جهود سويسرية لحماية التحويلات المالية للمهاجرين

محل لإرسال وتلقي الحوالات المالية في مدينة سان مارتن جيلوتبيك في جمهورية غواتيمالا. Copyright 2019 The Associated Press. All Rights Reserved

تقدر قيمة التحويلات المالية الدولية بثلاثة أضعاف إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية على الصعيد العالمي، لكن جائحة كوفيد - 19 أدت إلى تراجعها. وفيما تحث سويسرا والمملكة المتحدة دول العالم على الحيلولة دون انهيارها، كيف يُواجه الفاعلون الرئيسيون في هذا القطاع هذا التحدي الضخم؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 يوليو 2020 - 11:00 يوليو,
أندريا أورنيلاس

بدون صخب وبفضل ما تتسم به من استمرارية، سمحت التحويلات المالية الدولية بتحقيق ما فشلت الحكومات في القيام به، أي التخفيف تدريجياً من ظاهرة الفقر. فالأموال التي يُرسلها المهاجرون إلى بلدانهم الأصلية تُوفر الغذاء للعائلات، وتُشيّد المنازل والمدارس، وتبعث الشركات والمحلات التجارية وتسمح بالتخفيف من حدة التفاوت المتفاقم في العالم. لكن الجائحة الناجمة عن فيروس كورونا المستجد قد تؤدي إلى تغيير الأوضاع بشكل جذري.

في تصريحات لـ swissinfo.ch، تقول إليزا رادجي، المتحدثة باسم وزارة الخارجية السويسرية: "في الأزمات السابقة، كانت التحويلات عاملاً مُساعدا على مواجهة التقلبات الدورية وضمان الاستقرار، لكن هذا لن يحدث هذه المرة، وقد يكون لانخفاض هائل مُرتقبٍ في عام 2020 تأثير كبير للغاية".

رادجي ذكّرت بأن هذه التحويلات المالية حيوية لمئات الملايين من الناس في شتى أنحاء العالم، إلا أنه من المحتمل أن تنخفض قيمتها هذا العام بنسبة 20% وفقًا لتوقعات البنك الدولي، مما سيحرم أشدّ البلدان احتياجًا من 110 مليار دولار، وهو "ما من شأنه أن يُسبّب صعوبات للعديد من العائلات والمجتمعات، ويولد أثراً سلبياً على الاقتصاد الكلي للدول النامية والناشئة، بالإضافة إلى المزيد من (النزوع إلى) الهجرة"، على حد قولها.

تجنّد سويسري لدعم إرسال التحويلات

في أواخر شهر مايو 2020، وجّهت حكومتا سويسرا والمملكة المتحدة مناشدة إلى العالم للحيلولة دون انهيار هذه الأموال. وقد لقي المقترح قبولاً جيّدًا من قبل منظمات مثل البنك الدولي وبلدان مثل مصر والمكسيك وباكستان والسلفادور وإكوادور ونيجيريا وجامايكا والأردن ورواندا وتركيا أو بنما.

لكن التحدي المتمثل في الإبقاء على قيمة التحويلات قريبة قدر الإمكان من مبلغ 554 مليار دولار الذي وصلت إليه في عام 2019 - وهو مستوى مرتفع تاريخيًا - يظل هائلا.

فعند إصدار هذا الإعلان، قال وزير الخارجية السويسري إينياتسيو كاسيس: "دعونا نزيل الحواجز القائمة! إن التحويلات مهمة، وأثناء الجائحة أصبح من الصعب إرسالها. إن التقنيات الجديدة يُمكن أن تساعدنا".

يبقى أن الوصول إلى تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد النوايا الحسنة.

محتويات خارجية

سويسرا ضمن الخمس الأوائل

على الرغم من قلة المعلومات المتوفرة، فإن سويسرا هي واحدة من أكبر خمسة بلدان مُرسلة للتحويلات في العالم.

"وفقًا لميزان مدفوعات صندوق النقد الدولي، أُرسلت من سويسرا تحويلات بقيمة 27.1 مليار دولار في عام 2019. وتأتي هذه التدفقات المالية من الأجور التي يتقاضاها العمال غير المُقيمين [في سويسرا] من فرنسا وألمانيا وإيطاليا من ضمن بلدان أخرى"، كما يؤكد بيار آلان التشينغر، المتحدث باسم وزارة الخارجية السويسرية.

ويضيف التشينغر: "علاوة على ذلك، يوجد في سويسرا عدد كبير من المهاجرين الذين أرسلوا تحويلات مالية إلى بلدانهم الأصلية بما يعادل 7.5 مليار فرنك في عام 2019، وفقًا لأرقام المصرف الوطني السويسري".

أما أهم الوجهات الأخرى لهذه الأموال، بالإضافة إلى البلدان المجاورة لسويسرا، فهي إسبانيا وكوسوفو وبلجيكا والبرتغال والنمسا وصربيا والمجر.

End of insertion

شروط لا غنى عنها

يقول ديليب راتا، كبير الاقتصاديين في مجموعة الهجرة والتحويلات بالبنك الدولي ومدير "شراكة المعرفة العالمية بشأن الهجرة والتنمية" التي تُعرف اختصارا بـ "KNOMAD"، وهي مجموعة تفكير حول التحويلات المالية والهجرة على ارتباط بمؤسسة بريتون وودز في واشنطن: "إن وقف انخفاض التحويلات المالية الدولية يتطلب دعم ثلاثة أطراف فاعلة رئيسية: أصحاب القرار السياسي والجهات التنظيمية وشركات تحويل الأموال".

وقال في تصريحات لـ swissinfo.ch: "يجب على أصحاب القرار السياسي أن يتعاملوا مع التحويلات المالية على اعتبار أنها خدمة مالية أساسية وأن يدعموا الإجراءات التي تساعد على إرسال الأموال من خلال التشجيع على تطوير قنوات رقمية لهذه التحويلات".

أهمية التحويلات المالية للمهاجرين

يعمل 75٪ من المهاجرين في العالم في بلدان سُجّلت فيها ثلاثة أرباع حالات الإصابة بوباء كوفيد - 19.

سنويا، يتم إرسال 90٪ من إجمالي التحويلات المالية من هذه الدول.

في عام 2019، بلغت القيمة الإجمالية لهذه التحويلات 554 مليار دولار.

في عام 2020، من المحتمل أن تنخفض قيمة التحويلات إلى 110 مليار دولار.

يبلغ إجمالي الموارد المالية المُخصّصة للمساعدات الإنمائية حصراً 152.8 مليار دولار.

(المصدر: مجموعة التفكير "KNOMAD" والبنك الدولي)

End of insertion

ويضيف راتا: "يجب على الهيئات التنظيمية أن تحث المصارف على مواصلة تقديم خدماتها أثناء الجائحة إلى الشركات التي تقوم بإجراء تحويلات مالية، مع التشديد على استخدام تدابير العناية المعقولة للتعرف على هويات عملائها بشكل جيد، وهو أمر مهمّ بشكل خاص لدى استخدام خدمات مالية رقمية".

في الوقت نفسه، يتعيّن على الشركات الموفّرة لخدمات التحويلات المالية أن "تقوم باستكشاف إجراءات (إضافية) لمساعدة المهاجرين [مثل خفض تكاليف التحويلات]، والاستثمار في التدريب والتوعية المالية، وتعزيز منظومات تسمح بتوفير مُنتجات مالية تركز على المهاجرين"، وفقا للمتحدث باسم "KNOMAD".

البلدان الأكثر تضررا

في السياق، تُشير "شراكة المعرفة العالمية بشأن الهجرة والتنمية" ("KNOMAD")، إلى أن البلدان الأكثر تأثراً بانخفاض التحويلات هي طاجيكستان وقيرغيزستان وليسوتو وهايتي ونيبال والسلفادور وهندوراس والجبل الأسود وجنوب السودان وتونغا. وهي بلدان ينتشر فيها غياب وثائق الهوية الرسمية والوعي المالي والوصول إلى التكنولوجيا الحديثة والأمية الرقمية.

أما الخطر فيتمثل - وفقا لمجموعة التفكير "KNOMAD" – في أن يُؤدي ضعف قنوات التحويل الرسمية في الأوقات الصعبة إلى تعزيز القنوات غير الرسمية، وهذا ليس بالأمر المُحبّذ أو المرغوب فيه.

ويوضح راتا أن "قنوات التحويل غير الرسمية تسمح – بشكل أساسي - بتحويل الأموال خارج القنوات المالية والمصرفية المنظمة، أو بشكل مُوازٍ لها".

وغالبًا ما تثير هذه القنوات غير الرسمية مشاكل لمتلقي الأموال مثل أسعار الصرف غير المواتية أو خسارة مبالغ لدى انتقالها من يد إلى أخرى.

في الأثناء، يؤكد مدير مجموعة "KNOMAD" أن "إرسال أموالٍ يدا بيد، من خلال أصدقاء وأفراد من العائلة وعبر مكتب البريد والتجار، لا يزال مستمراً بشكل مُدهش لدى القيام بتحويل أموال في العالم أجمع، وليس فقط في البلدان الأكثر فقراً".

كساد مرتقب

نتيجة لجائحة كوفيد – 19، سينكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 3٪، وفقًا لصندوق النقد الدولي. وهو ما سيكون معادلا - من الناحية النظرية – لاختفاء اقتصادات اليابان وألمانيا.

سيكون التأثير مختلفًا حسب المناطق. ففي اقتصاديات البلدان المتقدمة، سينخفض الناتج المحلي الإجمالي بمتوسط 6.1٪ في عام 2020. أما في البلدان الناشئة والنامية، فسيكون متوسط الانخفاض في حدود 1٪.

أيّا كان الأمر، سيكون العالم بلا ريب في مواجهة أسوإ أزمة يمر بها منذ الكساد الكبير الذي حصل في عام 1929.

End of insertion

تحويلات بتكلفة زهيدة على مدار الساعة

في سياق هذا الجهد العالمي لدعم هذه التحويلات المالية، يظل التزام الشركات المتخصصة في إرسال الحوالات مسألة أساسية. في هذا السياق، تأسست شركة "مونيتو" الناشئة في عام 2015 في لوزان على يد فرانسوا وباسكال بروا، نتيجة اهتمام شخصي لهذين الشقيقين بخفض العمولات المدفوعة لدى إرسال مبالغ مالية إلى خارج البلاد.

منذ سن مبكرة جدًا، قام الأخوان بتقديم الدعم لمنظمة غير حكومية من الكاميرون وواجَهَا مرارًا دفع عمولات مبالغ فيها لدى قيامهما بتحويل أموال. بعد مرور عدة سنوات، وإثر متابعتهما لدراسات في مجال التكنولوجيا المالية والعمل المصرفي، أبرم الشقيقان بروا شراكة مع لوران أوبرهولزر من أجل تأسيس شركة تهدف تحديدا للتقليل من هذه الرّسوم.

من اليسار إلى اليمن: فرانسوا بروا ولوران أوبرهولزر وباسكال بروا. Anouk Ruffieux

ويؤكد فرانسوا بروا، الرئيس التنفيذي لشركة "مونيتو" أن "التحويلات المالية ضرورية دائمًا، ولكنها تتسم بقدر أكبر من الأهمية بسبب الوباء".

في هذا الإطار، يؤيّد بروا محتوى المبادرة السويسرية – البريطانية كما يدعم الرؤية التي عبّرت عنها مجموعة "KNOMAD" بضرورة تنسيق الجهود بين الحكومات والهيئات التنظيمية والشركات حتى لا يتراجع حجم هذه التحويلات المالية هذا العام.

ومن أجل تحقيق ذلك، فإنه من الضروري أيضًا أن يتمكّن المهاجرون الذين يرسلون أموالا من الوصول إلى خدمات الإرسال الرقمي على مدار أيام الأسبوع وساعات اليوم، ويقول: "ويجب أيضًا القيام بعمل تنظيمي لإجبار المصارف وشركات تحويل الأموال على الإفصاح دائمًا عن سعر الصرف الذي يستخدمونه قبل إجراء أيّ معاملة. فهذا يساعد المُستهلكين على فهم التكلفة الحقيقية لتحويلاتهم".

بالنظر إلى أن هذه التحويلات المالية تصل إلى السكان الأشد فقرا وإلى أن سويسرا تعتمد على استخدام التكنولوجيا، فما الذي سيحدث إذا كان المهاجرون أو أسرهم غير مرتبطين بالنظام المصرفي أو محدودي الوصول إلى الأدوات التكنولوجية؟

يُجيب بروا: "أعتقد أن عددًا كبيرًا من المهاجرين لديهم حسابات مصرفية، لكن الأقارب الذين يتم إرسال الأموال إليهم في بلدانهم الأصلية ليسوا كذلك. يجب أن توفر الخدمات الرقمية لتحويل الأموال بدائل ميسّرة ومُربحة تسمح بتجميع الأموال في مكان محدد في بلد المقصد".

عمليا، هذا يعني أنه من المفترض ألاّ يحتاج المُستفيد من الأموال المُرسلة إلى هاتف ذكي حتى يتمكّن من الحصول عليها، ويضيف: "يجب أن يتم إيداع الأموال مباشرة في حسابه المصرفي، أو أن يتسنى تحصيلها لدى وكيل أو استلامها في محفظة جوالة يُمكن استخدامها انطلاقا من هواتف عادية في العديد من البلدان".

بحثًا عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة

اهتمام سويسرا بتيسير إرسال الحوالات ليس بالأمر الطارئ أو المستجد، لكن الجائحة عززته. لذا تؤكد اليزا رادجي، المتحدثة باسم وزارة الخارجية السويسرية أن "مبادرة [حماية التحويلات الدولية] تندرج في سياق التزام طويل الأمد [بدأ منذ 2017] من طرف التعاون الدولي السويسري في مجال الهجرة، لا سيما فيما يتعلق بوصول المهاجرين إلى الخدمات المالية".

في هذا الإطار، تكشف الاحصائيات الدولية بوضوح عن وجود ضرورة لرصّ الصفوف مع سويسرا والمملكة المتحدة في هذا الجهد الرامي لحماية التحويلات المالية. ففي عام 2019، بلغ إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية 152.8 مليار دولار على مستوى العالم، وهو ما لا يمثل سوى ثُـلُـث المبلغ الإجمالي للتحويلات المالية الدولية في كل عام.

عموما، ستواصل سويسرا العمل بنشاط من أجل تحقيق هذا الهدف في الأشهر المقبلة، لأنه لن يجرؤ أحد - في ضوء التوقعات الاقتصادية العالمية - على الاعتراض على أن "الهجرة والتحويلات المالية من طرف المهاجرين مهمة لضمان استقرار اقتصادات الدول ذات الدخل المنخفض، ولكنها ضرورية أيضًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة"، كما تقول رادجي.

مشاركة