حول مُقتضيات قانون تنظيمي للإضراب ودون أن تنفي مشروعية الإضراب انعكاساته السلبية والأضرار التي يخلِّفها في حق الاقتصاد الوطني، خاصة عندما يتم الحديث عن إضراب عام، وهو ما ينعكِس على المواطن في النهاية".

هذه الإجراءات قد تكون مُؤلمة مرحليا، لكنها ستنعكِس إيجابيا على المواطن على المدى المتوسط والبعيد

عبد العلي حامي الدين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية

End of insertion

كانت الأنظار تتجه نحو حزب العدالة والتنمية ونقابته الاتحاد الوطني للشغل، التي كان موقفها متردّدا، إلا أن حامي الدين يقول "كان موقف الاتحاد الوطني للشغل واضحا وأصدر بيانا باسم مكتبه الوطني، اعتبر فيه أنه غير معني بالإضراب العام، لكن حصل أن أحد تنظيماته القطاعية، وهي الجامعة الوطنية للصحة، أصدرت بيانا مساندا للإضراب، وهو ما خلق هذا الإلتباس". مؤكِّدا أن حزب العدالة والتنمية "لن يدفع ثمن الإجراءات (اللاشعبية) التي تتّخذها الحكومة".

وقال حامي الدين لـ swissinfo.ch: "أنا أثق في ذكاء المواطن المغربي، وهناك وعْي مُتنامٍ بأن هذه الإجراءات قد تكون مُؤلمة مرحليا، لكنها ستنعكِس إيجابيا على المواطن على المدى المتوسط والبعيد. فما حصلته الدولة من وراء إجراءات المقايسة وبعض الإصلاحات المتعلقة بالمقاصة، ربحت معه الدولة حوالي 23 مليار خلال السنة المنصرمة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على إجراءات اجتماعية محضة: الرفع من منحة الطلبة ونسبة المستفيدين منهم، تخصيص الدعم المباشر لأزيد من 300 ألف أرملة، الزيادة في ميزانية الإستثمار. فبعيدا عن التشويش الإعلامي، أعتقد بأن المواطن سيُدرك قيمة هذه الإصلاحات، حينما سيرى انعكاساتها المباشرة على الاقتصاد الوطني".

إذا كان إضراب 29 أكتوبر يختلف عن الإضرابات العامة التي شهدها المغرب مند ستينيات القرن الماضي، التي كانت تقترن بمواجهات دموية تعقبها أزمات سياسية، فإنه كان إضرابا عاما اتسم بنكْهة المرحلة وبضبابية المواقف وترافق مع هبوط حاد بمستوى الحوار وببُعد سياسي أو سياسوي، ولكن دون أن يكون له أثر سياسي يُذكر. 

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة