تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

عُهدة ثانية تحديات جسيمة وحاسمة أمام الرئيس الموريتاني

موريتانيا

الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز وهو يستعد للإدلاء بصوته في الإنتخابات الرئاسية بالعاصمة نواكشوط يوم 21 يونيو 2014. (AP)

كما كان متوقعا، حسم الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز النزال على كرسي الرئاسة من الشوط الأول من الانتخابات الرئاسية وبنسبة فاقت 81%، وهو تفوق لم يكن مفاجئا، بالنظر إلى حجم المنافسة المتواضعة التي واجهها الرجل، بعد أن قرّرت كبريات أحزاب المعارضة مقاطعة الإنتخابات وعدم الإعتراف بنتائجها.

لكن، بعد هذا الحسم الذي كان يقينيا قبل أن يكون واقعيا، بدأت الأنظار تتّجه إلى المستقبل لرصد التحديات الكبرى التي ستواجه الرئيس الموريتاني في مأموريته الثانية والأخيرة دستوريا، وفي مقدّمتها قضايا الوحدة الوطنية، والسّلم الأهلي، ونزع فتيل الأزمة السياسية في البلد ووضع حدٍّ للإختلالات الإقتصادية التي تعاني منها موريتانيا.

الاستقطاب العِرقي ودعوة للانفصال

فالرئيس يعود إلى كرسيه الذي لم يغادره، في وقت يعيش البلد على وقع خطابات ذات نزعات عرقية وفئوية غير مسبوقة تهدّد كيانه ووحدته، حيث ما تزال جراح الأحداث العرقية الدامية التي عرفتها موريتانيا نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي ضد الأقلية الإفريقية الزِّنجية، حاضرة في الأذهان، وما تزال الجراح غائرة لم تندمل بعد، خصوصا مع ارتفاع الأصوات المطالبة بعدم إغلاق ملف تلك الأحداث الدامية قبل محاسبة المسؤولين عنها، من العسكريين والمدنيين، وهو أمر يشكل بالنسبة للكثيرين تحديا حقيقيا يهدّد بعودة الإستقطاب العرقي من جديد في أي لحظة. وقد تصاعدت حدة هذا الخطاب الإستقطابي مع عودة قادة حركة تحرير الأفارقة الزنوج في موريتانيا (أفلام) ذات النزعة الراديكالية من المنفى، ورفعهم لمطلب انفصال الجنوب الموريتاني أو منحه حكما ذاتيا، أثناء لقاء صحفي عقدوه في نواكشوط، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلد، واتهاماتهم المتكررة للأغلبية العربية بالاستبداد والإقصائية في مجال تسيير شؤون البلاد.

ورغم مساعي إنهاء مأساة اللاجئين الزنوج الذين أبعدوا إلى السنغال أو هربوا إلى مالي إبّان تلك الأحداث، وإعادتهم ومحاولة التعويض لهم، والإتفاق الذي أبرمتة الحكومة الموريتانية مع بعض المنظمات الممثلة للضحايا وذويهم، لجبر الضرر والتعويض لهم، إلا أن الأصوات ما تزال ترتفع مؤذنة بأن ملف تلك الإنتهاكات لم يُطْوَ حتى الآن، وأن الضحايا ما زالوا يعانون من تبِعات تلك الأحداث.

كابوس العبودية ومخلفاتها

وفي مجال محاربة العبودية ومخلفاتها، كان للخطاب الراديكالي لحركة "إيرا" وزعيمها بيرام ولد الداه ولد عبيد، الحاصل على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التأثير الكبير في أوساط شريحة الأرقاء والأرقاء السابقين (الحَرَاطين)، وانعكس ذلك في الأصوات التي حظي بها بيرام ولد عبيد في الانتخابات الرئاسية الماضية، حيث حلّ في المرتبة الثانية بعد الرئيس محمد ولد عبد العزيز. ويتهم بيرام وزملاءه الدولة ومن ورائها السكان العرب باضطهاد الأرقاء السابقين ومحاولة منعهم من الحصول على حقوقهم القانونية والإقتصادية والإجتماعية، وتعزز هذا الخطاب بحراك آخر تبنته معظم القوى السياسية المعارضة في البلد والعشرات من أطر شريحة الأرقاء السابقين، يعرف باسم "حراك ميثاق الحراطين"، يرفع هو الآخر شعار ترقية شريحة الحراطين ورفع الظلم التاريخي والتهميش عنهم.

ورغم أن الدولة اعتمدت خريطة طريق بالإتفاق مع الأمم المتحدة للقضاء على الرق ومخلفاته، وأنشأت هيئة متخصصة في مساعدة ضحايا تلك الظاهرة وأوساطهم، كما أنشأت محاكم متخصصة في جرائم العبودية التي أدرجت في الدستور الموريتاني كجريمة ضد الإنسانية، إلا أن العمل على أرض الواقع للرفع من مستوى الشريحة التي كانت عرضة للإستعباد، ما زال ينقصه الكثير من الجهد والإرادة السياسية الجادة.

كما ظهرت دعوات أخرى في الفترة الأخيرة تتبنى قضية "المعلمين"، وهم فئة الصناع التقليدين الذين يتهمون المجموعات العرقية الأخرى، خصوصا من باقي مكونات المجموعة العرب باضطهادهم ونبذهم ومعاملتهم بالتمييز السلبي.

ويبقى أمام ولد عبد العزيز أن يسعى لامتصاص هذه النزعات الفئوية عبر محاولة اعتماد نهج تشاركي في الحكم، يجعل جميع الإثنيات والفئات تشعر بالمساواة أمام الدولة بكل تجلياتها، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية، والسعي لجبر ضرر سياسات اجتماعية وممارسات عرفتها البلاد في العقود والحِقب الماضية ألحقت تصدعات خطيرة بنسيج المجتمع ولحمته الوطنية، وكان من نتائجها أن برزت إلى العلن خطابات فئوية راديكالية حملها أصحابها رفضا للظلم والحيف.

الحوار السياسي والإجتماعي

وفي مقدمة تلك الإجراءات التي يتطلع إليها الكثيرون، تنظيم لقاءات وحوارات ذات طابع اجتماعي، وربما أيام تشاورية أو تفكيرية، واعتماد سياسة عدالة انتقالية تنهي حالة الشد والجذب التي يعرفها ملف المصالحة الوطنية، عبر اعتماد سياسة تمييز إيجابي لبعض الفئات لتمكينها من مواكبة مسار بقية فئات المجتمع، وكذلك لتعويض ضحايا القمع العرقي الذين خسر الآلاف منهم وظائفهم وممتلكاتهم، وقتل العشرات منهم بين مدنيين وعسكريين.

ويبدو أن ولد عبد العزيز شعر بخطورة ملف المصالحة الوطنية وحساسية تنامي الخطاب الفئوي والعرقي في البلد، لذلك ركّز في أول حديث له أمام هيئة حملته الإنتخابية بعد فوزه في الإنتخابات الرئاسية، على إطلاق تعهّدات بتكريس الوحدة الوطنية، ومحاربة كل دعوات التفرقة والعنصرية ونبذها.

التحدي الآخر الذي يواجه الرئيس الموريتاني، هو السعي لإخراج البلاد من دوامة الأزمة السياسية التي تعرفها منذ وصول ولد عبد العزيز إلى السلطة في انقلاب عسكري عام 2008. وكان من المتوقع أن تنتهي تلك الأزمة باتفاق الفرقاء السياسيين في دكار عام 2009 وتنظيم الانتخابات الرئاسية حينها، لكن الأزمة ظلّت تُراوِح مكانها، وبلغت ذِروتها في دعوات أحزاب المعارضة للتظاهر من أجل إسقاط النظام ورفعها شعار "رحيل النظام"، وذلك قبل سنتين من الآن، فضلا عن مقاطعتها للانتخابات النيابية والبلدية والرئاسية، وفشل محاولات الحوار التي أطلقت مرتيْن بينها وبين الحكومة.

وهنا، يمكن القول أن الرجل، بعد أن اطمأن على كرسيه في مأمورية ثانية، بات بإمكانه القيام بخطوات جريئة تمكِّنه من امتِصاص النّقمة الشعبية وحلحلة الأزمة السياسية التي رافقت حكمه منذ وصوله إلى السلطة، وذلك عبْر فتح حوار سياسي جادّ مع أحزاب المعارضة، ممثلة في منتدى الوحدة والديمقراطية الذي يضم أحزابا سياسية معارضة وهيئات نقابية وبعض منظمات المجتمع المدني، إضافة إلى كافة الفرقاء السياسيين الآخرين، على أن يهدف هذا الحوار إلى الاتفاق على آليات لتنظيم انتخابات برلمانية وبلدية سابقة لأوانها، بغية إشراك أحزاب المعارضة فيها ومنحها فرصة للعودة إلى قبّة البرلمان والمجالس البلدية المحلية.

تعزيز السياسة الدفاعية والأمنية

كما سيكون على الرئيس تعزيز سياسته الدفاعية والأمنية لحماية أمن البلد واستقراره من مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة، نظرا لوجود موريتانيا في موقع جيو استراتيجي يجعلها عرضة للكثير من عوامل زعزعة الأمن وعدم الاستقرار، حيث توجد على حدودها الشرقية والشمالية منطقة أزواد بشمال مالي، التي لم يعرف الاستقرار إليها سبيلا منذ عقود خلت، وتتراوح التنظيمات المسلحة فيها بين الجماعات الإسلامية وعصابات التهريب وحركات التمرد، الأمر الذي يهدد بتوسيع دائرة عدم الإستقرار في البلدان المجاورة لها، خصوصا موريتانيا التي كانت ما بين عامي 2005 و2010 مسرحا لعمليات قتل واختطاف، نفذها تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، فضلا عن استباحة صحاريها من قِبل جماعات التهريب وعصابات المخدرات.

ويحسب المراقبون للرئيس ولد عبد العزيز تعزيز السياسة الأمنية والعسكرية للبلد خلال مأموريته الأولى، عبر تسليح وتأهيل الجيش ونشره على الحدود، لمنع تسلل المجموعات المسلحة إلى داخل الأراضي الموريتانية، لكن التحديات تتفاقم مع تطوير هذه الجماعات لأساليبها وقدراتها، وبفعل الحرب الدائرة حاليا في المنطقة، بين تلك الجماعات والقوات الفرنسية والدولية المنتشرة في شمال مالي والتي يهدّد شررها بالتطاير في جميع أرجاء المنطقة.

تحديات اقتصادية

وعلى مستوى السياسيات الإجتماعية، يواجه الرئيس الموريتاني تحديا حقيقيا، يتمثل في ضرورة تجسيد الأرقام الإقتصادية الكبيرة - التي أعلن عن تحقيقها في مأموريته الأولى - إلى حقيقة ماثلة على أرض الواقع، لتمكين البلاد من التخفيف من وطأة الفقر الذي يرزح تحته الكثير من السكان، وكذلك الأمية والجهل، حيث تتفاقم حالات الاحتجاج ذات الطابع العمالي والشعبي، رافضة لارتفاع أسعار المحروقات والمواد الإستهلاكية، وتدنّي الأجور، وبطش الليبرالية المتوحّشة التي طحنت رحاها الطبقة الوسطى والفقيرة، وزادت من اتساع الهوة والشرخ بين الفقراء والأغنياء، والاستغلال المفرط لثروات البلد السمكية والمعدنية عبر شركات وجهات خارجية، لا تعود نتائجها على اقتصاد البلد بالمردودية المناسبة لحجم تلك الثروات. هذا فضلا عن هشاشة المنظومة الصحية والتعليمية والبُنى التحتية، كما يواجه النظام إدارة عشعش فيها الفساد والمحسوبية لعقود طويلة، وكبّلتها قيود البيروقراطية وأعاقتها عن الإنسيابية المطلوبة، للرفع من مستوى المسار التنموي والإقتصادي والإجتماعي للبلد.

تحدي المأمورية الثالثة

ودستوريا، سيكون أمام الرئيس تحدٍّ آخر عليه رفعه، وهي الدعوات التي بدأت بوادرها تظهر للعلن، وتطالبه بتعديل الدستور الذي يمنعه من الترشح لمأمورية ثالثة. وهنا سيكون على الرجل أن يختار بين الديمقراطية والدستور من جهة، ورغبته الشخصية في الحكم ومصالح مقربيه الضيقة من جهة أخرى. لذلك، يتطلع الكثيرون إلى أن يقدم ولد عبد العزيز على خطوة تكبح جماح دعوات تعديل الدستور التي يتوقّع أن تتكاثر وترتفع في السنوات القليلة القادمة، عبر التصريح بنيته احترام الدستور والقسم الرئاسي، ومنع مؤيّديه من الترويج للخطاب الدّاعي لتعديل الدستور، وهو تحدٍّ سيكون صعبا إذا ما نظرنا إلى الظروف المحيطة بموريتانيا، سواء الإقليمية أو الداخلية، حيث يعيش الربيع العربي الذي كان يؤمل أن يكون فاتحة عهد من دمقرطة العالم العربي، حالة من الارتكاس بعد الإنقلاب في مصر ومحاولات عرقلة المسار التونسي، وإشراف ليبيا على حافة التصنيف كدولة فاشلة، وفي الجزائر المجاورة تمّ تغيير الدستور لمنح عبد العزيز بوتفليقة فرصة مأمورية جديدة، ينضاف إلى ذلك ضغط أصحاب المصالح والمقربين من النظام الراغبين في استمرار حكمه، بغية مزيد من الاستفادة وتعزيز المصالح الضيقة، حتى ولو كان ذلك على حساب الديمقراطية والتناوب السلمي على السلطة.

×