تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مبادرةٌ لتحريك المياه الراكدة "مخاضٌ عسير" للحوار السياسي في موريتانيا

من جديد تعود إلى الواجهة في موريتانيا دعوات الحوار ومبادرات تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، في محاولة لتحريك راكد مياه الأزمة السياسية التي تعرفها البلاد منذ سنوات، وذلك وسط تصاعد تبادل الاتهامات بين أحزاب المعارضة والأغلبية الحاكمة بشأن المسؤولية عن حالة الانسداد الذي وصلت إليه العلاقة بين الطرفين، خصوصا بعد تنظيم انتخابات بلدية وبرلمانية ورئاسية قاطعتها معظم أحزاب المعارضة ووصفتها بالمهزلة.

يوم 21 يونيو 2014 شهدت موريتانيا تنظيم انتخابات رئاسية قاطعتها أحزاب المعارضة الرئيسية وفاز فيها الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي يبدو في الصورة وهو يستعد للإدلاء بصوته في مكتب اقتراع بالعاصمة نواكشوط.

(swissinfo.ch)

الحديث عن الحوار هذه المرة يأتي على ضوء كشف النقاب عن مبادرة جديدة قدمها زعيم حزب التحالف الشعبي المُعارض ورئيس البرلمانرابط خارجي السابق مسعود ولد بوالخير، المحسوب على "كتلة المعاهدة" التي توصف بالمعارضة المحاورة، أو المعارضة المعتدلة. وتضمنت هذه المبادرة عدة بنود يفترض أن يتم تنفيذها على مراحل متفاوتة تبدأ بخطوات وصفت بممهدات بناء الثقة بين الطرفين، وذلك عبر لقاءات مباشرة بين رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز، وقادة أحزاب المعارضة يتمّ خلالها التأكيد على نية الجميع الدخول في حوار جدي وحقيقي، والتعهد بالسعي لإنجاحه بغية الخروج بالبلد من حالة الإنسداد السياسي التي يعيشها.

مبادرة جديدة بمراحل عديدة

كما تنص الوثيقة على ضرورة إعلان المعارضة عن تعهدها بعدم اللّجوء في نضالها ضد النظام إلى الأساليب غير السلمية أو المنافية للديمقراطية، على أن يتعهد في المقابل رئيس الجمهورية باحترام الدستور، خصوصا في المواد المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد مأموريتين له كحد أقصى لا يمكن أن يترشح بعدهما، وهو ما يضمن مغادرة الرئيس الحالي للسلطة عند انتهاء مأموريته الحالية بعد أربع سنوات.

وتنص المبادرة أيضا على ضرورة تعهد رئيس الجمهورية بعدم القيام بأيّ عمل من شأنه استغلال سلطته الحالية كرئيس للبلاد لفرض من سيخلفه في الحكم، مع ضرورة إعادة تشكيل اللّجنة المستقلة للإنتخابات على ضوء اتفاق الأطراف المشاركة في الحوار، وكذلك إعادة تشكيل المجلس الدستوري الذي يعتبر بمثابة المحكمة الدستورية المسؤولة عن إجازة الانتخابات أو رفضها، فضلا عن الإتفاق على إجراءات من شأنها أن تضمن حياد مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية والأمنية خلال الإنتخابات.

وتقترح المبادرة التي قدّمها رئيس البرلمان مرحلة ثانية من مسلسل الحوار يتمّ خلالها تحديد ممثّلين عن الأطراف في ورشات عمل ونقاش تهدف إلى تعميق النقاشات، والخروج بورقة عملية توافقية. وفي هذه المرحلة، تقترح المبادرة أن تتم هذه النقاشات في جوّ هادئ، بعيدا عن وسائل الإعلام، على أن يتم إشراك المجتمع المدني والهيئات النّقابية في المرحلة الثالثة من الحوار، وهي مرحلة ما بعد إقرار وثيقة التوافق بين الأطراف السياسية، وذلك تمهيدا للخروج بوثيقة وطنية جديدة تكون محلّ إجماع من الأطياف السياسة وهيئات المجتمع المدني، تضمن إرساء دولة ديمقراطية، وتضع حدّا للتوتّر السياسي الناجم عن أزمة الثقة بين الأطراف.

بعد ذلك، يعبر الحوار إلى مرحلته الرابعة والأخيرة، وهي إطلاق ورشات عمل لتنظيم وتنفيذ الإتفاقيات المدرجة في الوثيقة النهائية المنبثقة عن المرحلة الثالثة، على أن يتم الإنتهاء من أشغال تلك الورشات قبل انتهاء المأمورية الحالية (في عام 2019) لرئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز بسنة على الأقل. وتشترط الوثيقة أن يتم الإتفاق على تعديل الدّستور بحيث يتم رفع السن القانونية التي تسمح بالترشح للإنتخابات الرئاسية والمُحددة أصلا بخمس وسبعين سنة، أو إلغاء تحديدها نهائيا. 

عرض حكومي من أجل الحوار

هذه الوثيقة ردّت عليها الحكومة وأحزاب الأغلبية المؤيدة لها بوثيقة أخرى، تتضمن قبول عدد كبير من بنودها. وقد سُلمت الوثيقة الحكومية للمعارضة رسميا من طرف رئيس الوزراء يحيى ولد حمدين، الذي أبلغ المعارضة رسميا بموافقة الحكومة وأحزاب الأغلبية على الدخول في حوار سياسي معها لمناقشة كافة القضايا التي أثارتها المعارضة وطالبت بها، بما في ذلك تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية سابقة لأوانها، تشارك فيها المعارضة.

واقترحت وثيقة الأغلبية مجموعة من النقاط قالت إنها مستعدة للحوار بشأنها مع المعارضة، وفي مقدمتها، تغطية وسائل الإعلام الحكومية لأنشطة المعارضة بمهنية وحياد، والقيام بإجراءات لبناء الثقة بين الطرفين، وإشراك أطر المعارضة ورجال الأعمال المنتمين لها في التوظيف الإداري والأنشطة الاستثمارية، وإعادة النظر في تشكيلة المجلس الدستوري، ولجنة الإنتخابات، والتوافق حول جدول للإنتخابات تحدد مواعيده بالاتفاق بين جميع الأطراف، وتعديل الدستور بحيث ترفع السن القانونية للترشح للإنتخابات من 75 سنة كحد أقصى، إلى 80 سنة أو عدم تحديد سقف لها، وذلك بغية السماح لبعض قادة المعارضة بالترشح، خصوصا أحمد ولد داداه، زعيم حزب تكتل القوى الديمقراطية، ومسعود ولد بوالخير، رئيس البرلمان السابق.

وأبلغ الوزير الأول المعارضة بأنه في حال تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، فإن الفترة المنقضية من المأمورية الثانية للرئيس الحالي لن يتم حسابها، وسيسمح له بالترشح لمأمورية جديدة، الأمر الذي اعتبرته بعض قوى المعارضة التفافا على الدستور وتحايلا عليه.

من جهته، أعلن وزير الاتصال الموريتاني، الناطق الرسمي باسم الحكومة إزيد بيه محمد محمود، أن تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة هو مطلب للمعارضة كلها، وأن الحكومة وافقت عليه ومستعدة لنقاشه والتحاور بشأنه، مضيفا أن الحكومة لا ترفض نقاش أي موضوع ومستعدة للتعاطي إيجابيا مع طلبات المعارضة.

"سخيف وغير جدّي"

وفي أول رد فعل للمعارضة على وثيقة الحكومة للحوار، قال الأمين الدائم لمنتدى الديمقراطية والوحدة (يضم أحزاب المعارضة الراديكالية) إن الوثيقة لا تمثل قيمة كبيرة، وأن الدستور لا يسمح بتنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها، إلا في حال شغور منصب الرئيس، متسائلا هل الرئيس الحالي مستعد لتقديم استقالته قبل الإنتخابات القادمة. كما وصف عرض النظام بعدم حساب الفترة المنقضية من مأمورية الرئيس الحالي في حال تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها، بأنه محاولة سخيفة للإلتفاف على الدستور، وينم عن خفة سياسية، مؤكدا أن المعارضة لا تريد تغيير الدستور، وأن السماح لبعض قادتها بالترشح رغم تجاوزهم السن القانوني لذلك أمر ثانوي بالنسبة لها.

وفي نفس السياق، قالت مصادر في حزب تكتل القوى الديمقراطية الذي يقوده مرشح الإنتخابات الرئاسية السابق أحمد ولد داداه، إنهم أبلغوا حلفاءهم في "منتدى المعارضة" بعدم استعدادهم للحوار مع النظام الذي وصفوه بالمتحايل وغير النزيه. وقال المصدر إن حزب تكتل القوى الديمقراطية يعتبر أن الوقت وقت نضال وليس وقت حوار، داعيا إلى مواصلة جهود المعارضة لإزاحة النظام بالطرق السلمية والديمقراطية.

وقد وجه منتدى المعارضة رسالة إلى رئيس الحكومة معربا فيها عن رفضه لأيّ مقترح من شأنه تغيير الدستور، وقال المنتدى إن إعلان الحكومة موافقتها على تغيير السن القانونية للترشح للإنتخابات الرئاسية، هي مجرد فخ من النظام لإرغامهم على القبول للرئيس الحالي بمأمورية ثالثة، وهو ما يرفضونه جملة وتفصيلا. وجدّدت المعارضة تمسّكها بشروطها السابقة التي طرحتها قبل سنتين من الآن، وفي مقدمها اعتبار النقاط التي قدمتها الحكومة في وثيقتها الحالية كجدول أعمال للحوار، مجرد مسلمات يجب تنفيذها قبل الدخول في الحوار. وحملت رسالة "المنتدى" الموجهة للحكومة لهجة تنمّ عن رفض غير مباشر للحوار، وذلك بإضافة شروط له، وتغيير الأجندة المقترحة بشكل كامل.

بدوره، أعرب رئيس البرلمان السابق مسعود ولد بوالخير المنتمي لكتلة المعاهدة (المعارضة المحاورة) عن تمسكه بطلبه تغيير الدستور في مادته المتعلقة برفع سن الترشح للإنتخابات الرئاسية، أو إلغائها، رافضا تمسك المعارضة بقدسية الدستور ورفضها لتغييره بشكل نهائي.

تحديات داخلية وخارجية

ويأتي هذا التجاذب السياسي الحاد في موريتانيا بشأن الحوار الداخلي، في وقت تواجه فيه موريتانيا تحدّيات داخلية وخارجية كبيرة، وفي مقدمتها إشكالية الوحدة الوطنية، حيث تتصاعد وتيرة الدعوات الفئوية الهادفة إلى رفع الحيف التاريخي عن بعض الفئات والشرائح، وفي مقدمتهم العبيد السابقون، الذين يناضلون من أجل إشراكهم بصورة أكثر شمولية وعدالة في تسيير الشأن العام.

وفي هذا السياق، تأتي محاكمة زعيم حركة إيرا الإنعتقاية، بيرام ولد الداه ولد اعبيدي، الذي حلّ في المرتبة الثانية خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ويوجد الآن رهن الاعتقال بعد إدانته مع اثنين من رفاقه بتهمة التجمهر غير المرخص وعصيان الأوامر القانونية. وبالتوازي مع ذلك، تصعد حركة "أفلام" القومية الزنجية من دعواتها الإنفصالية، مطالبة بمنح الأقاليم الجنوبية من البلاد حكما ذاتيا، في حين ترفع النقابات العمالية وتيرة نضالاتها مهددة بإضرابات عامة تشل معظم الأنشطة الاقتصادية في البلد.

أما إقليميا، فتشهد الحدود الشرقية والشمالية لموريتانيا حربا ضروسا تخوضها الجماعات المسلحة بشقيها الجهادي والقومي، في شمال مالي، ونشاطا محموما لشبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة، كما تشهد ليبيا حالة من انهيار الدولة والإقتتال الداخلي يلقي بظلاله على المنطقة برمتها. وتتصاعد في تونس أنشطة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي. وفي غرب إفريقيا، تضرب جماعة "بوكو حرام" بعنف وتتوسع بوتيرة سريعة ومذهلة في نيجريا والكامرون مُهددة بزعزعة استقرار المنطقة برمتها. وبين المنطقتين (غرب إفريقيا وشمالها) تتربع موريتانيا جغرافيا، لتكون بذلك المرشحة الأكبر للتأثر بالوضع في أي من المنطقتين.

Neuer Inhalt

Horizontal Line


swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك